I – مقدمة
أود أن أتحدث عن دور الهيئات السياسية للأمم المتحدة ومسؤوليتها في ما يخص اللاجئين الفلسطينيين، وذلك من منظور القانون الدولي، وعلى ضوء ((الرأي الاستشاري)) لمحكمة العدل الدولية بخصوص بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وللأسف فإن غالبية الفلسطينيين لم يبقوا لاجئين طوال عقود فحسب، ولم يجد أحفادهم أنفسهم في وضع شبيه بأجدادهم فقط، وإنما يواصلون أيضاً كونهم اللاجئين الوحيدين في العالم الذين لا يتمتعون بفوائد الحماية القانونية الدولية من قبل وكالة دولية مفوضة. 1- فـ((لجنة التوفيق من أجل فلسطين)) UNCCP ، المكونة من ثلاثة أعضاء، والتي أنشئت بموجب الفقرة الثانية من قرار 194 (III )، وأعطيت تعليمات بتسهيل إعادة المهجرين إلى أوطانهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً، لم تنجح في ممارسة التفويض الذي أعطي إليها. 2) والتفويض الممنوح لـ ((الأونروا)) (وكالة غوث اللاجئين) هو بهدف المساعدة لا الحماية. 3) إن اللاجئين الفلسطينيين مستبعدون من ثم من الحماية بموجب ((اتفاقية عام 1951 حول وضع اللاجئين،)) وهي المعاهدة الكونية الوحيدة التي توفر حالياً الحماية الدولية للاجئين، بما في ذلك استبعادهم من ((المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة)) UNHCR بفضل المادة 1 (د) من الاتفاقية المذكورة.
فقد اعتبرت المفوضية العليا للاجئين في ملاحظة على مدى انطباق المادة 1 (د) م اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين على اللاجئين الفلسطينيين، تشرين الأول 2002، أن مجموعتين من اللاجئين الفلسطينيين تندرجان ضمن مجال تلك المادة وأنهما – لذلك – مستبعدتان من اتفاقية 1951؛ وهما: 1) ((اللاجئون الفلسطينيون)) بحسب المعنى الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 (III ) الصادر في 11 كانون الأول 1948، وفي قرارات أخرى صادرة عن الجمعية العامة، والذين لم يستطيعوا العودة. 2) الفلسطينيون الذين هم ((أشخاص مهجرون)) بحسب المعنى الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2252 (ES-V ) الصادر في 4 تموز 1967 وفي قرارات تالية للجمعية العامة، والذين لم يستطيعوا العودة إلى المناطق الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967. ويشمل مصطلح ((اللاجئون الفلسطينيون)) أيضاً الأشخاص المهجرين داخل أوطانهم.
والسبب في اسبتعادهم من اتفاقية عام 1951 يعود بشكل أساسي إلى أن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لم يعتبر ماثلاً في استيعابهم أو ضمهم إلى بلد ثالث [غير فلسطين وإسرائيل] – وهو ما كانت تهدف إليه اتفاقية 1951 التي قيل إن لها أساساً منفوياً exilic – بل في ممارسة حقهم في العودة إلى ديارهم. وفي 11 كانون الأول 1948 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها الثالثة العادية القرار 194 (III )، وفيه حددت طرقاً لحل المشكلة الفلسطينية. فقد أعلنت، عقت اقتراحات تضمنها تقريراً أعده الكونت برنادوت لحل الوضع الذي يزداد عسراً في فلسطين، أن اللاجئين الراغبين في العودة إلى بيوتهم والعيش بسلام مع جيرانهم يجب أن يسمح لهم بذلك في أقرب تاريخ ممكن؛ وأن التعويض ينبغي أن يدفع عن أملاك الأشخاص الذين اختاروا ألا يعودوا. وهكذا شدد القرار 194 على حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم التي رحلوا عنها واقتلعوا منها. هذا وقد أعادت الجمعية العامة التأكيد على الفقرات الشرطية لذلك القرار الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وذلك كل عام منذ 1948.
من أجل ملء فجوة الحماية الدولية هذه، يلزم أن نلتفت إلى آليات حماية أخرى موجودة ولهذا، أود أن أركز على حماية اللاجئين الفلسطينيين بواسطة الهيئتين السياسيتين التابعتين للأمم المتحدة، وأعني: الجمعية العامة ومجلس الأمن، وأن أشدد على أهمية تأكيد هاتين الهيئتين على مسؤوليتهما تجاه فلسطين ومن ثم تجاه اللاجئين الفلسطينيين. كما أن على الأمم المتحدة التزاماً موجباً بالتيقن من أن إسرائيل تستوفي واجباتها المفروضة عليها بمقتضى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
إن حل المشكلة الفلسطينية – بما في ذلك الوصول إلى إقامة دولة فلسطينية – ومسألة العودة مترابطان ترابطاً وثيقاً، ويبقيان كذلك في عمليات السلام الجارية. لكن عائقاً إضافياً نشأ مع بناء ((إسرائيل)) لجدار الفصل العنصري، الذي هو عقبة أمام عملية السلام وأمام الوصول إلى دولة فلسطينية أيضاً. ومن هنا أهمية ((الرأي الاستشاري)) الحاسم لمحكمة العدل الدولية حول لاشرعية بناء إسرائيل لذلك الجدار في المناطق الفلسطينية المحتلة (بما فيها القدس الشرقية) ودعوتها إلى تفكيكه. وإن لبناء هذا الجدار، إلى جانب التبعات القانونية، تبعات عملية كبرى، ولا سيما خطر خلق موجة جديدة من اللاجئين.
أرغب ههنا في أن أشدد على صلة ((الرأي الاستشاري)) حول الجدار في المناطق الفلسطينية المحتلة قد طرحت أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من قبل عدد من الدول الأعضاء، وذلك في سياق الجلسة الطارئة المتواصلة الخاصة العاشرة للجمعية العامة. وهذه الجلسة كانت قد اجتمعت أولاً عام 1997، عقب القرار 377 أ (V ) وعنوانه ((الاتحاد من أجل السلام))، بعد الفيتو التي طرحته الولايات المتحدة على مسودتي قرار بخصوص مستوطنات إسرائيلية معينة انشئت في المناطق الفلسطينية المحتلة.
وإذ واجهت الجمعية العامة التطورات الجديدة في هذه المناطق، فقد تبنت في 27 تشرين الأول 2003 القرار ES-10/13 ، الذي يطالب إسرائيل بـ((وقف وقلب [مسار] بناء الجدار في المناطق الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وحولها، والذي هو انحراف عن خط الهدنة العام 1949 ومناقض للمواد القانونية ذات الصلة في القانون الدولي)) ( الفقرة الأولى). وفي الفقرة الثالثة طلبت الجمعية العامة من الأمين العام أن يعد لها تقريراً عن مدى استحجابة إسرائيل للقرار. وفي مواجهة العناد الإسائيلي حيال هذه الدعوات، تبنت الجمعية العامة قرارA/RES/ES-10/14 في 8 كانون الأول 2003، وفيه عزمت على الطلب من محكمة العدل الدولية أن تدلي برأي استشاري في المسألة التالية: ((ما هي التبعات القانونية الناجمة عن بناء الجدار الذي تشيده إسرائيل، وهي القوة المحتلة، في تقرير الأمين العام، بالنظر إلى أحكام القانون الدولي ومبادئه، وضمنها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ذات الصلة؟))
الحق أن الرأي الاستشاري الذي سلمته محكمة العدل الدولية في التاسع من تموز 2004، وباعتراض صوت واحد فقط، هو أحد أهم آراء المحكمة. ومع أنه أدلي به حصراً في ما يتعلق ببناء الجدار، غير أنه يمكن تطبيقه على عدة أمور أوسع ومهمة جداً من المسألة الفلسطينية، بما في ذلك أمور تهم مسألة اللاجئين الفلسطينيين. فهو، أولاً، يعزز مسؤولية الجمعية العامة تجاه منطقة فلسطين، ومن ثم – ضمنياً – تجاه اللاجئين الفلسطينيين. وهو، ثانياً، يثبت ح الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحدود المنطقة التي سيمارس عليها الفلسطينيون تقرير مصيرهم ذاك. وهو، ثالثاً، يؤكد على المشاكل التي خلقها الجدارعلى أرض الواقع، فهذا البناء يتأكل مفهوم الدولة الفلسطينية القابلة للحياة في ذاته، وذلك بسبب عمليات ضم الأراضي التي يفرضها كأمر واقع، وإحداث خلل في الاقتصاد الفلسطيني، وخلق هجرة جماعية أخرى تؤدي إلى تغييرات ديموغرافية في المناطق الفلسطينية. والحال أن محكمة العدل الدولية – بتأكيدها على لاشرعية الجدار، وبدعوتها إسرائيل إلى تفكيكه ودفع التعويضات، وبتشديدها على مسؤولية كل الدول الأخرى فضلاً عن الهيئات السياسية للأمم المتحدة في إنهاء الوضع اللاقانوني الذي خلقه الجدار – تسهم في الجهود الآيلة إلى إزالة العائق الأساسي أمام تسوية تفاوضية ومن ثم أمام أية إمكانية لحل مسألة اللاجئين الفلسطينيين.
II - مسؤولية الأمم المتحدة تجاه فلسطين بوصفها منطقة ذات وضع دولي
- مسؤولية الجمعية العامة. إن المناطق الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، قد اعترف بها من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بوصفها منطقة ذات وضع دولي؛ وقد صادقت محكمة العدل الدولية على ذلك. وينبع وضع فلسطين هذا أولاً من خضوع هذه المنطقة في السابق لانتداب عصبة الأمم (الفئة أ) بعد فصلها عن الإمبراطورية العثمانية ووضعها عام 1922 تحت نظام انتدابي فرضته عصبة الأمم وبريطانيا العظمى قوة انتدابية عليها.
إذن، كانت فلسطين بلداً واقعاًتحت الانتداب مع اعتراف مؤقت بـ ((وجودها كأمةٍ مستقلة)). ونص على مفهوم الانتداب، وعلى أهدافه الأساسية، في المادة 22 من ميثاق تصبة الأمم. ولاحظت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري حول الوضع الدولي لجنوب غرب أفريقيا، وفي سياق حديثها عن الانتدابات عامة، ((أن الانتداب، من أجل مصلحة سكان المنطقة والإنسانية عامةً، أنشئ كمؤسسة دولية وبهدف دولي – وديعة مقدسة بين يدي الحضارة)). وقد أكدت محكمة العدل في هذا الصدد أن ((مبدأين يكتسبان أهمية عليا: مبدأ عدم الضم [أو الإلحاق]، ومبدأ مفاده أن رفاهة ونمو... الشعوب [غير القادرة بعد على حكم نفسها بنفسها] يشكلان وديعة مقدسة بين يدي الحضارة))(1). وعليه، لم يكن بمقدور الانتداب [كما نظر له] أن يضعف أو يدمر حقوق السكان الأصليين، وكان جوهره يستند إلى الإشراف والمحاسبة الدوليين.
وضعت مسألة فلسطين على أجندة الجمعية العامة للأمم المتحدة من قبل سلطة الانتداب، التي أعربت عن رغبتها في الانسحاب من ((المنطقة)). وفي 29 تشرين الثاني 1947 تبنت الجمعية العامة القرار 181 (II )، وفيه أعلنت ((أن الانتداب على فلسطين سينتهي في أقرب فرصة ممكنة، ولن يتأخر ذلك في أي حال عن 1 آب 1948)) (القسم I . (1) ).
وكانت ثمة إدراك أن المسؤوليات الدولية في ما يخص ((المنطقة)) لا تعتمد على الوجود المستمر لعصبة الأمم؛ فقد أكدت المحكمة، في آرائها الاستشارية في حالات جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا) عام 1950، أن الأمم المتحدة تسلمت الوظائف الرقابية على إدارة انتداب جنوب غرب أفريقيا بعد حل عصبة الأمم، إلى حين تحقق استقلالها.(2)
تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتطبيقاً لمسؤوليتها حيال فلسطين، القرار 181(II ) الصدر في 29 تشرين الثاني 1947، وهو قرار يوصي بـ((خطة تقسيم مع اتحاد اقتصادي)) تتيح إنشاء دولتين مستقلتين عربية ويهودية، فضلاً عن نظام دولي خاص لمدينة القدس، فأرست بذلك مفهوم الحل القائم على الدولتين. ويعترف إعلانا الاستقلال الفلسطيني والإسرائيلي كلاهما بالقرار 181 أساساً شرعياً لدولتيهما. ويشكل هذا القرار اعترافاً من قبل المجتمع الدولي بحق الفلسطينيين العرب في إنشاء دولة؛ وعنى ذلك أن نهاية الانتداب لم تنه ((الوضع الدولي)) لتلك المنطقة ولا المسؤولية العليا للجمعية العامة للأمم المتحدة عن إنشاء الدولة الفلسطينية.
في هذه الأثناء أصبحت إسرائيل في 11 أيار 1949 عضواً في الأمم المتحدة. وقد لحظت الجمعية العامة، عند السماح لإسرائيل بهذه العضوية، تصريحات إسرائيل والتفسيرات التي أدلت بها في السابق أمام ((اللجنة السياسية الخاصة)) المنبثقة عن الجمعية العامة بخصوص تطبيق القرارين 181 (II ) و 194 (III ). وتشير تلك التصريحات والتفسيرات إلى النظام الدولي المتصور للقدس، وإلى مشكلة اللاجئين العرب، ومسائل الحدود. إن عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة كانت، إذن، مشروطة بقبولها تلك الالتزامات.
منذ ذلك الوقت فصاعداً واصلت الأمم المتحدة تأكيد مسؤولية خاصة تجاه فلسطيني. ولهذا أنشأت صرحاً كاملاً من القواعد من أجل توفير أساس قانوني لأية تسوية تفاوضية تؤدي إلى قيام دولة في تلك المنطقة.
بعد إنهاء الانتداب نبعت مسؤولية الجمعية العامة للأمم المتحدة من اعتراف المجتمع الدولي جماعياً (عبر الجمعية العامة) بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ولما كان حق تقرير المصير لا يمارس إلا على منطقة ما، فإن التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره يعني التأكيد على ((وحدة لتقرير المصير)) a self-determination unit ضمن حدود مقررة. وهذه الوحدة حددتها الجمعية العامة ومجلس الأمن بأنها المنطقة الواقعة وراء حدود هدنة 1949، أي ما يقابل المنطقة التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967: الضفة الغربية – بما فيها القدس الشرقية – وقطاع غزة. وعليه، فإن فلسطين ((وحدة لتقرير المصير)) ومنطقة محتلة معاً. فهي، إذن، مخولة بالاستفادة من تطبيق أحكام القانون الدولي ذات الصلة. وحق تقرير المصير هذا يستدعي الحق في احترام التكامل الأرضي territorial integrity ووحدة المنطقة الخاضعة للاحتلال بأكملها. وقد أكدت الجمعية العامة في القرار 56/142 هذا الحق، الذي يعد في القانون الدولي معياراً لا يمكن الانتقاص منه ولا إخضاعه للنقض (الفيتو).
عام 1988 استجابت الجمعية العامة لقرار المجلس الوطني الفلسطيني، في 15 تشرين الثاني 1988 بتبني قرار الجمعية العامة 43/177. وهذا القرار يقر بإعلان دولة فلسطيني المستقلة التي اعتبرت منسجمة مع القرار 181 (II ) و ((تطبيقاً لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف...)) وهكذا غدا حق العودة جزءاً من الإطار الأوسع لحق إنشاء دولة فلسطينية.
في الفقرة 88 من الرأي الاستشاري حول الجدار، أكدت محكمة العدل قابلية تطبيق مبدأ تقرير المصير، ومن ثم واجب إسرائيل وكل دولة ((في الكف عن أي فعل قسري يحرم الشعوب المشار إليها [في ذلك القرار]... حقها في تقرير مصيرها)) (تالقرار 2625). كما لاحظت في الفقرة 118 ((أن وجود شعب فلسطيني لم يعد مسألة تخضع للنقاش، وأن هذا الوجود اعترفت به إسرائيل))، وأن منظمة التحرير اعترفت ((بحق دولة إسرائيل في العيش بسلام وأمان)).
والحق إن إعلانات الجمعية العامة بخصوص الوضع الدولي للمناطق الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وبخصوص حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لا يمكن صرف النظر عنها باعتبارها محض توصيات. ذلك أنها تؤدي، من دون أدنى شك، إلى آثار قانونية أكيدة وتوفر الأساس لعمل تقوم به الأمم المتحدة. ففي الرأي الاستشاري حول ناميبيا عام 1970 أشارت محكمة العدل الدولية إلى عدد كبير من التبعات القانونية والأحكام التي وصفتها المحكمة بأنها ذات ((تصميم عملاني)) (3)operative design . وعليهن فإن المحكمة، حين ردت على أحد الاعتراضات الزاعمة أن الجمعية العامة أدلت بتصريحات من دون أن تكون لها الكفاءة لكونها ليست هيئة قضائية، قالت: ((إن حرمان هيئة سياسية من هيئات الأمم المتحدة... الحق في الفعل، بحجة أنها تعوزها الكفاءة لإصدار ما وصف بأنه قرار قضائي، لن يكون متناقضاً مع نفسه فحسب بل سيرقى إلى أن يكون أنكاراً كاملاً للعلاجات المتوفرة في مواجهة الانتهاكات الأساسية للمشاريع الدولية))(4). وأردفت المحكمة تقول: ((لن يكون صحيحاً أن نفترض أن الجمعية العامة، لكونها من حيث المبدأ مخولة صلاحيات توصوية recommendatory ، ستمنع في حالات معينة، وضمن إطار كفاءتها، من تبني قرارات تصدر أحكاماً أو تكون ذات تصميم عملاني))(5). وأشارت المحكمة إلى أن الجمعية العامة التجأت في تلك الحالة إلى مجلس الأمن، لا لأنها لم تكن تملك الصلاحيات القانونية اللازمة لإنهاء الانتداب، بل لأنها لم تكن تملك وسائل تنفيذية تضمن الانسحاب من جنوبي أفريقيا. وأكدت المحكمة أيضاً أن ((قراراً ملزماً تصدره هيئة كفوءة من هيئات الأمم المتحدة حول لاشرعية وضع ما لا يمكن أن يبقى بغير تبعات ... فهذا القرار يستدعي تبعات قانونية، وهي تحديداً إنهاء وضع غير شرعي وتمكن معارضته من قبل كل الدول بمعنى سده كل السبل أمام شرعية حالة مكرسة عبر انتهاك القانون الدولي)).(6)
كما أكدت المحكمة في رأيها الاستشاري حول الجدار مسؤولية الجمعية العامة عنت الأراضي الفلسطينية المحتلة. فرداً على أحد الاعتراضات التي وجهتها إسرائيل ودول أخرى بأن على المحكمة ألا تجيب على طلب الجمعية العامة لأنها [أي المحكمة] ستتدخل بذلك في نزاع ثنائي، قالت المحكمة إنها:
(( لا تعتبر أن موضوع طلب الجمعية العامة يمكن عده أمراً ثنائياً فحسب بين إسرائيل وفلسطين. فنظراً إلى صلاحيات ومسؤوليات الأمم المتحدة في المسائل المتعلقة بالسلام والأمن العالميين، فإن المحكمة ترى أن بناء الجدار يجب أن يعد محطاً لاهتمام الأمم المتحدة المباشر. كما أن مسؤولية الأمم المتحدة في هذا الأمر تنبع أيضاً من الانتداب وقرار التقسيم الخاص بفلسطين. وهذه المسؤولية وصفتها الجمعية العامة بأنها مسؤولية دائمة تجاه مسألة فلسطين إلى حين حل هذه المسألة في كل أبعادها بطريقة مرضية طبقاً للشرعية الدولية (قرار الجمعية العامة 57/ 107 الصادر في 3 كانون الأول 2002). وقد تجلت هذه المسؤولية، ضمن الإطار المؤسساتي لمنظمة الأمم المتحدة، بتبني عدد كبير من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وبإنشاء عدة هيئات إضافية من أجل المساعدة على إنقاذ حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف)).
وشددت المحكمة (في الفقرتين 27و 28) على أن للجمعية العامة كفاءة ثانوية secondary competence في الأمور المتعلقة بالسلام والأمن العالميين، وذلك بموجب المادتين 10 و 11 (2). وأضافت أن تأويل المادة 12 من الميثاق بالقول إن على الجمعية العامة ألا توصي بإجراءات في الوقت الذي يتعامل فيه مجلس الأمن مع القضية نفسها إلا إذا طلب مجلس الأمن منها ذلك، قد تطور من خلال عمل الهيئات السياسية ولم يعد عائقاً. وهكذا فإن ثمة ميلاً متزايداً – مع الوقت – لأن تتعامل الجمعية العامة ومجلس الأمن، بالتوازي، مع الأمر نفسه في ما يتعلق بضمان السلام والأمن الدوليين. وفي حين نزع مجلس الأمن إلى التركيز على أبعاد مثل تلك الأمور المتعلقة بالسلام والأمن الدوليين، اتخذت الجمعية العامة نظرة أوسع فتناولت في الاعتبار الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.
- مسؤولية مجلس الأمن. مارس مجلس الأمن هو أيضاً مسؤولية تجاه فلسطين منذ زمن يعود إلى عام 1948، وذلك حين تبنى – بناء على الفصل السابع من الميثاق – القرار رقم 154 (لعام 1948)، وأكد أن الوضع في فلسطين يشكل تهديداً للأمن بحسب المادة 39. وبناءً على المادة 40، طالب مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، معلناً أن عدم احترام الأطراف المعنية لهذا القرار ((سيظهر وجود انتهاك للسلام بحسب فحوى المادة 39 من الميثاق، الأمر الذي يتطلب اهتماماً فورياً من قبل مجلس الأمن، بالنظر إلى إمكانية عمل إضافي بحسب الفصل السابع، وبالكيفية التي يرتئيها. ويشير القرار إلى أن أحكام القرار بخصوص المحافظة على الهدنة ستبقى فاعلة ((إلى حين الوصول إلى تعديل سلمي للوضع المستقبلي لفلسطين)).
أما قرار 242 (لعام 1967)، والذي أعاد التأكيد عليه فيما بعد القرار 338 (لعام 1973)، فقد شدد على متطلبات ((بناء سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط))؛ وتشمل هذه المتطلبات – من تبين أمور أخرى- ((انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من المناطق المحتلة في النزاع الأخير)) (الفقرة الثانية).
وها إن محكمة العدل الدولية تصادق على قرارات مجلس الأمن التي تبنت لاشرعية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية (بما فيها القدس) منذ عام 1967، بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وهو احتلال يعد مخالفاً للمبدأ الراسخ القاضي بعدم السماح باكتساب الأرض بالقوة. إذن لن يكون تغييراً أحادي الجانب في الوضع الدولي للمناطق الفلسطينية المحتلة إلى حين وصول مفاوضات الحل النهائي إلى تسوية سلمية يوافق عليها جميع الأطراف. كما أيدت محكمة العدل الدولية قرارات مجلس الأمن التي أعلنت أن كل الإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل بهدف تغيير طابع ووضع المناطق الفلسطينية المحتلة (بما فيها القدس الشرقية) لاغية وباطلة. أيدت المحكمة أيضاً قرار مجلس الأمن اعتبار المناطق الفلسطينية مناطق محتلة، واعتبار إسرائيل – من ثم – قوة محتلة. ودعمت المحكمة كذلك قرار مجلس الأمن اعتبار المستوطنات غير شرعية ففي الفقرة 20 تقول المحكمة: ((بخصوص هذه المستوطنات تلاحظ المحكمة أن القوة المحتلة يجب ألا تهجر أو ترحل أقساماً من سكانها المدنيين إلى المنطقة التي تحتلها)). وشددت المحكمة في الوقت نفسه على أن المادة 49 تنص أيضاً على أن ((أعمال الترحيل القسرية الفردية أو الجماعية، وكذلك أعمال ترحيل الأشخاص المحميين من المناطق المحتلة إلى مناطق القوة المحتلة أو إلى بلد آخر (سواء أكان محتلاً أم لا) أعمال ممنوعة، بغض النظر عن دوافعها)).
من المهم أن نلاحظ أن هذا الإعلان البالغ الأهمية بخصوص لاشرعية المستوطنات حظي بموافقة كل القضاة، بما في ذلك القاضي المعارض الوحيد بورغنثال. وقد ثبتت المحكمة أن المناطق الفلسطينية المحتلة، بوصفها كذلك، ينطبق عليها القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
والحال أن مسؤولية مجلس الأمن والجمعية العامة عن المناطق الفلسطينية المحتلة عام 67 يمكن تبينها في إسهامها الحميم في مفاوضات السلام. ففي القرار 55/55 (الصادر في 7 كانون الأول 2000) عبرت الجمعية العامة عن ((دعمها التام لعملية السلام الجارية التي بدأت في مدريد، ولإعلان المبادئ بخصوص الحكم الذاتي المؤقت لعام 1993، فضلاً عن الاتفاقات اللاحقة بما فيها الاتفاقية الإسرائيلية – الفلسطينية المؤقتة بخصوص الضفة الغربية وقطاع غزة لعام 1995 ومذكرة شرم الشيخ لعام 1999)). كما أن مجلس الأمن بتبنيه بالإجماع لقرار 1515، قد صادق أيضاً على خطة ((خارطة الطريق)) التي أعدتها اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، وهي خطة تهدف إلى الوصول إلى حل دائم للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي يقوم على دولتين فلسطينية وإسرائيلية.
وفي سياق هذه المفاوضات رفضت المحكمة (في الفقرة 15) الحجج التي تزعم أن رأياً استشارياً من طرف هذه المحكمة بخصوص شرعية الجدار والتبعات الشرعية لبنائه يمكن أن يعرقل الوصول إلى حل سياسي تفاوضي للنزاع المذكور.
III - أثر الجدار في احتمال حدوث هجرة جماعية للفلسطينيين من المناطق المطوقة
يحتم الجدار الذي يبنى في فلسطين منع الوصول إلى حلول لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين فهو يجعل إمكانية إنشاء دولة فلسطينية أبعد احتمالاً. ذلك أنه، إذ يقسم المناطق الفلسطينية إلى خمس وحدات تكاد لا تكون متلاصقة، ومحرومة من المنافذ على العالم، إنما يهدد إمكانية إنشاء أي دولة فلسطينية قابلة للحياة في المستقبل ذات سيادة فعلية واقتصاد فعال. ويفصل المقرر جون دوغارد هذا الانتهاك لحق تقرير المصير، فيقول: ((إن حق تقرير المصير وثيق الارتباط بمفهوم السيادة الجغرافية. فالشعب لا يستطيع أن يمارس حق تقرير المصير إلا ضمن منطقة [محددة]. غير أن بتر الجدار للأرض الفلسطينية يتعارض تعارضاً خطيراً مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لأنه يقلص كثيراً من حجم الوحدة unit (وهي وحدة صغيرة أصلاً) التي يفترض أن يمارس عليها ذلك الحق)). وتؤكد محكمة العدل الدولية، بدورها، أن بناء الجدار يجعل إمكانية إقامة دولة فلسطين غير محتملة، ومن ثم يحول دون حل تفاوضي يشمل مشكلة اللاجئين.
((121. في حين تلحظ المحكمة التعهد الذي أعطته إسرائيل بألا يؤدي بناء الجدار إلى ضم [مناطق من 67 إلى ((إسرائيل))] وبأن الجدار ذو طبيعة مؤقتة (أنظر الفقرة 116 أعلاه)، فإنها مع ذلك لا يسعها أن تبقى لامبالية بمخاوف معينة تم التعبير عنها أمامها؛ ومفادها أن مسار الجدار سيحدد سيقرر سلفاً الحدود المستقبلية بين إسرائيل وفلسطين، وأن إسرائيل قد تضم إليها المستوطنات والطرق الموصلة إلى هذه المستوطنات. إن المحكمة تعتبر أن بناء الجدار، والترتيب المرتبط به، يخلقان أمراً واقعاً على الأرض fait accompli قد يصبح دائماً. وفي هذه الحالة، وبرغم التوصيف الإسرائيلي الرسمي للجدار، فإن ذلك سيساوي إلحاقاً [ضماً] فعلياً de facto annexation )).
((122. وتذكر المحكمة، أيضاً، بأن الخطة المزمع بناؤها – بحسب تقرير الأمين العام- ستضم في المنطقة الواقعة بين الخط الأخضر والجدار أكثر من 16% من أراضي الضفة الغربية. كما أن حوالي 80% من المستوطنين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي 320 ألف شخص، سيسكنون تلك المنطقة، فضلاً عن 237 ألف فلسطيني. علاوة على ذلك فإن حوالى 160 ألف فلسطيني آخرين سيسكنون، نتيجة لبناء الجدار، في أماكن مطوقة تماماً تقريباً (أنظر الفقرات 84 و 85 و 119 أعلاه). ))
((133. ذلك البناء، أي إنشاء منطقة مغلقة بين الخط الأخضر والجدار نفسه، وخلق معازل، فرضا أيضاً قيوداً كبيرة على حرية حركة سكان المناطق الفلسطينية المحتلة [...] وهناك تداعيات خطيرة أيضاً على الإنتاج الزراعي، على ما تشهد عدة مصادر...))
كما أكدت المحكمة أن الجدار سيولد هجرة جديدة:
((122. هناك أيضاً خطر حصول تغييرات أخرى في التكوين الديموغرافي للمناطق الفلسطينية المحتلة بسبب بناء الجدار، نظراً إلى أنه يسهم (كما سنشرح في الفقرة 133أدناه) في ترحيل السكان الفلسطينيين من مناطق محددة. إذن، هذا البناء، فضلاً عن إجراءات [إسرائيلية] سابقة، يعرقل جدياً ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره، وهو من ثم خرق لالتزام إسرائيل باحترام ذلك الحق)) [...]
IV – عودة اللاجئين الفلسطينيين بوصفها هماً أساسياً للأمم المتحدة وللمجتمع الدولي ككل
لقد قرر مجلس الأمن بموجب المادة 39 من الميثاق أن الخروق الفظيعة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني – بما في ذلك الانتهاكات لحقوق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم – تشكل تهديداً للأمن والسلام الدوليين. وينعكس هذا الربط بين تدفقات اللاجئين ومخاطر تهديد السلام في القرار 688 فيما يخص الأكراد، وفيما يتعلق بالصومال وكوسوفو ورواندا. وهكذا تصرف مجلس الأمن حيال الهجرات الجماعية إما بمواجهة تدفق سكان وشيك، أو بمحاولة التصدي للأسباب الأصلية لتلك الهجرات.
ففي القرار 688 مثلاً أعرب مجلس الأمن عن ((قلقه البالغ لقمع السكان المدنيين العراقيين في أنحاء عديدة من العراق، بما فيها مؤخراً المناطق التي يسكنها أكراد، الأمر الذي أدى إلى تدفق هائل للاجئين باتجاه الحدود الدولية، بما يهدد السلام والأمن الدوليين في المنطقة)). وفيما يتعلق بأزمة يوغوسلافيا السابقة، شجب مجلس الأمن كل انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الانساني، بما في ذلك التطهير العرقي، وهي انتهاكات تشكل الأسباب الأصلية للهجرة الجماعية. ففي القرارات 752 و 771 (لعام 1992) و 819 (لعام 1993) دعا مجلس الأمن إلى وقف فوري لأعمال الطرد الجماعي للسكان من بيوتهم، والهادفة إلى تغيير التكوين الإثني للسكان. وفي القرار 787 الذي فرض عقوبات اقتصادية على جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية، أعاد المجلس التأكيد على عدم السماح باكتساب الأراضي بالقوة وعدم السماح باللجوء إلى التطهير العرقي، وطالب بعودة كل المرحلين إلى بيوتهم.
وإلحاقاً بهذه القرارات تبنى مجلس الأمن عقوبات اقتصادية وإجراءات أخرى بمقتضى الفصل السابع من الميثاق، ينبغي على الدول أن تطبقها وتفرضها بموجب المادة 25 من ذلك الميثاق. كما أنشأ المجلس ((مناطق آمنة))، للأكراد أولاً، ثم في البوسنة، ومدد فترة تفويض قوات حفظ السلام من أجل حماية هؤلاء السكان بما في ذلك توفير المساعدة الإنسانية. وأنشأ أيضاً محكمتين جنائيتين دوليتين لمحاكمة المسؤولين في يوغوسلافيا ورواندا عن أعمال الإبادة والتطهير العرقي – وهي الأسباب الأصلية لتدفقات اللاجئين الكبرى من هذين البلدين.
كما أقر مجلس الأمن حق العودة، وذلك في القرار 361(لعام 1974) بخصوص قبرص، والقرار 820
(لعام 1993) بخصوص البوسنة والهرسك. فالمادة الأولى من الملحق 7 عن اللاجئين والمهجرين، وهو الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من اتفاقيات دايتون، ينص على التالي:
((1. كل اللاجئين والمهجرين يملكون الحق في أن يعودوا – بحرية- إلى بيوتهم الأصلية. ولهم الحق في أن تعاد إليهم ممتلكاتهم التي حرموا منها أثناء الأعمال العدائية منذ عام 1991، وأن يعوضوا عن أي ملك لا يمكن إعادته إليهم. إن العودة المبكرة للاجئين والمرحلين هدف مهم لتسوية النزاع في البوسنة والهرسك. وقد أكدت الأطراف قبولها عودة هؤلاء الأشخاص الذين غادروا أرضهم، بمن فيهم أولئك الذين منحوا حمايةً مؤقتة من طرف ثالثة.
2. تضمن الأطراف السماح للاجئين والمهجرين بالعودة سالمين، ومن دون خطر تعرضهم للإزعاج أو التخويف أو الملاحقة أو التمييز، وبخاصة بسبب أصلهم الإثني أو معتقدهم الديني أو رأيهم السياسي.
3. ستتخذ الأطراف كل الخطوات اللازمة من أجل منع النشاطات التي من شأنها أن تعوق أو تمنع العودة الآمنة والطوعية للاجئين والمهجرين(...).
4. إن اختيار الوجهة سيكون من مسؤولية الفرد أو العائلة، وسيتم الحفاظ على مبدأ وحدة العائلة. لن تتدخل الأطراف في خيار العائدين لوجهتهم، ولن تجبرهم على البقاء في /أو الانتقال إلى/ أوضاع تتسم بالخطر أو اللاأمان الشديدين، وإلى مناطق تنقصها البنية التحتية الأساسية اللازمة لمواصلة حياة طبيعية)).
وهكذا تم أيضاً ربط حق العودة بإعادة الممتلكات أو التعويض عن الخسائر في الممتلكات، على ما ينص الملحق السابع من اتفاقية دايتون. بل إن هذه الاخيرة أبدعت لا بإنشاء آليةٍ للتعويض على شكل لجنة مستقلة يعينها رئيس ((المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)) فحسب، بل أيضاً بتكريس هذا المبدأ في الدستور الجديد للبوسنة والهرسك.
واضح إذاً، أن مشكلة اللاجئين هي هم من هموم المجتمع الدولي ككل. ولقد بدأنا نرى في هذا الصدد انبثاق نظام لا يكتفي بتنظيم التزامات الدولة الأم على أساس حق عودة مواطنيها إليها وخلق ظروف العودة الآمنة بوقف الانتهاكات التي كانت في أصل الهجرة، وإنما يتعدى ذلك إلى تحميل مسؤولية ما للمنظمات الإنسانية الدولية وللمجتمع الدولي ككل على أساس المشاركة في العبء.
وهذه العملية اشتملت على عدد من الشركاء، وضمنهم: المنظمات الإقليمية (الناتو، الاتحاد الأوربي،...)، وهيئات حقوق الإنسان من أجل الإشراف على احترام الالتزام بحقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية بغية عودة منظمة للاجئين والمرحلين إلى بيوتهم، ووكالات التنمية بهدف إعادة بناء المناطق المتضررة.
إذن على مشكلة اللاجئين الفلسطينيين أن ينظر إليها على خلفية هذه التطورات الراهنة في الأمم المتحدة وفي القانون الدولي. وتصبح بينة، في هذه الحال، المعايير المزدوجة؛ ذلك أنه برغم الإطار القانوني الذي أنشأته الأمم المتحدة بخصوص فلسطين، فإنها لم تستطع أن تفرض أي فعل يطبق قراراتها العديدة.
خاتمة
لا يستطيع المجتمع الدولي أن يتخلى عن مسؤوليته الأساسية في هذا المأساة. فالمسائل القانونية في القضية الفلسطينية – أي حق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم و/أو تلقي التعويضات؛ وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهذا يتضمن حقه ف إنشاء دولته وحقه في الحصول على احترام السلامة الجغرافية ((لوحدة تقرير المصير)) (أي لكل المنطقة الخاضعة للاحتلال)؛ وواجبات القوة المحتلة في احترام اتفاقيات جنيف الرابعة في المناطق المحتلة بما فيها القدس – إنما هي مسائل ذات اعتبار أساسي لا لأطراف الصراع بل للمجتمع الدولي برمته.
لقد أكدت المحكمة الدولية أن المسائل الناجمة عن بناء الجدار في فلسطين تهم جميع الدول وفي رأيها الاستشاري حول الجدار، وبألا تقدم العون أو المساعدة في استمرار الوضع الذي خلقه هذا البناء. كما أن على كل الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة ... الالتزام.. بضمان إذعان إسرائيل للقانون الإنساني الدولي... )) وتمضي المحكمة الدولية بالقول: ((على الأمم المتحدة، ولا سيما الجمعية العامة ومجلس الأمن، أن تأخذ في الاعتبار أي فعل إضافي مطلوب من أجل إنهاء الوضع اللاشرعي الناجم عن بناء الجدار والنظام المرتبط به، واضعة نصب عينيها الرأي الاستشاري الحالي)).
وعليه، فإن على الأمم المتحدة- وتحديداً الجمعية العامة، التي هي الهيئة التمثيلية الحقيقية، إن كان مجلس الأمن مشلولاً- أن تمارس مسؤولياتها حيال فلسطين، مستخدمة رأي المحكمة الاستشاري الهام برنامجاً لها وتفويضاً لعملها. وهي تستطيع أن تمارس هذه المسؤولية بأن تضمن حضوراً دولياً في المنطقة، وبأن تضغط على إسرائيل لدفعها إلى الإذعان – ويشمل ذلك تبني عقوبات كانت الجمعية العامة قد دعت إليها عام 1982.
لا يمكن صرف النظر عن رأي المحكمة الدولية الاستشاري بوصفه ((غير ملزم)) صحيح أن لا قوة تقنية له، غير أن الدول لا تستطيع أن تتجاهل وجود القواعد الأساسية التي شددت عليها المحكمة، ولا التبعات التلقائية القانونية لانتهاك تلك القواعد. كما أن ذلك الرأي الاستشاري يضفي ختم السلطة القضائية على شرعية الشعب الفلسطيني، ويقدم برنامجاً ذا سلطة تعمل بموجبه الجمعية العامة وكل هيئات الأمم المتحدة.
ترجمة عن الانكليزية: سماح إدريس
فيرا غولاند دباس
بروفسور في القانون الدولي، المعهد العالي للدراسات الدولية (جنيف).
1-I.C.J. Reports 1950,131-2.
2-Ibid., p. 137; Voting Procedure on Questions Relating to Reports and Petitions Concerning the Territory of South-West Africa, Advisory Openion, ICJ Rep. 1955,p. 76; Admissibility of Hearings of Petitioners by the Committee on South West Africa, 1956, p.27-28; Legal Consequences for States of the Continued Presence of South Africa in Namibia (South- West Africa) Notwithstanding Security Council Resolution 276 (1970), Advisory Opinion, ICJ Rep. 1971, para.16, p.36 3-4-5-6 Nambia, op.cit.,p.50, 49, 52, 56.