دفعت سلسلة من النزاعات في العقد الأخير بمبدأ ((مسؤولية الدولة)) إلى واجهة السجالات في القانون الدولي. وشدد تبني مسودة المواد المتعلقة بمسؤولية الدولة عن الأفعال الجائرة دولياً(1) عام 2001، والتي أعدتها ((لجنة القانون الدولي)) على أهمية تحميل الدولة التبعات القانونية مظالمها التاريخية. وعلى الرغم من أن تلك المواد لم تقنن في اتفاقية محددة، فإنه يتوقع أن تصدر على شكل ((إعادة إقرار للقانون الموجود)) وذلك في إعلان صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة(2).
في هذه الأثناء توقفت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية تماماً، واندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000. ومنذ محادثات طابا عام 2001 جرت عدة مساع لإعادة إطلاق عملية أوسلو المتداعية لفتاً للانتباه ((خارطة الطريق)) التي تمت برعاية اللجنة الرباعية في نيسان 2003، واتفاقيات جنيف في كانون الأول 2003، وجميعها آلت إلى الفشل، ولكنها سلطت الضوء على الاستعداد الظاهر لدى أطراف مختلفة للتضحية بحق اللاجئين في الشتات على التشديد على حقهم الفردي في العودة وعلى تحميل دولة إسرائيل مسؤوليةً في خلق أكبر جمهور من اللاجئين وأقدمهم زمناً.
هذه الورقة ستلقي الضوء على مفهوم ((مسؤولية الدولة)) وعلى مدى انطباقها على الأحداث التي وقعت في فلسطين الانتدابية عامي 1947-1948، وتحديداً نكبة اللاجئين الفلسطينيين العرب. وبعد ذلك ستتحرى الورقة تبعات مسؤولية الدولة المعنية، وأشكال إصلاح الضرر reparation المتوفرة في القانون الدولي.
I - مسؤولية دولة إسرائيل في القانون الدولي:
يستتبع مفهوم ((المسؤولية))، بحسب القانون المدني أو الجنائي، نقاشات في العادة حول توفر محكمة ذات سلطة قضائية لإصدار قراراتٍ ملزمة تطالب بإنصاف الطرفي المتضرر. ولكن عند التعامل مع مفهوم المسؤولية في القانون الدولي ،لا يقرر توفر المحاكم التي تستطيع أن تطبق وتفرض القانون ما إذا كانت دولة ما مسؤولة عن انتهاك القانون الدولي أم لا.
تقدَّم الشكاوى على انتهاكات القانون الدولي عبر القناة الديبلوماسية في العادة. وهكذا غالباً ما تكون الديبلوماسية والسياسة أكثر العوامل حسماً في تقرير مسؤولية الدولة. وقد تم امتحان تأثير هذين العاملين، أكثر ما امتحنا، في الشرق الأوسط، وضمن سياق المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية بشكل أكثر تحديداً. وعلى الرغم من أن مسودة مواد ((لجنة القانون الدولي)) (ل.ق.د) تشكل أهم تطور في القانون الدولي بخصوص مفهوم مسؤولية الدولة، فإن تطبيقها على النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني يصطدم بالعراقيل حتما، بسبب ميزان القوى الحالي.
I .1. تطبيق مسودة مواد ل.ق.د على أحداث النكبة الفلسطينية من حيث المبدأ، لا يمكن أن تنطبق مسودة المواد المذكورة على أحداث النكبة لأنها لا تستوفي متطلبات الحكم ما بين زمنين inter-temporal rule ، والتي تشترط ما يلي: ((على الواقعة القضائية أن تقيّم في ضوء القانون الذي عاصرها، لا القانون المطبّق حين نشب مثل ذلك النزاع حولها أو قيّض له أن يسوّى))(3). ولكن لمّا كانت هذه الموادّ تعتبر إعادة إقرار restatement للقانون الدولي العادي الموجود، فإنها توفر دليلاَ مفيداً على العناصر الأساسية المتعلقة بمسؤولية الدولة ف القانون الدولي. ولهذا فإن مدى انطباقها على أحداث النكبة جدير بالتحري.
والحق أن الفائدة الكبرى لمسودة مواد ل.ق.د تتجلى عند التعامل مع انتهاكات المعاهدات الثنائية أو المتعددة الأطراف، أو ما يمكن تسميته بالانتهاكات((العادية)) غير أن ذلك ليس حال تهجير سكان فلسطين الانتدابية الأصليين على يد المجموعات الإرهابية الصهيونية السرية. ومع ذلك فإن المواد المذكورة كرست الفصل الثاني لفئة أخرى من الانتهاكات، وهو ما نجم عنه مفهوم ((المسؤولية المشددة)). aggravated responsibility . وهذه المسؤولية تنشأ حين تحصل انتهاكات لـ((قواعد أساسية عامة تقدس قيماً جوهرية))(4). ومثال هذه الانتهاكات: العدوان، أو الإبادة الجماعية، أو الجرائم الفادحة المرتكبة ضد أشخاص ينتمون إلى مجموعة إثنية ما.
ومن دون الغوص في تفاصيل المخطط الصهيوني المتبع لطرد الفلسطينيين بالقوة من فلسطين الانتدابية- وهو بعد من أبعاد مسؤولية إسرائيل كشفه ((المؤرخون الإسرائيليون الجدد))(5) - يجدر بنا أن نذكر باختصار بعض الأحداث التي أدت إلى تهجير الشعب الفلسطيني. فخلال بضعة شهور من قيام دولة إسرائيل وبعدها، ارتكبت 34 مجزرة، وهُجّرت ودُمّرت 531 قرية بالكامل(6). ويقدّر أن القوات الإسرائيلية قتلت 13 ألف فلسطيني، وهجرت بالقوة ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم(7). إن هذه الأعمال الواسعة من التدمير ومصادرة الأملاك، فضلاً عن الترحيل القسري للسكان، تندرج ضمن تعريف ((الجرائم ضد الإنسانية)) و((جرائم الحرب)) ويمكن العثور عليها في ميثاق لندن ( 1945) وفي مبادئ القانون الدولي المقرة في ميثاق محاكمة نويمبرغ (1950). وهذه التعريفات تم صقلها وتهذيبها من بعد في مسودة قوانين الجرائم المرتكبة ضد سلام البشر وأمنهم (1996) وفي تشريع روما للمحكمة الجنائية الدولية (1998)(8). وإن أحداثاً بمثل هذه الفداحة ستستدعي على الأرجح تطبيقاً للقواعد المتصلة بـ ((المسؤولية المشددة)) بدلاً من تلك المتصلة بـ((المسؤولية العادية)).
I .1. 1. العناصر الذاتية للفعل الجائر. تشترط المادة 1 من مسودة مواد ل.ق.د أن ((كل فعل جائر، بالمفهوم الدولي، ترتكبه دولة من الدول يستوجب المسؤولية العالمية لتلك الدولة)). على الدولة أو الدول المدّعية، إذن، أن تثبت وجود فعل جائر ارتكب ضدها من أجل تحديد ما إذا كانت مسؤولية الدولة المعتدية ((عادية)) أم ((مشددة)). وكل فعل جائر ذو عناصر ذاتية وموضوعية. أن العناصر الذاتية فهي التالية: I) ) تحميل دولة ما تصرفاً فردياً (فعلاً أو إهمالاً) مخالفاً لالتزام دولي ما؛ (II ) وفي بعض الحالات، خطأ الدولة التي ترتكب رسمياً الفعل الجائر))(9). وبحسب البروفسور أنطونيو كاسس، فإن ((فداحة الانتهاك، وكون الالتزام المنتهك ذا أهميةٍ أساسيةٍ للمجتمع ككل، يستدعيان في حالات المسؤولية. هذا العنصر النفسي، إذن، مطلوب دوماً وينبغي من ثم إثباته من قبل الدولة المدعية))(10).
عند النظر إلى الأحداث التي اكتنفت إنشاء دولة إسرائيل، يثير ذلك التعريف السؤال التالي: هل يمكن، بمفعول رجعي، نسبةَ أفعال الأرغون والهاغاناه والمجموعات الإرهابية الصهيونية الأخرى إلى دولة إسرائيل؟ لقد ذكر المقرر الخاص جايمس كروفوردفي تقريره الأول عن مسؤولية الدول (1998) إن إقرار دولة ما وموافقتها على أن تصرفا ما ((هو من فعلها هي)) قد يكون له مفعول رجعي(11). كما أن المادة 10(2) من مسودة مواد ل.ق.د تقول ما يلي: ((إذا نجح تصرف حركة ما، عصيانيةٍ أو غير ذلك، في إنشاء دولة جديدة على قسم من أرض دولةٍ سبق وجودها، أو في أرض تخضع لإدارتها، فإن ذلك سيعتبر فعلاً من أفعال الدولة الجديدة بحسب القانون الدولي)).
والحال أن الرابط بين المجموعات الصهيونية الإرهابية السرية من جهة، ودولة إسرائيل من جهة ثانية، قد كشف عنه باحثون عديديون، وتحديداً ((المؤرخون الإسرائيليون الجدد))(12). بل إن عصابتي الأرغون وشتيرن، بقيادة مناحيم بيغن وإسحق شامير (وكلاهما أصبح رئيساً لحكومة أسرائيل)، كانتا في الواقع مسؤولتين عن مقتل 345 فلسطينياً في قرية دير ياسين في نيسان 1948(13). علاوة على أن ديفيد بن غوريون أمر الهاغاناه باحتلال المناطق العربية حول القدس وبتوطين اليهود فيها قبل إعلان دولة إسرائيل في 14 أيار 1948 وصيرورته رئيس وزرائها الأول.(14) وعليه، فإن الرابط بين هذه المنظمات الصهيونية ودولة إسرائيل المنشأة آنذاك لا يخضع لأدنى شك؛ وقد وافق على تلك الأفعال قادة إسرائيل بعد ذلك. وفي هذا الضوء، فإن من الممكن أن نحاجج بأن هذه الأفعال تمكن – ارتجاعياً – نسبتها إلى دولة إسرائيل.
ولما كانت نية المجموعات الصهيونية والقوات الإسرائيلية في استخدام العنف الوحشي من أجل إرهاب السكان الفلسطينيين وإخلاء الأرض من أهلها الأصليين قد ثبتت هي أيضاً ونوقشت باستفاضة من قبل العديد من الباحثين والأكاديميين،(15) فإنه تمكن المحاججة بأن الشرطين الذاتيين الفعل الجائر قد استوفيا.
I .1. 2. العناصر الموضوعية للفعل الجائر. العناصر الموضوعية للفعل الجائر هي: (( I عدم اتساق تصرف معين مع أحد الالتزامات الدولية؛ (II ) الأذى المادي أو المعنوي الذي نزل بطرف من الأطراف الدولية؛ (III ) غياب أي من الظروف المختلفة التي تعوق الجور))(16). وسنفحص ههنا مدى انطباق كل من هذه العناصر على دولة إسرائيل.
يقول البروفسور أنطونيو كاسس: ((في حالة المسؤولية المشددة، فإن على الدولة المعتدية بحسب القانون العادي التزامات تجاه كل الدول الأخرى، وبالمثل فإن كل الدول الأخرى تملك حقوقاً وصلاحيات والتزامات مترتبة على الفعل الجائر تجاه الدولة المذنبة))(17) إذن، إسرائيل مدينة للمجتمع الدولي ككل بالالتزام بعدم ارتكاب أفعال ترقى إلى جرائم الحرب أو إلى جرائم ضد الإنسانية. وهكذا يكون قد تم استيفاء الشرط الموضوعي الأول.
أما بالنسبة إلى الأذى المادي أو المعنوي، فيؤكد كاسس أنه في حالة المسؤولية ((المشددة)) فإن ((الأذى المادي أو المعنوي، أن حصل، ليس عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه من أجل تحميل الدولة [المذنبة] المسؤولية. ذلك أن ما يهم هو أن يؤدي الانتهاك إلى أن تخرق أي دولة (أو دولة موقعة على الاتفاقية) حق دولة أخرى في تنفيذ الالتزام))(18). وحتى لو كان ينبغي إثبات وقوع أضرار نزلت بالشعب الفلسطيني، فقد تم توثيق هذه الأضرار توثيقاً واسعاً، ولا سيما من قبل ((لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين)) التابعة للأمم المتحدة، وهي لجنة سبق بحلول عام 1961 أن جمعت 450 ألف شكل من الأملاك التي تعود إلى العرب في فلسطين الانتدابية(19) قبل أن تصادرها إسرائيل. وعليه، فقد تم استيفاء الشرط الموضوعي الثاني أيضاً...
من الممكن استدعاء حجج تثبت استيفاء العناصر الذاتية والموضوعية معاً لتعريف الفعل الجائر. وهذا، بدوره، سيفعل مسؤولية إسرائيل ((المشددة)) عن الأحداث التي أدت إلى تهجير السكان الأصليين لفلسطين الانتدابية.
II - تبعات مسؤولية إسرائيل المشددة
كما ذكر سابقاً، فإن الدولة ((المذنبة))، في حالة المسؤولية المشددة، ملزمة تجاه المجتمع الدولي؛ كما أن كل الدول الأخرى لديها حقوق تجاهها أيضاً. ولكن، للأسف، لم يتم إلا لماما استحضار ((المسؤولية المتشددة)) من قبل الدول الأعضاء في المجتمع الدولي. ويبرر البروفسور كاسس هذا النزوع بأن ((الدول ما زالت تتشبث بأن عليها التحرك في الأمور الدولية من أجل حماية مصالحها الخاصة ف المقام الأول))(20)
. وهذا ما يرجح أن تكون عليه الحالة مع دولة إسرائيل؛ ذلك لأن المجتمع الدولي يواصل إسباغ عبارات التملق الجوفاء على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
ومع ذلك، وبحسب سكوت لكي، المدير التنفيذي لـ((مركز حقوق الإسكان والإخلاءات)) فإن ((النزاعات التي لم تحل بعد بشأن الإسكان والأملاك والأراضي تتسبب - بطريقة بغيضة دائماً تقريباً - في حدوث أزمة تالية، أينما كان ذلك))(21). وإن تقبل تحمل المسؤولية عن مظالم اقترفت ضد شعبٍ، والسعي إلى رفع هذه المظالم، قضيتان أساسيتان في سيناريوهات إعادة البناء بعد حدوث الأزمات. فمنذ محاكمات نوريمبرغ، أصبحت استعادة الأملاك والتوفيق بين المتصارعين ركيزتين من ركائز جهود بناء السلام، وليست ثمة أسباب لاستثناء القضية الفلسطينية من هذه القاعدة العامة. فالحق أن العوائق السياسية التي تحول دون إمكانية فرض حق العودة والتعويض، والفجوات القانونية التي قد تضعف حقوق الفلسطينيين، ينبغي ألا تعتبر مثبطات تحول دون الفحص الدقيق لهذه الحقوق.
في سياق الشرق الأوسط يبدو المناخ السياسي سيفاً ذا حدين. فهو، من ناحية، يفسر غياب مطالبة الدول بإنصاف الفلسطينيين؛ ولكنه، من ناحية أخرى، يسمح للسلطة الفلسطينية- بوصفها كياناً شرعياً غير دولتيّ والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني - بأن تضع قضية اللاجئين على جدول أعمال مفاوضات السلام. ومع ذلك فإن ما نحتاج إليه هو حل غير تقليدي لمأزق اللاجئين الفلسطينيين؛ حل يتيح للاجئين أنفسهم أن يطالبوا بإصلاح الأضرار المادية والمعنوية التي تحملوها نتيجة لتهجيرهم عن وطنهم. فالحال أن اللاجئين هم بالتأكيد أكثر مكونات الشعب الفلسطيني جهراً وفعاليةً في الدعوة إلى حق العودة والتعويض. وبحسب ما لاحظ البروفسور كاسس، ((فإن بمقدور المرء أن يتصور إمكانية أن تدفع الدولة المسؤولة تعويضاً إلى الضحايا، أو إلى أقارب الضحايا، عن تلك الانتهاكات الشنيعة))(22). وليس بإمكان اللاجئين الفلسطينيين الاستفادة من سابقة تاريخية وقانونية أفضل من تلك التي وفرتها ((المنظمة العالمية اليهودية لاستعادة الأملاك)) التي بينت بجدارة أن القطار لا يفوت أبداً، كما أنه ليس من الاستحالة - بتعبير القرار 194(III )(23)- تصور ((تصحيح)) المظالم المقترفة بحق السكان المدنيين.
II .1. إصلاح الضرر reparation بحسب القانون الدولي. تنص المادة 31(1) من مسودة مواد ل.ق.د على ((أن الدولة المسؤولة ملزمة بالإصلاح الكامل للضرر الناجم عن فعل جائر دولياً))، ويؤكد القسم 2 من المادة نفسها أن الضرر يشمل الأذى المادي والمعنوي للفعل الجائر الذي أنزلته الدولة المعنية. ووفقاً للمادة 34 من المسودة نفسها، فإن ((إصلاح الضرر يتخذ شكل استعادة الأملاك، والتعويض، والإرضاء، كلاً على حدة أو بالمزج ف ما بينها)). في ما يلي سنبحث باختصار إمكانية تحقيق كل شكل من أشكال الإصلاح هذه.
II .1. 1. استعادة الأملاك restitution بحسب المادة 35 من المسودة، تعني استعادة الأملاك (( إعادة بناء الوضع الذي ساد قبل أن يرتكب الفعل الجائر، بشرط (أ) ألا تكون استعادة الأملاك مستحيلة من الناحية المادية، (ب) وألا تشكل عبئاً لا يتناسب مع الفائدة الناجمة عنها بدلا من التعويض)). والحال أن مسألة استعادة أملاك اللاجئين الفلسطينيين مسألة خلافية جداً لكونها تشمل تنفيذ حق عودة أكثر من 4 ملايين لاجئ فلسطيني(24). ومع أن الحلو الدائمة للاجئين أُجِّلت إلى مفاوضات الحل النهائي، فإن هذه المسألة كانت وما تزال مسألةً شائكة لأن مواقف الأطراف المختلفة تبقى عصيةً على التوفيق ف ما بينها. فقد أثارها الجانب الفلسطيني في محادثات طابا في كانون الثاني 2001، لكن الجانب الإسرائيلي رفضها(25). غير أن هذا لا يعني أن حق العودة لن يفرض؛ فهو مقدّس وشرعي وممكن على نحو ما كرر مراراً د.سلمان أبو ستة(26) وعدد آخر من الداعين الصلبين إلى حق العودة وإلى إقامة دولة ثنائية القومية حلاً للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي(27). وكما أسلفنا، فإن استعادة الممتلكات عيناً لا تستبعد أياً من الأشكال الأخرى لإصلاح الضرر المشار إليها في المادة 34 من مسودة مواد ل.ق.د.
II .1. 2. التعويض compensation . بالرغم من أن التعويض المادي لن يزيل الأذى أبداً أو يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فإنه قد يمحو - إلى حد ما - نتائج الأفعال التاريخية الجائرة. وقد يوفر أيضاً إحساساً بالعدالة المستعادة، وهو ما لا يمكن الاستغناء عنه في أي جهد للمصالحة(28). وف موضوع اللاجئين الفلسطينيين تحديداً، غالباً ما تم التسويق للتعويض بديلاً من حق العودة، مع أن القانون الدولي العادي (راجع المادة 34 من مسودة مواد ل.ق.د) وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 (III ) لم يعتبر أن الحقي ينفي واحدهما الآخر(29). وبحسب مسودة المواد (المادة 36(1)) فإن التعويض متوفر ((ما دام الضرر لم يصلح باستعادة الأملاك)). ولقد طرحت مسألة التعويضات على جدول أعمال محادثات طابا عام 2001، وفي تفاهمات جنيف عام 2003، فدعا الاقتراحان إلى إنشاء ((لجنة دولية)) و((صندوق دولي)) للتعامل مع قضية التعويض(30). غير أن الاختلافات ما بين الاقتراحين وكيف ينبغي أن تعمل هاتان المؤسستان تتعدى نطاق هذه الورقة.
ثمة عدة مسائل تثار عند معالجة قضية التعويض(31).
1- ما الذي سيعوَّض عنه؟ فبحسب المادة 31 من المسودة، يشمل الأذى الأضرار المادية والمعنوية معاً؛ وهذا الوقف أكدته قضية ((لويزيدو في مواجهة تركيا)) في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إذ قضت هذه المحكمة بالتعويض عن الخسارة المادية الناجمة عن منع الموصول [إلى الممتلكات]، وبالتعويض أيضاً عن الضرر غير المادي الناجم عما قد أسمته المحكمة ((الأسى ومشاعر العجز والإحباط التي لا بد أن تكون المشتكية قد عانتها طوال الأعوام بسبب عدم تمكنها من استخدام ممتلكاتها بالصورة التي ترتئيها)). (قرار المحكمة في 28 تموز 1998، الفقرة 39). إضافة إلى ذلك، يذكر الباحث جون كويغلي أن ((التعويض هو... نتيجة لإقصاء المرء عن منطقة منزله، بغض النظر عما إذا كان يملك أملاكاً حقيقية، وبغض النظر عما إذا اختار أن يعاد إلى منزله. فالتعويض واجب عن أي حرمان من الوصول إلى الموارد المالية؛ مثلاً: الأموال التي تمنعها إسرائيل عن حسابات الفلسطينيين المصرفية قبل أن تحول المصارف الأموال إلى أصحاب الحسابات))(32). ويضيف د.سلمان أبو ستة أن التعويض لازم أيضاً عن استغلال الأملاك طوال 50 عاماً(33)، كما تنص المادة 36(2) من مسودة مواد ل.ق.د على أن ((التعويض ينبغي أن يغطي أي ضرر يمكن تقييمه مالياً، بما في ذلك خسارة الفوائد إن كان ذلك قابلاً للإثبات)).
2- تحديد الأملاك. إذ هل نشمل مركبات النقل، والماشية، والآلات الصناعية، وغير ذلك من المنقولات، ضمن الأملاك الواجب التعويض عنها؟
3- تحديد متلقي التعويضات. من يمكن، لأهداف التعويض، اعتباره لاجئاً؟ هل نعتمد فقط على تعريف الأونروا لـ ((اللاجئ الفلسطيني)) من أجل تحديد من ينبغي دفع التعويض له))(34).
4- تثمين الأملاك التي ينبغي تعويضها. فهل يستند التثمين إلى قيمة الأملاك عام 1948، أم إلى قيمتها عام 2004؟ وكيف نحسب الفائدة؟ لقد قام الباحثون بعدة تقييمات لمقدار التعويض وللوسائل المستخدمة لتقييمه. فتراوحت قيمة التعويضات بين 5-10 بليون دولار أميركي بحسب شلومو غازيت، و271 بليون دولار بحسب عاطف قبرصي(35)
5- وسائل الدفع فهل تدفع التعويضات إلى الأفراد أصحاب الأملاك عام 1948 وإلى ورثتهم، أم إلى عائلتهم الممتدة، أم إلى قريتهم، أم إلى الدولة الفلسطينية؟ وبحسب د. سليمان أبو ستة فإن اللاجئين لن يقبلوا التعويضات المعطاة إلى الحكومة أو السلطة، ويقترح أن ((تدفع التعويضات المالية إلى القرى، كوحدات، تحت مظلة لجنة يتم تشكيلها باسم لجنة أرض فلسطين))(36).
6- القانون الدولي والتعويض على الفلسطينيين أن يأخذوا العبر من السوابق التاريخية والقانونية، مثل المطالب التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أو المطالب التي أثيرت في ما يتعلق بقضية البوسنة، ولجنة التعويضات التي شكلتها الأمم المتحدة في سياق الحرب العراقية - الكويتية.
II .1. 3 الإرضاء satisfaction بحسب المادة 37 (2) من مسودة مواد ل.ق.د، فإن ((الإرضاء قد يكون بالإقرار بالانتهاك، أو بالتعبير عن الندم، أو بالاعتذار الرسمي، أو بكيفية ملائمة أخرى)). وقد يتوفر الإرضاء عن الضرر المرتكب ((ما دام الإصلاح غير ممكن باستعادة الأملاك أو التعويض)). (المادة 37(1)).
في رد خاص على الورقة الفلسطينية المتعلقة باللاجئين والتي قدمت إلى محادثات طابا عام 2001، ((أعربت دولة إسرائيل رسمياً عن أسفها لمأساة اللاجئين الفلسطينيين، ومعاناتهم، وخسائرهم))، وأكدت أنها ((ستكون شريكاً نشيطاً في إنهاء هذا الفصل الرهيب الذي بدأ قبل 53 عاماً، فتؤدي في قسطها في الوصول إلى حل شامل وعادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين))(37). ومع أن هذا ليس إقراراً صريحاً بالمسؤولية، فإن إسرائيل تعبر فيه حقاً عن استعدادها للإسهام جزئياً في حل مشكلة اللاجئين. وهذا هو أسخى تعبير في المشاعر تلقاه اللاجئون الفلسطينيون من إسرائيل، وليس ثمة ما يعادله في تفاهمات جنيف.
علاوة على ذلك، فقد جرت في محادثات طابا، وبمبادرة من إسرائيل، نقاشات لرواية مشتركة لمأساة اللاجئين الفلسطينيين، لكن الفريقين فشلا في الوصول إلى اتفاق. ويمكن استنتاج نية مماثلة من تفاهمات جنيف، إذ وافق الفريقان هناك على ((تشجيع وترويج تطوير التعاون بين المؤسسات المعنية بالموضوع والمجتمعين المدنيين من أجل خلق مجالات لتبادل الروايات التاريخية والحث على الفهم المتبادل للماضي: إن الفريقين سيشجعان ويسهلان التبادلات بغية نشر تقدير أغنى للروايات الخاصة بكل طرف في ميادين التربية الرسمية وغير الرسمية، وذلك بتوفير الأوضاع لاتصالات مباشرة بين المدارس والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني... وهذه البرامج قد تشمل تطوير وسائل ملائمة لإحياء ذكرى القرى والجماعات التي وجدت قبل عام 1949))(38). ولكن عدا هذه التعبيرات المتواضعة عن النية الإسرائيلية الحسنة، وهي تقصر عن أن تكون إقراراً بالمسؤولية الإسرائيلية عن التهجير، فإن الفلسطينيين لم يتلقوا إلى الآن من دولة إسرائيل أي شكل من إصلاح الأضرار.
خاتمة:
لقد مضى أكثر من خمسة وخمسين عاماً على إنشاء دولة إسرائيل وتهجير الفلسطينيين. ومنذ ذلك الحين حصلت عدة حروب وعدة اتفاقيات سلام، دون جدوى. وإلى اليوم ما يزال اللاجئون الفلسطينيون يسعون إلى حل منصف للمظالم التي ارتكبت ضدهم. وبرغم العوائق السياسية فإنه يمكن في القانون الدولي إثبات مسؤولية دولة إسرائيل تجاه اللاجئين. والحال أن الحجج والسوابق القانونية التي يمكن استخدامها من أجل المطالبة بإصلاح الأضرار التي نزلت باللاجئين كثيرة جداً، غير أن ما يفتقر إليه هو الإرادة السياسية.
والحق أنه في غياب الدعم الدولي الكافي، وبسبب كون السلطة الفلسطينية في وضع خرب، ستكون من مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم أن يؤكدوا حقوقهم. وبالفعل فإنه منذ انطلاق عملية أوسلو شكل فلسطينيو الشتات عدة منظمات شعبية في جهود منسقة لحماية حقوقهم الفردية غير القابلة للتصرف في العودة والتعويض. وبالرغم م وجود عدة معوقات سياسية تحول دون تطبيق هذه الحقوق، فإن المد الجيوسياسي سيتحول في النهاية لصالح الفلسطينيين. وحين ينضج الوقت سيكون عليهم أن يكونوا مجهزين جيداً بالأدوات والحجج لمواجهة وهزيمة التحدي القانوني الأعظم بالنسبة إليهم.
ترجمه عن الإنكليزية: سماح إدريس
لينا الملك محامية فلسطينية مختصة في القانون الدولي
____________________________________________________________
الهوامش :
1- تبنتها ((لجنة القانون الدولي)) في جلستها الثانية والخمسين (2001)؛ وسنحيل عليها من الآن فصاعداً باسم: مسودة قوانين ل.ق.د.
2- بقرار 56/83 الصادر في 12 كانون الأول 2001 لحظت الجمعية العامة للأمم المتحدة ((المواد)) المذكورة، وأوصت بأن تراعيها الحكومات، ملحقة نص ((المواد)) بالقرار المذكور. كما اتخذت الجمعية العامة قراراً بأن تدرج في أجندتها للجلسة التاسعة والخمسين في 2004-2005 مادة بعنوان ((مسؤولية الدولة عن الأفعال الجائرة دولياً)).
3- "Island of Palmas Arbitration," in Annual Digest and American Journal.
4- Cassess, A., International Law (Oxford: Oxford University Press, 2001)
5- Morris B,. The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947-1949 (Cambridge: Cambridge
press,1989); Rogan, E.L. and Shlaim, A., The War for Palestine: Rewriting the History of 1948
(Cambridge: Cambridge University press, 2001); Pappe, I., The Making of the Arab-Israeli Conflict 1947-1951 (I.B. Tauris and Company,1994).
6-7- Miftah, "The Palestinian Despossession - FAQ, "www.miftah.org/Display.cfm? Docld-2036&CategoryId=4, 15/05/2003.
8- تعرف الجرائم ضج الإنسانية، وجرائم الحرب، على التوالي، في المبدأ VI (أ) وVI (ب) من مبادئ القانون الدولي المقرة ف ميثاق محاكمة نوريمبرغ (1950)، وفي المادتين 18 و 20 من مسودة قوانين الجرائم المرتكبة ضد سلام البشر وأمنهم (1996)، وفي المادتين 7 و8 من تشريع روما للمحاكمة الجنائية الدولية (1998).
9-10-11- كاسس، مصدر مذكور، ص 187, 201، 191.
12- راجع هامش رقم 3 في الصفحة السابقة.
13-14 Mifatah, Chronology of the Israeli Palestinian Conflict, www.miftah.org/Display.cfm?Docld-2170&CategoryId=4, 17/06/2003.
15- راجع هامش رقم 3 في الصفحة السابقة. وانظر أيضاً: Khalidi, W., From Heven to Conqest : Reading In Zionism and the Palestine Problem until 1948 ( Washington DC: Institute of Palestine Studies,1987), and Masalha, N., Expulsion of the Palestinians:The Concept of 'Transfer in Zionist Political Thought, 1882-1948 (Washington DC: Institute of Palestinian Studies 1992).
16-17-18- كاسس، مصدر مذكور ص 187، 202، 185.
19- Takkenberg, L., The Status of Palestinian Refugees in International Law (Oxford: Clarendon Press, 1998), p. 28. see also Hadawi, S., Palestinian Rights and Losses in 1948: A Comprehensive Study (London: Al- Saqi, 1988).
20- كاسس، مصدر مذكور، ص 211.
21- S. Leckie: peace in the Middle East: Getting Real on the issue of Palestinian Refugees Property, www.badil.org
22- كاسس، مصدر مذكور، ص 202.
23- A/RES/194 (11/12/1948)
24- UNRWA, UNRWA in Figures: Figures as of 31 Dec.2002 (31 Dec, 2002), www.un.org/unrwa/pr/pdf/uif-dec02.pdf.
وتؤكد أرقام الأونروا (وكالة غوث اللاجئين) لتاريخ 31 كانون الأول 2002 أن هناك حالياً 694،025، 4 ملايين لاجئ مسجل في لبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة وهذه الأرقام لا تأخذ في الاعتبار اللاجئين في مصر، ولا آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يستوفون تعريف الأونروا، أو أولئك الذين اكتسبوا جنسيات أخرى ولم يعودوا مسجلين لدى الأونروا.
25- Moratinos,M., Notes on the Tanba Talks, 2001, www.al-bab.com/ arab/docs/ pal/taba2001.htm at par.3.6
26- Abu Sitta, S., Right of Return - Sacred, Legal and Possible, www.aqsa.org/uk/journals/vol2iss2/right_of_return.html
27- Aruri, N., A One-State Solution?, www.one-state.org/articles/2003/aruri.html. See also articles by Abu Nimah, A.at www.electronicintifada.net.
28- See Marx.E., Refugee Compensation: Why the Parties have been Unable to Agree and Why it is Important to Compensate Refugees for Losses, www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/research/papers/marx.html,p.3.
ويلاحظ ماركس أن اللاجئين الذين لا يعوضون عن خسائرهم قد يورثون الأجيال اللاحقة استياءهم. والمثال الأبرز هو اللاجئون بسبب حرب 1922 بين اليونان وتركيا، والتي انتهت بتوقيع معاهدة لوزان عام 1933.
29- Bell,C., Peace Agreements and Human Rights (Oxford: Oxford University Press, 2000).
وتنص الفقرة 11 من القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن الفلسطينيين ((الراغبين في العودة إلى بيوتهم والعيش بسلام مع جيرانهم يجب أن يسمح لهم بذلك في أقرب تاريخ يمكن إجراؤه)). وبحسب بل، فإن ((التعويض كان أيضاً مطلوباً ولكن – على مايبدو – ليس كبديل عن العودة)) (ص 241). ويقول الحسيني إن القرار 194 (III ) ((يوصي بدفع التعويض عن أملاك من اختاروا ألا يعودوا، وأيضاً عن خسارة أو دمار أملاك من عادوا. إذن، العودة والتعويض لا ينفي أحدهما الآخر على الإطلاق)). Al-Husseni, J., Compensation as Part of a Comprehensive Solution to the Palestinian Refugee Problem, www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/research/papers/husseini.htm.06/1999
30- راجع هامش 7 في الصفحة السابقة، الفقرة 3(3)، والمادة 7 من اتفاقيات جنيف عام 2003.
31- Peretz,D,. ((Palestinian Refugee Compensation Workshop-IDRC, www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/research/papers/peretz/htm.
32- Quigley,J.,((Compensation for Palestinian Refugees:Initial Comments, www.arts.mcgill.ca/mepp/new- prrn/research/papers/abusitta3.htm., 03/2000,p.2
33-Abu-Sitta,S., ((Restitution and Compensation, ((www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/research/papers/abusitta3.htm. 03/2000,p.l
34- لتحديد وضع اللاجئ تنص اتفاقيات جنيف (2003) مثلاً على أن ((التسجيل لدى الأونروا سوف يعتبر برهاناً لا يمكن دحضه)) على ذلك (المادة 7.11 (د) ii ).
35- للوسائل المستخدمة في تقييم التعويض، أنظر: Kubursi,A., ((Palestinian Losses in 1948: Calculating Refugee Compensation, ((www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/papers/kubursi.htm, 08/2001.
36- المصدر السابق، ص2. وانظر أيضاً: Benvensiti, E., ((Principles and Procidures for Compensating Refugees: International Legal Perspectives, ((www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/research/papers/benvensiti.htm.
37- Private Response on Palestinian Refugees Non Paper, www.monde-diplomatique.fr/cahier/proche-orient/israelrefugees-en? Var_recherche=Taba%2C+2001,23/01/2001.
38- المادة 7(14) من اتفاقيات جنيف، 2003.