اللاجئون الفلسطينيون في لبنان

سهيل الناطور

مقدمة:
 هذه الدراسة تهدف لعرض معضلة الفلسطينيين الذين اضطروا للجوء إلى لبنان منذ العام 1948 إذا أن تجربتهم اختلفت عن تلك التي عايشها إخوتهم في المنافي الأخرى.
وإذا كان القاسم المشترك لكل اللاجئين الفلسطينيين هو خسارة أرض الوطن والممتلكات فإن لبنان كمجتمع مضيف أبرز بالتجربة والممارسة وقوع تنازع بين اللاجئين الفلسطينيين وسلطات لبنان أحيانا بوضوح وغالبا ضمنيا.
وهكذا فإن تجربة تعايش جزء من شعب عربي منكوب مع شعب مضيف له ظروفه الخاصة حملت تقاطعات إيجابية من تضامن أخوي الى تقاسم لقمة العيش, وتمسك مشترك بحق العودة وكفاح مشترك ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي للبنان لأكثر من عقدين من الزمن ألخ.... كما ضمنت سلبيات وشوائب تأثرت بالخارطة الطائفية والمذهبية في لبنان الى مساس بحقوق الإنسان الى تكريس التهميش الى مواجهات قانونية وعسكرية من فترة الى أخرى ما زالت أثارها ترمي بثقلها بقوة, دراسة التجريبية و المعاناة الى ملامسة بعض الاقتراحات لحلول لمشكلات تقوم بين شعبين عربيين, ما زالا يعانيان من عسف الاحتلال الإسرائيلي وجبروت عدوانيته.
توزع الفلسطينيين في لبنان
شهدت فترة اللجوء الأولى تبعثرا واسعا في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي, وصولا الى العاصمة بيروت. ثم كانت الإجراءات الإدارية الرسمية, ومباشرة وكالة الغوث ( الانروا) في مساعدة اللاجئين لتوفير المأوى في مخيمات متعددة امتدت من شمال البلاد الى جنوبها ومع مرور الزمن بزيادة عدد اللاجئين وخروج أقسام منهم بشكل أوسع الى خارج المخيمات وخارج لبنان أيضا, مما أدى لصورة التوزع السكاني وفقا للأنروا في 12 مخيما رسميا:
المخيم                                            اللاجئون المسجلون
مخيم مار الياس                                       1397
مخيم برج البراجنة                                    18385
مخيم ضبية                                            4184
مخيم شاتيلا                                           11436
مخيم عين الحلوة                                      4236
مخيم المية ومية                                       5018
مخيم البص                                            9498
مخيم الرشيدية                                        23705
مخيم البرج الشمالي                                  17457
مخيم نهر البارد                                      26792
مخيم البداوي                                         15004
مخيم ويفل ( الجليل في البقاع)                       7078
لاجئون من مخيمي دكوانه ( تل الزعتر) و النبطية المدمرين                    10331
لاجئون آخرون مسجلون داخل المخيمات                                        10331
داخل المخيمات                                                                 208223
خارج المخيمات                                                                165217
المجموع                                                                       373440

يلاحظ أن هناك تجمعات فلسطينية كثيرة أخرى في لبنان مثل جل البحر, القاسمية ( في الجنوب) سعد نايل ( في البقاع) لا تعترف الانروا بها رسميا, وتحصي سكانها إما خارج المخيمات أو مسجلين مع الأصل العائلي في أحد المخيمات قديما.
لكن أرقام الوجود الفلسطيني في لبنان تتفاوت بين عدة مصادر فالفلسطينيون عمليا ثلاث فئات:
الأولى:
هي التي خضعت للإحصاء في أوائل الخمسينات ومسجلة في وكالة الغوث ( أنروا), وفي قيود الأمن العام والمدير لشؤون اللاجئين الفلسطينيين.
يحق لأفرادها الحصول على (( وثائق سفر)) ( مدتها خمس سنوات) تمكنهم من التنقل والسفر والعودة إلى لبنان.
الثانية:
تضم الفلسطينيين الذين لم تشملهم الإحصاءات في الفئة الأولى, بالرغم من وجودهم في لبنان, وقد جرت تسوية أوضاعهم بقرار من وزير الداخلية رقم 136 للعام 1969, هؤلاء يحصلون على ( وثائق مرور) ( مدتها سنة واحدة) ولديهم سجلات محفوظة لدى الأمن العام ومديرية اللاجئين. لا يستفيدون من خدمات الأنروا.
الثالثة:
تضم بضع عشرات من أبناء الفلسطينيين الذين اضطروا للإقامة في لبنان بعد هزيمة حزيران 67, أو تم إبعادهم من الأراضي المحتلة أو تحريرهم من سجون العدو أو العائلات التي تركها المقاتلون بعد مغادرتهم في 1982. هذه الفئة لا تملك أوراقا ثبوتية, لذا لا تستطيع السفر أو التنقل الداخلي بحرية.
الواقع الديمغرافي الفلسطيني
نادرا ما عرفت إحصاءات الحكومة اللبنانية, وإذا ما أعلنت فلا دقة كاملة فيها, رغم أن الإمكانية متوفرة. فالتقدير الرسمي الذي قدمته مديرية شؤون اللاجئين الى وزير الداخلية اللبناني سنة 1969, يشير الى أنه : (( قد جرى إحصاء عام لجميع اللاجئين الموجودين في لبنان في العام 1952, فكان عددهم 140 ألف نسمة تقريبا. وتشير سجلات ووقوعات الولادة الى أن عدد المواليد حتى آخر عام 1968 قد بلغ 87 ألفا, وعدد الوفيات أربعة آلاف فيكون في نهاية 68 هو 214 ألف نسمة)).
هذا ويشير التقرير ذاته لوجود أربعة آلاف نسمة جاؤوا بعد الإحصاء وأضيفوا لاحقا الى سجلات المديرية, بينما شطبت الأنروا عام 1951 من سجلاتها 31 ألفا بسبب أخطاء في التسجيل ثم شطبت 7500 نسمة عام 1966 بسبب تحسن أوضاعهم المالية.
إضافة الى ذلك تفيد الأنروا أن أعداد الفلسطينيين في لبنان, الذين يتلقون خدماتها كانت وفقا لتقارير المفوض العام:
حزيران 96- 352668
حزيران 97- 359005
كانون الأول 97- 362098
يتحكم العامل السياسي- الاقتصادي بتقدير أرقام اللاجئين فبعض الجهات اللبنانية يعمد الى تضخيم الرقم بما يزيد عن 600 ألف لإظهار أن لبنان يتحمل عبئا كبيرا, كي يبرر مشاريعه بطلب توزيع الفلسطينيين الى دول أخرى. بينما أن واقع الحال أن الفلسطينيين هم الفئة التي يتناقص عددها, خاصة إذا أخذنا بالاعتبار مسألة إعادة الجنسية اللبنانية لنحو 35 ألفا من اللاجئين, من أبناء القرى السبع وفقا لقرار التجنيس ( مرسوم 5247 بتاريخ 20\ 6\ 1994). كما أن آخر القرارات التي مست مكانة اللاجئ الفلسطيني القانونية في لبنان, كان القرار 478 الصادر عن وزير الداخلية اللبناني في 23\9\ 1995, الذي منع عودة اللاجئ الفلسطيني الموجود خارج لبنان إليه, ولو كان يحمل وثيقة سفر صادرة عن الأمن العام اللبناني إلا عموما, فإن نحو مئة ألف فلسطيني وجدوا أنفسهم مطرودين من لبنان, بسبب هذا القرار وطريقة تطبيقه, وفي الخارج اضطروا للاستحصال على إقامة دائمة وجنسية البلد المضيف بعد ذلك.
إن التقرير العام المنطلق من أرقام الانروا, وبعد حسم الذين جرى تجنسيهم أو منعهم من العودة إلى لبنان واضطرارهم للتجنيس في الخارج مما أدى لشطب قيودهم يطرح أرقاما منخفضة للوجود الفلسطيني اللاجئ في لبنان الى ما يقرب من 227000 نسمة فقط, في حين أن العدد المعلن يقارب 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان.
الوضع القانوني للفلسطينيين في لبنان
لا شك أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون حالة قانونية خاصة. فهم كأفراد يعاملهم المشرع كأجانب يخضعون للسيادة اللبنانية لعدم حيازتهم الجنسية اللبنانية. وهم كمجموعة سكانية لها انتماء وطني فلسطيني يعاملون بخصوصية قضيتهم. الدولة اللبنانية انطلقت من موقفها السيادي فلم تصدر قوانين خاصة بوضعهم كجماعة أو أقلية, بل تناولتهم كأفراد عموما, وفي بعض الحالات كمجموعة في جوانب أخضعتها للاستنساب أو بناء على تفسيرها الخاص للاتفاقات العربية والقرارات الدولية ذات الصلة.
أولا مصادر التشريع
الاتفاقات الدولية التي صادق لبنان رسميا عليها, وتعتبر نظريا ملزمة, يخضع لها القانون المحلي, ولكن التطبيق العملي يتفاوت إزاءها. ومن هذه الاتفاقات:
1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10\ 12\ 1948
2- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16 \12 \ 1966 .
3- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, الصادر في 16 \ 12 \ 1996.
4- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها الصادرة في 9\ 12\ 1965.
5- اتفاقية بشان الحقوق السياسية للمرأة في 31\ 3\ 1953 .
6- اتفاقية حقوق الطفل الصادرة في 20 \ 11\ 1959.
يضاف لذلك الكثير من الإعلانات الدولية أو الاتفاقات التي شارك لبنان في نقاشها أو إعدادها, ولكن أبدى تحفظات على بنود منها, ولم يوقعها بعد, مثل اتفاقية اللاجئين والنازحين, أو إعلان حقوق الإنسان لغير المواطنين.
معظم ما جاء في الاتفاقيات والإعلانات يتجلى في قوانين ومراسيم وقرارات صادرة عن الهيئات المختصة اللبنانية: الدستور, المجلس النيابي, مجلس الوزراء, والوزارات... الخ. رغم أن نقاطا كثيرة بحاجة لاستكمال, كما أن التطبيق العملي يحتاج لضوابط التفصيل الأمثل. المعايير الدولية لتعريف الأقليات تكاد تنطبق في معظمها على التجمع الفلسطيني في لبنان, وإن كان سمة الخلاف الرئيسية بعدم تجنيسهم واضحة. فاللاجئون الفلسطينيون يعيشون ( عموما نصفهم) إما في مناطق محدودة المعالم منفصلة عن الجوار اللبناني ( المخيمات), والآخرون ينخرطون وسط اللبنانيين, وإما في تجمعات منفصلة ( تجمعات جل البحر, القاسمية, بر الياس.... الخ), أو في أحياء ذات صبغة مختلطة ببروز للعامل الفلسطيني ( شارع صبرا, شارع بعجور, سعد نايل... الخ), لكنهم جميعا يتميزون بالشعور الحاد بالهوية الجماعية الفلسطينية, القائمة على تاريخ لم تنسه أجيالهم . وهم مجموعات تختلف عن غيرها من التجمعات الأخرى تحت السيادة اللبنانية, رغم عدم الاختلاف في اللغة والدين مع اللبنانيين, لكن إرادتهم موحدة في التمسك بفلسطين والعودة إليها, ورفض التوطين خارجها, وحفاظهم على تمايزهم الثقافي الوطني عن الشعب المضيف.
ثانيا حقوق الأفراد
انطلاقا من سيادة لبنان, أصدرت السلطة القرارات والقوانين التي رأتها مناسبة للتعامل مع الوجود الفلسطيني في لبنان. فهي التي حددت منذ البداية أماكن تجمعاتهم في المخيمات, وهي أيضا التي رفضت في اتفاق الطائف توطينهم, ورفضت إداريا السماح بإقامة مخيم في منطقة القريعة للمهجرين الفلسطينيين, في منتصف 1994, كما أن السلطة اللبنانية هي التي بادرت لإنشاء المديرية العامة لشؤون الفلسطينيين, في وزارة الداخلية ومنحتها صلاحيات محددة إزاء الأفراد بموجب المرسوم 927 بتاريخ 31\3\ 1959 لإحصائهم وحفظ سجلاتهم ومنحهم الوثائق الثبوتية وقبول طلبات وثائق السفر لهم مجانا, ثم عادت الى فرض الرسوم عليهم بدلا من ذلك , وزادت بإصدار قرار فرض سمة عودة الى لبنان ( القرار رقم 478 في 22\ 9\ 1991) الذي زاد تعقيدات شديدة على حقهم في السفر والانتقال من لبنان وإليه.
وكان موقف السلطة الدائم بمعاملة الفلسطينيين في ما يخص حق العمل والضمان الاجتماعي, أحد أسس التميز السلبي منذ اللجوء الفلسطيني. يضاف لذلك أن حق الفلسطينيين بالعلم, قد خضع أيضا للقوانين  التي تعطي الأجانب كلهم- ومن ضمنهم الفلسطينيين- بما لا يزيد عن 10\ من مقاعد الدراسة. مما حرم اللاجئين من فرض تعليم مناسبة, ويطال الحرمان في الصحة.
وهنا تتجلى الممارسة الرسمية اللبنانية إزاء خصوصية الفلسطينيين في مجالات عديدة منها:
حق الملكية العقارية
لحساسية مسألة ملكية أراضي الدولة من الأجانب نص القانون اللبناني على تقييدات شديدة لحجم ملكية الأجنبي, فاشترط المرسوم 11614 الصادر في 4\ 1\ 1969 ضرورة الحصول على ترخيص, يتخذ في مجلس الوزراء, بناء على اقتراح وزير المالية, مع إعفاء من ذلك لتملك لا تزيد مساحته في جميع الأراضي اللبنانية عن خمسة آلاف متر مربع, وأن لا تزيد المساحة في محافظة بيروت عن ثلاثة آلاف متر مربع, على أن يصار إنجاز التشييد في مهلة أقصاها خمس سنوات من تاريخ التسجيل في السجل العقاري.
أما الشركات الأجنبية فيسمح لها بعشرة آلاف متر مربع. عند التسجيل يدفع الأجنبي الرسوم بزيادة 10 0\0 من اللبناني. وهذا ما يطبق على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وقد خفف في 1999 ليتساوى مع اللبناني في الرسوم فقط.
لكن في 21\ 3\ 2001 أقر مجلس النواب اللبناني قانونا جديدا للتملك نصت إحدى مواده على منع اللاجئ الفلسطيني من تملك شقة سكنية أو سواها على الأرض اللبنانية.
وجاء في القانون نصا: (( منع ترخيص تملك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها ولا يجوز منح أي ترخيص يتعارض مع أحكام الدستور)).
أحداث القانون الجديد ردود فعل واسعة في صفوف الفلسطينيين وفي صفوف بعض الفئات اللبنانية من بينها نواب تعهدوا بتقديم مشروع قانون بتعديل المادة المذكورة بما يضمن حق اللاجئين الفلسطينيين الإنساني في تملك شقة سكن خاصة في ظل الكثافة السكانية الخانقة التي تشهدها مخيمات لبنان. وأكدت وجهات النظر المختلفة أن القانون الجديد يحمل في مضمونه نزعات عنصرية علما أن التجربة أكدت بالملموس أن اقتناء اللاجئ الفلسطيني شقة في لبنان لا يكرس التوطين في لبنان.
حق السكن ومعضلاته
ثلاثة اتجاهات تمارس إزاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان, تعكس سياسة مرسومة تأخذ بالاعتبار عوامل ديمغرافية \ جغرافية وسياسية, تتجلى كالآتي:
الأول:
مخيمات الجنوب في صيدا وصور وهي الرشيدية, البص البرج الشمالي, وعين الحلوة إضافة للميه وميه, تخضع لنظام حصر الدخول والخروج من مدخل واحد, بإشراف حواجز الجيش اللبناني. وفي مخيمات صور الثلاثة الأولى, ومنذ العام 1995 تمنع هذه الحواجز الفلسطينيين من إدخال مواد البناء والترميم دون سبب معلن, مما يوحي أن الهدف ليس فقط إغلاق باب الرزق أمام عمال البناء من اللاجئين, بل تحويل المنازل شيئا فشيئا الى أماكن غير صالحة للسكن, وحمل أهاليها على المغادرة, والبحث لهم خارجها عن أماكن بديلة مما يؤدي لإفراغها أو إنقاص سكانها من الفلسطينيين الى أدنى عدد مكن.
الثاني:
مخيمات بيروت الكبرى كبرج البراجنة, شاتيلا وضبية, التي حظرت السلطة اللبنانية فيها الأعمار, وأبلغت الأنروا بوقف أية مشاريع جديدة لتحسين البنية التحتية فيها. وتطال مشاريع إعادة لبنان بمخططاتها مناطق واسعة من هذه المخيمات مما يؤدي عمليا الى إلغائها كمخيمات, وهذا قد تم تطبيقه سابقا بمنع النازحين المهجرين من مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا والنبطية من العودة إليها, وإعادة إعمارها.
الثالث:
مخيمات الشمال كالبداوي ونهر البارد, التي تسمح السلطة اللبنانية بإقامة مشاريع تحسين البنية التحتية فيها, مثل مجاري البارد ومساكن للمهجرين في البداوي. ويتضح بذلك أن المنحى العام هو دفع اللاجئين من مخيمات الجنوب والعاصمة وبعثرتهم الى المدن والقرى أو باتجاه مخيمات الشمال, أو الهجرة للخارج بحثا عن سكن مقبول الى لقمة العيش أو الدراسة...
وإذا كانت المياه متوفرة فإنها دون احتياجات المخيمات, وتستوفي شركة الماء اللبنانية الرسوم دوريا. كما أن بعض المخيمات ما زال يعاني من المجاري والأقنية المفتوحة( نهر البارد), رغم أن معظمها قد تم إنجاز مجار مغلقة له. أما انقطاعات التيار الكهربائي فهي دائمة منذ الثمانينات بسبب نقص الطاقة عن الوفاء بالاحتياجات. كل هذا ولا توفر البلدية للشوارع والطرقات أية ترميمات, وتتقاعس الأنروا عن تزفيتها وتصليحها بدورات لك عدة سنوات.
يستمر التضييق على المخيمات ومجالها الإسكاني وبنيتها التحتية والخدمية, لتبهيت خصوصيتها وتمايزها الجغرافي- السكاني. وهذا ما يجري خصوصا في أقرب المخيمات الى الحدود اللبنانية- الفلسطينية. وهكذا فإن سياسة الحكومة الضمنية حيال اللاجئين يمكن إيجازها بأنها تكثيف للضغوط لأجل الهجرة. وأخطر هذه الضغوط هي القيود على المساحة والسكن: إن نسبة اللاجئين الذين يعيشون في المخيمات في لبنان أعلى منها في البلدان الأخرى ( المضيفة) ( أكثر من 50 0\0 وذلك بذاته دليل على الفقر), ثم أنه لم يسمح بإعادة بناء المخيمات العديدة التي دمرت أثناء معارك العشرين الأخيرة. كذلك منع البناء خارج حدود المخيمات. أبلغت الأنروا بأن لا تقوم بأية إعادة إعمار داخل المخيمات الأثني عشر الباقية. ثم إن منع البناء أدى الى ثني الأنروا والمؤسسات الأخرى غير الحكومة عن تنفيذ إصلاح المجارير, وتسهيلات مياه الشرب, والكهرباء, وخلافا للتحسين الذي كانت لجنة اللاجئين العاملة تطمح الى تحقيقه. وعمليا فإن الأحوال المادية في المخيمات في لبنان هي اليوم أسوأ مما كانت عليه في أي وقت مضى.
ثالثا- المساواة أمام القانون
أ‌ ـ الحق في الحياة
عموما يتساوى اللاجئ الفلسطيني مع غيره من الأجانب المقيمين في لبنان بالحق بالوجود والسلامة. فالولادات مسموحة, ولا قوانين أو إجراءات إدارية اضطهادية, من نمط الإهمال المقصود لمنع حياة المولود أو لمنع المستشفيات من استقبال النساء الفلسطينيات الحوامل أو غيره. وفي هذا المجال يحظى أطفال اللاجئين بحق تسجليهم في القيود الإحصائية الرسمية, وإصدار بطاقة ( هوية) خاصة بهم الخ...
الحق بالسلامة الفردية
كذلك لا يعامل الفلسطيني باختلاف عن اللبناني فيما يتعلق بسلامته الفردية’, فلا اعتقالات تعسفية لمجرد أنه لاجئ ولا حرمان للحرية الفردية بسببها, بل إذا وقعت حالات اعتقال, فإنما تتم عموما وفقا للإجراءات القانونية المتبعة إزاء اللبنانيين: وهذا يشمل حماية الحياة الخاصة والعائلية, حماية المسكن والمراسلات, وخضوع اللاجئ الفلسطيني مثل اللبناني لكل الإجراءات القانونية أمام القضاء اللبناني. ومن منطلق السيادة اللبنانية ليس للفلسطينيين نظام قضائي خاص بهم.
لا تمارس مع الفلسطيني عقوبات وتعذيب واضطهاد غير إنساني لمجرد كونه لاجئا, ولو أن بعض حالات التحقيق مع متهمين فلسطينيين أظهرت أن بعض الأجهزة الأمنية, أما لدوافع خاصة أو لهوى سياسي معاد للفلسطينيين, مارس الاضطهاد والتعذيب الجسدي النفسي ضدهم. ما يجب ذكره أن اتهامات لبنانية صدرت عن معارضين عند اعتقال أنصارهم. كانت تفيد بالمضمون ذاته, مما يجعل الأمر غير موجه على وجه التخصيص ضد الفلسطينيين. كما لم تسجل حالات طرد للاجئين الفلسطينيين المسجلين قانونيا, الى خارج لبنان وذلك لعدم إمكان إعادتهم الى وطنهم بالأساس, لكن الطرد والترحيل يتم عموما الى دول أخرى, عن طريق قرارات إدارية تمنع عودتهم الى لبنان, كما حصل في القرار 478 بفرض سمة العودة.
رابعا الحقوق الجماعية
ثمة قرارات وإجراءات تمس حقوق الفلسطينيين جماعيا تمارس وبعضها ما زال قائما, رغم أن لبنان رسميا لا يتخذ أو يعتمد أي قانون أو إجراء رسمي بعقاب جماعي على الفلسطينيين كتجمع قائم في لبنان بل تتم الإجراءات بعمومية بما يخضع الفلسطينيين جميعا لها بسبب كونهم لاجئين فلسطينيين.
حق التمثيل والمرجعية
تعترف الدولة للمجموعات المختلفة لديها بخصوصيتها, سواء أكانوا من المواطنين أو اللاجئين وتتعامل مع هيئات تمثيلية لهذه الخصوصية مثل الفئات الأقلية العرقية أو الدينية الثقافية الاجتماعية الخ... وقد ميزت السلطة اللبنانية في السابق اللاجئين الفلسطينيين في التعامل بحيث اعتبرتهم أجانب من الفئة الخاصة من حيث إجازة الإقامة, ولم يعد مستوجبا أن يجددوها كل عام لدى الأمن العام. لكن لم تعترف بهويتهم الخاصة من حيث الاعتراف بممثليهم المحليين كمرجعية.
كذلك لم تعترف لهم بحق إدارتهم لشؤون المخيمات والتجمعات الخاصة بهم, ولا تشركهم بأي قرار يتعلق بهم أو بالمناطق التي يعيشون فيها, وبصورة عامة فإن الاعتراف سابقا بالتمثيل الفلسطيني جاء وسط ظروف سياسية عربية وإقليمية سرعان ما أفرغت السلطة اللبنانية مفاعيله الضرورية, فالأمر القائم حاليا اعتراف رسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية مع عدم وجود تمثيل رسمي وفاعل لها, واعتراف فعلي بخصوصية المخيمات, ولكن بفرض حصار على مداخلها, مما يسهل إيقاع عقوبة إغلاق مداخل المخيمات جماعيا على سكانها عند الضرورة وهذا ما حصل في أكثر من مناسبة.
أما في مجال الأمن فقد مارست السلطة عبر الأجهزة الأمنية دورها إيجابا بفرض الأمن, وسلبا بالمبالغة في الاضطهاد في سنوات العقد الخمسين. وبعد الحرب الأهلية عادت هذه الأجهزة لدور عادي, فهي تعتقل المطلوبين من الفلسطينيين سواء داخل المخيمات أم خارجها وتحيلهم الى المحاكمة والأجهزة القضائية الجنائية المدنية والعسكرية المختصة تتعاون مع اللجنة الشعبية للمخيم لتسليم أي مطلوب أو مشتبه به.
ب‌ ـ حق السفر والعودة
بشكل عام التنقل مطلق ومباح نطريا, دون أي قيد قانوني سوى الحصول على الوثائق الرسمية والسمات الصحيحة. ورغم أن القوانين اللبنانية أعفت سابقا اللاجئين الفلسطينيين من رسوم الوثائق, إلا أنها عادت إداريا وعادلتهم باللبنانيين في دفع الرسوم ذاتها وهي باهظة المستوى نظرا لدخل الفلسطيني.
اتخذت السلطة اللبنانية من القرار الليبي طرد الفلسطينيين من ليبيا, عذرا بفرض سمة العودة على جميع الفلسطينيين, كان عقابا جماعيا لفلسطيني لبنان وليس فقط على المتوقع عودتهم من ليبيا. رغم أن القانون الدولي يلزمها باستقبالهم لحملهم وثائق صادرة من لبنان, كذلك بصيغة التطبيق أي بمنع العودة فورا إذا لم يتم إعطاء فترة سماح بمهلة زمنية لترتيب الأمور القانونية وفقا للنظام ثم استغلت لفرض الرسوم المالية الباهظة ومع استشراء مظاهر فساد عبر السماسرة وغيرها, كان مؤداها تعطيل عودة عدد كبير من اللاجئين للقاء أهلهم ودفع كثيرين منهم للاستحصال على إقامة دائمة في الخارج أو التجنيس  هناك لاستحالة عودتهم الى لبنان. وهكذا تحول شعار رفض التوطين في لبنان الى دفع اللاجئين الى التوطين خارجه وليس الى مساندتهم اجتماعيا ريثما تتم عودتهم الى فلسطين يعزز ذلك ممارسة شطب القيود للفلسطينيين الذين يحصلون على وثائق بلدان أخرى. وفي 12\ 1\ 1999 ألغت الحكومة اللبنانية هذا الإجراء.
لقد أوضح وزير الخارجية اللبناني آنذاك فارس بويز حقيقة الموقف الرسمي بقوله (( أخذت الحكومة اللبنانية قرارا بتجميد مفعول الوثائق اللبنانية الصالحة وبتجميد تجديد هذه الوثائق وبتجميد إعطاء أي تأشيرة دخول)), وهذا يؤدي عمليا الى منع عودة عشرات آلاف الفلسطينيين الذين غادروا لبنان قانونيا بحثا عن العمل والعلم وأضاف الوزير بويز أنه ( فيما يخص الفلسطينيين الذين ما زالوا على الأرض اللبنانية, ممنوع تعديل مساحة المخيمات... كما أنه ليس واردا لدى الدولة اللبنانية إعطاء الفلسطينيين إجازات عمل في لبنان أيضا).
إذا السياسة اللبنانية الرسمية تقضي بتشديد التضييق والضغوط على الفلسطينيين المقيمين لدفعهم للهجرة, ومن جهة ثانية افتعال إجراءات إدارية لمنع عودتهم إلى بلد اللجوء, وإبقائهم مبعثرين في كل دول العالم, التي ترفض أن يفرض عليها الأمر بإبقائهم لديها, مما أدى فعليا إلى مآس إنسانية لا محدودة.
الحق بإنشاء المجمعيات والهيئات الأهلية
نعني بمصطلح ( الجمعيات الأهلية) تحديدا الجمعيات أو المنظمات غير الهادفة للربح, ذات الصفة التطوعية والجذور الشعبية التي تتبنى أهدافا متنوعة وتنشط في مجال أو أكثر من مجالات الإغاثة, الرعاية الاجتماعية, التنمية المحلية أو الخدمات المختلفة من صحة, وتعليم , ثقافة وتأهيل مهني.
والجمعيات بما هي إطار ينظم اهتمام المواطنين بشأن العام, محظورة على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان, وذلك ضمن نزعة مطبقة للسلطات, للحد من حرية تنظيم المجتمع الخاص باللاجئين. لذلك لا نجد في لبنان أية جمعية فلسطينية, معترف بها بشكل قانوني رغم سماح القانون بإنشاء جمعيات للأجانب ضمن شروط محددة. ويقتصر الأمر على هيئات ومؤسسات لبنانية تعمل في الوسط الفلسطيني كذلك فإن التطبيق العملي أدى الى حرمان الفلسطيني من تشكيل النقابات قانونيا. أو التحاق الفلسطيني بالنقابات المهنية. بسبب اشتراطات الجنسية اللبنانية في أنظمتها.
تعيش المنظمات الأهلية عدة معضلات أبرزها عدم توفر نظام دقيق للمعلومات والإحصاءات وازدياد عدد الجمعيات العاملة في أطار واحد كرياض الأطفال أو التطريز الفلكلوري, مما أدى لتخمة يستغنى عن كثير منها, وازدياد اعتماد الجمعيات عموما على مصادر التمويل الخارجية قياسا بمصادره المحلية. كما أن ضعف مستوى التنسيق بين الجمعيات, وانكشاف صراعات سياسية أحيانا كثيرة داخل أطرها يشل جزءا أساسيا من طاقاتها. كما من سماتها ضعف مستوى العمل الطوعي والمشاركة الشعبية في عمل الجمعيات الأهلية, في هذه المرحلة بالذات التي تشهد تفاقم حدة الأزمة المعيشية في لبنان, والافتقاد الى خبرات ومواهب عالية الكفاءة بسبب هجرتها عموما, التخبط الذي رافق توقف الحرب ومحاولات الانتقال من نمط الإغاثة الى نمط التنمية في عمل الجمعيات, مضاف لها ضعف البناء الإداري والمؤسسي. ولذلك تتكشف ورش العمل والدراسات لإيجاد الحلول للمعضلات القائمة وما زال الطريق طويلا.
هناك بعض المؤسسات الاجتماعية التابعة ل م. ت. ف. مثل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني اتحاد المرأة جمعية أسر الشهداء, التي لا تزال رغم شللها العام, قادرة على تقديم دور ما وإن كان ضعيفا نسبيا في تطوير ومساعدة التجمعات السكانية الفلسطينية, ولكن القوانين تتيح للدولة اللبنانية أن تتشدد إزاء جميع الجمعيات. إذا يفرض قانون العمل أن تكون أكثرية المستخدمين في هذه الجمعيات لبنانية ( ثلاثة لبنانيين مقابل واحد غير لبناني). كما يمكنها فرض استفادة إلزامية بحصة للبنانيين وعدم الاكتفاء بالخدمات للفلسطينيين.
المرجعية عن الشعب الفلسطيني كانت لمنظمة التحرير الفلسطينية. منذ 1982 وانسحاب قوات م.ت.ف. بإيقاف فيليب حبيب لا مرجعية مكرسة رسمية علنية فالمرجعية يجب أن يكون لها اعتراف من الدولة اللبنانية وتتعامل معها بشكل رسمي. هناك اعتراف من الدولة اللبنانية بمنظمة التحرير وتتعاطى معها ضمن دائرة جامعة الدولة العربية, لكن لا تسمح بإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الذي أغلقه الإسرائيليون عام 82 في كورنيش المزرعة في بيروت. كذلك لا تسمح بإعادة مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير, الذي كان قد اعتمد على أنه مركز للقاءات القيادة الفلسطينية المحلية, كوسيط بين الدولتين والتجمع الفلسطيني في لبنان. فقد نسف هذا المركز بسيارة ملغومة في شباط 1983 ولم يسمح بإحياء دوره منذ الحين. عوض التمثيل الرسمي للفلسطينيين في لبنان هناك مرجعية الأمر الواقع لتمثيل كل فصيل على أنه جزء من الشعب الفلسطيني, وتتعاطى معه الأطراف الرسمية اللبنانية والقوى السياسية والمؤسسات الدولية على أساس ذلك.
الوضع الاقتصادي للفلسطينيين وحقهم في العمل والضمان
مع انطلاقة التسعينات كان الفلسطينيون في لبنان لا يتمتعون بالحقوق المدنية والاجتماعية كالمواطنين اللبنانيين, فقد تم حرمانهم من العمل في المؤسسات الحكومية بشكل رسمي,. إذا أنها تشترط أن يكون كل موظف في الإدارة الرسمية مواطنا حصل على الجنسية اللبنانية منذ أكثر من عشرة سنوات. وبقي للفلسطيني, وفقا لمؤهلات أن يرتب أموره بالعمل في المؤسسات الخاصة. لكن أيضا في هذا المجال جاءت قوانين العمل لتشترط استحصاله على إذن خاص من وزارة العمل. مما حمل أصحاب المؤسسات على رفض تشغيل الفلسطينيين عمليا, وأبقوا عموما على استخدام أصحاب الكفاءات بأجور زهيدة جدا مقارنة بإخوانهم اللبنانيين, ودون أية ضمانات اجتماعية. وعليه فقد تشكلت معظم مصادر الثروة للفلسطينيين في لبنان من الأعمال المهنية وهي عموما أشبه بالأشغال الشاقة التي يتهرب منها الآخرون خصوصا في مجال البناء والزراعة ( رش المبيدات ), أو الدكاكين والحوانيت الصغيرة.
كما نشطت وكالة الغوث في إعطاء تدريس وتدريب مهني لأبناء الفلسطينيين, خصوصا في معهد سبلين, ولكن دون ضمان عمل مستقبلي في لبنان لهم , وبعض الفلسطينيين دخل في سلك التوظيف كمدرسين أو إداريين أو القسم الصحي للأنروا نفسها لكنهم عموما لا يتجاوزون ال2440 موظفا..
من هنا اكتسبت أهمية خاصة الموارد المالية التي وفرتها م.ت.ف. سواء عبر الوظائف التي خلقتها في أجهزتها الاقتصادية ( صامد وتعاونيات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين), أو عبر الأجهزة الضرورية لعمل الفصائل الفلسطينية, سواء المنضوية تحت لواء المنظمة أو خارجها مثل أجهزة الإعلام والقضاء و الإدارة والأجهزة السياسية إضافة الى المقاتلين وأعضاء الأجهزة الأخرى.
إن ازدياد عدد الفلسطينيين مستمر, ولكن لا يقابله توسع عام في فرص العمل, مما يلقي عموما بأعداد متزايدة من الطاقة الفلسطينية في سوق البطالة, علما أن نسبتها أصلا مرتفعة يضاف لذلك ضآلة الاستثمارات الفلسطينية نسبيا, خصوصا خلال فترة الحر ب الأهلية, الأمر الذي أغلق إمكانات التوسع في مجالات علم تمتص جزءا من العاطلين عن العمل.
طرحت التطورات بعد اتفاق الطائف, مصير المليشيات في لبنان. وقد واجهت الحكومة اللبنانية مسؤولياتها بالنظر أحاديا لوجه من المشكلة وأهملت الآخر. فقد وضعت مشاريع لامتصاص الطاقة العاملة من الشباب اللبناني التي كانت سترمي الى البطالة بعد حل الميلشيات واستوعبت غالبيتهم في الأجهزة الأمنية, كالجيش والشرطة وغيرهما, بعد إعادة تأهيلهم بدورات خاصة الأمر الذي حال دون مشكلة حقيقة اجتماعية اقتصادية كانت ستواجه الحكومة كعبء تفجيري أما بالنسبة لأبناء الشعب الفلسطيني في لبنان, فلم تقدم الحكومة اللبنانية أية حلول لاستيعاب الطاقات الماثلة لإخوتهم اللبنانية, ورفض الدولة استيعاب المقاتلين الفلسطينيين, ترافق بعدم توفر مرجعية أخرى بديلة قادرة على حل مشكلتهم. يضاف الى هذا أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تضع خططا لإعادة تأهيلهم وإعادة تهيئتهم لاستئناف حياتهم العادية بصيغ جديدة تتلاءم وأوضاع لبنان, التي كانت تتطور بسرعة. وهذا ما أدى الى دفع عدد كبير من الشباب الى سوق البطالة مضيفين حدة مأساوية وخطرة على النسيج الاجتماعي الفلسطيني عموما.
إضافة لهذا الوضع الاقتصادي المتصف بإرهاق لا يطاق ورد الى لبنان بعض أبناء الفلسطينيين وعائلاتهم, ممن طرودا أو اضطروا لمغادرة بلدان الخليج بعد عمليات الانتقام والإساءة التي تمت نتيجة حرب الخليج الأخيرة. إن النقص في واردات م.ت.ف. أدى الى تراجع الموازنات التي خصصتها لدعم فلسطيني لبنان, مما خلف أثارا اجتماعية هائلة.
بدورها تركت قضية المهجرين الفلسطينيين أثارا سلبية خطرة اجتماعيا واقتصاديا. إذا أدركنا أن معظم هذه العائلات قد فقدت معيلها بالاستشهاد أو لأسباب أخرى. مما جعل مشاكل أسر الشهداء والجرحى والمخطوفين تفرض نفسها عموما بحدة. خصوصا لقلة المبالغ التي تدفع لهم كمساعدات. ولا إمكانية للاستفادة من المساعدات التي توفرها الدولة اللبنانية لكونهم غير لبنانين, مما يبقي أعباءهم المرهقة على كواهلهم أنفسهم.
المشكلة الأخطر في آثارها هي البطالة, وفي هذا المجال يلعب عدد من العوامل أسبابا في تشديد حدة الأزمة. وإضفاء الاتجاهات السلبية على تأثيراتها:
تخفيضات الأنروا في كل نواحي عملها و تقديماتها.
وجدت م.ت.ف. وفصائل الثورة الفلسطينية نفسها أما مآزق عدة.
فالتخفيض الذي مس الموازنات, أثر على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمجموع البنية الفلسطينية, خصوصا وأن الفصائل تعيش الضائقة التي تمر بها الجماهير الفلسطينية. ولكن أين تبدأ وكيف تنظم إعادة الصياغة وهذا ما عالجته الفصائل بسياسات متباينة. و لا يمكن رصد كل التجربة بتفاصيلها, ولكن يمكن ملاحظة عدد من الخطوط المشتركة لتأثيراتها العامة. فالتفرغ أنشأ مع طيلة المدى الزمني له, مؤسسة اقتصادية- اجتماعية لها مصالحها المتشابكة والعقدة. فالكثيرون تركوا العمل الذي كانوا يزاولونه منذ 1975, واستجابوا لطلبات المنظمات الفدائية بالتفرغ دفاعا عن الثورة, وسواء إذا كانوا قد جاؤوا من القطاع الطلابي مباشرة لأحضان الثورة أو من سوق العمل وانتقلوا الى صفوف الفصائل ومؤسساتها فإنهم قد عاشوا في استقلالية تامة عن أوضاع السوق الاقتصادية العامة, لأنهم اعتمدوا على صندوق كانت تعمره التبرعات والدعم المتواصل, مما لم يشكل أزمة أمام المتفرغين, فتأمنت عائلاتهم بموجب مخصصاتهم المناسبة لسعر السوق, ولكن عند وقف التفرغ عموما أصيبوا بكارثة اقتصادية مازالت أثارها لم تنته الى اليوم.

الواقع الحالي لعمل الفلسطيني في لبنان
لما كان اللاجئون الفلسطينيون يعتبرون قانونيا من الأجانب في لبنان فإن قانون عمل الأجانب هو الذي يطبق عليهم. ورغم مرور خمسين عاما ونيف على لجوئهم الى لبنان, لا يوجد استثناء للفلسطينيين كجماعة ذات وضع خاص, بل يخضعون الى ضرورة الحصول على إجازة عمل.
في المادة 4 من قانون العمل ( بابا العقوبات) تاريخ 4\5\ 1968, بحسب المرسوم رقم 9816, ما يأتي ( يعاقب الذي يستخدم أجنبيا بعقد عمل أو إجازة صناعية من دون موافقة مسبقة أو إجازة عمل صادرة عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ,( صارت حاليا وزارة العمل ), بغرامة... عن كل يوم استخدمه فيه).
وبطبيعة الحال أدى النظام الى عدم تشغيل المؤسسات والشركات للعمال والموظفين الفلسطينيين لديها.
ونتيجة لاتصالات قامت بها منظمة التحرير الفلسطينية وقتذاك بالسلطات اللبنانية, حول العمال الفلسطينيين في لبنان, أخذت وعدا شفويا بعدم تنظيم محاضر ضبط بل إنذارهم. وأذاع مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية هذا الوعد الشفوي وشكل هذا الوعد أقصى ما أمكنه التوصل إليه.
منذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982, وخروج منظمة التحرير الفلسطينية, صدرت سلسلة من القرارات التنظيمية في وزارة العمل, اتخذت عموما منحى سلبيا في تنظيم عمل الفلسطينيين وفقا للآتي:
أ‌ ـ الوزير الدكتور عدنان مروة أصدر في 18\ 12\ 1982 القرار رقم 189\1 حصر فيه عددا من المهن باللبنانيين دون غيرهم. ففي فئة الأجرة منع الأعمال الإدارية والمصرفية وفي صورة خاصة عمل المدير, نائب المدير, رئيس الموظفين, أمين الصندوق المحاسب, السكرتير الوثيق, أمين المحفوظات, الكمبيوتر, الحاجب, الناطور, الحارس, أمين مستودع, البائع, الصيرفي, الصياغة, المختبر, الحلاقة, الناطور, الصرافة, الصياغة, تجارة الذهب والمجوهرات والأحجار الثمينة, تجارة السيارات ومشتقاتها, تجارة الأبنية.
ب‌ ـ الوزير عبد الله الأمين أصدر في 11\ 1\ 1993 قرارا بحصر المهن باللبنانيين ومنع الأجانب ( قرار رقم 3\ 1) كرر فيه المواد ذاتها للأجراء التي وردت في قرار الدكتور مروة, وأضاف: التدريس في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية, باستثناء تدريس اللغات الأجنبية عند الضرورة, الأعمال الحلاقة, إصلاح السيارات ( حدادة ميكانيك, تركيب زجاج, فرش وكهرباء سيارات).
ج- الوزير أسعد حردان أصدر في 18\ 12\ 1995 القرار 1\ 621 كرر في ما يخص الأجراء وأصحاب العمل البنود ذاتها التي وضعها الوزير الأمين. وما اختلف به الوزيران الأمين وحردان عن الدكتور مروة هو في تساهل هذا الأخير النسبي بعدد من المهن. و إمكان إعطاء إذن عمل فيها, ذكرها بالنص, لكنها باتت بعد ذلك من المحرمات لدى الوزيرين لاحقا,هي : أعمال البناء ومشتقاته باستثناء التمديدات الكهربائية والأدوات الصحية, تركيب الزجاج , وأعمال الزراعة, أعمال الدباغة والجلود, أعمال الحفريات, أعمال النسيج للسجاد, صهر المعادن, التنظيفات, المربيات, الممرضات الخدم والطهاة عمال غسيل وتشحيم
السيارات.
من جهة أخرى نص قرارا  الوزيرين الأمين و حردان على استثناءات محصورة لشروط محددة هي الآتية: يمكن استثناء بعض الأجانب ممن يتوافر لديهم أحد الشروط الواردة في المادة (8) من المرسوم 1756 ( تنظيم عمل الأجانب). أولا إذا كان الأجنبي: 1- مقيما في لبنان منذ الولادة2- مولدا من  أم لبنانية أو من أصل لبناني. 3- متأهلا من لبنانية, منذ أكثر من سنة .
ثانيا: حدد المرسوم اشتراطات كثيرة منها:
أن يكون الأجنبي خبيرا في شأن لا يتوفر له بديل لبناني مثلا مترجم لغة أجنبية نادرة ( كالعبرية) أو طبيب أخصائي بشان صحي نادر الوفرة في لبنان مع الحاجة إليه. وفي هذه الحالة يجب الإعلان عن المهنة المطلوبة في الصحف ثلاثة أيام, مع شروطها, إضافة الى ذلك الاستثناء المذكور, أو في أفضل الحالات جعل الذين يمكنهم الاستفادة منه عنصرا نادرا جدا.
عمليا ينتظم بعض العمال الفلسطينيين في العمل الزراعي المياوم, البناء, التنظيفات, البيع الجوال, أعمال الميكانيك, ورش التصليحات والصيانة , وفئة تعمل في وظائف متعددة كالتعليم في المدارس الخاصة, الممرضين والممرضات, في الشركات والمكاتب بشكل نادر, سكرتاريا  وكمبيوتر, وفئة ثالثة معظمها من النساء الخادمات في المنازل والمؤسسات.
الخدم لا يشملهم قانون العمل اللبناني, مما يعني أنهم محرومون من أي مرجعية قانونية, و يتعرضون لمزاجية من يستخدمونهم. كذلك لا يشترط القانون حيازة إجازة عمل للعمل في الزراعة لكن ظروف هذا القطاع تتسم بتدني الأجور وساعات العمل الطويلة ( عموما لا تقل عن 12 ساعة يوميا) وعدم توافر أي ضمانات اجتماعية أو تعويضات أو اجازات للعاملين فيها.
النقابات المهنية
أ‌ ـ نقابة المحامين: تم تنظيم شروط مزاولة مهنة المحاماة بالقانون الرقم 8\ 70 تاريخ 11 آذار 1970- وتعديلاته اللاحقة. لقد نظمت 5 شروط للانتساب الى هذه النقابة أهمها أنها تشترط في من ينوي مزاولة هذه المهنة أن يكون: أولا لبنانيا منذ عشر سنين على الأقل.
ب ‌ـ نقابة الأطباء: تطبق على من يرغب بمزاولة مهنة الطب في لبنان في كل اختصاصاته باستثناء طب الأسنان أحكام القانون المنفذ بالمرسوم 1658 كانون الثاني 1979. وهذا القانون يسمح لغير اللبناني بممارسة مهنة الطب في لبنان إذا كان من تابعية بلد يطبق مبدأ المعاملة بالمثل الذي هو المرتكز لقبول غير اللبناني في إحدى نفابتي الأطباء وبالتالي فليس في وسع الفلسطيني حكما, امكان العمل كطبيب مرخص له في لبنان.
ج ـ نقابة الصيادلة: جرى تنظيم وضبط أحكام مزاولة مهنة الصيدلة في لبنان بالقانون الصادر في 21 تشرين الأول 1950. فرض على غير اللبناني شروطا تختلف بين رعايا الدولة العربية وبين الأجانب واشترط في الحالتين لإعطاء الإذن بمزاولة هذه المهنة مبدأ المعاملة بالمثل. وهكذا يتبين أن الفلسطيني محروم أيضا من حق مزاولة وممارسة الصيدلة على الأراضي اللبنانية.
نقابة المهندسين: ترعى هذه النقابة أحكام القانون الصادر في تاريخ 22 كانون الثاني 1951. وشروط انتساب الأجنبي إليها تختلف بين أوضاع رعايا الدول العربية ومواطني الدولة الأجنبية. ولكن على العموم لحظت أحكام هذه القانون ضرورة توافر شرط(( أن تعامل شريعة بلد طالب الانتساب المهندس اللبناني بالمثل) ( المادة الرابعة الفقرة الثانية) والفلسطيني لا يستطيع تطبيق هذا المبدأ.
4- أظهرت عدة دراسات أن ما نسبته 14 في المئة من اليد العاملة الفلسطينية تتمتع بحق العمل بموجب إجازة رسمية, يضاف لها 30, 1 في المئة يعملون في وكالة الغوث ( أنروا) موظفين ومدرسين وأطباء وسائقين يضاف لهم ما نسبته 5, 3 في المئة يعملون في مجالات لا تحتاج لإجازة عمل مثل ضمان الأراضي الزراعية, وتربية الماشية, بعض المشاريع الصغيرة في المخيمات, وموظفي الهلال الأحمر الفلسطيني ( نحو 600) مما يجعل المجموع لا يزيد عن سقف 5 في المئة من إجمالي اليد العاملة الفلسطينية. لذلك نجد أن غالبية الفئات العمرية الشابة, خصوصا الذكور يبحثون عن عمل خارج لبنان لإعالة أنفسهم وأسرهم.
وفيما يأتي جدول بعدد إجازات العمل الصادرة رسميا وفقا لإحصاءات وزارة العمل
السنة                        عدد الإجازات                        السنة                       عدد الإجازات
1968                         2448                             1979                           284
1969                        2326                             1992                            193
1970                       1826                            1993                               327
1971                       1990                            1994                               350
1972                      866                               1995                              354
1973                      1850                            1996                                271
1977                      207                               1997                               460
1978                      312
مشكلة عدم شمول العاملين الفلسطينيين بالضمان الاجتماعي: وفقا للفقرة 4 من المادة التاسعة من قانون الضمان الاجتماعي ( لا يستفيد الأجانب الذين يعملون على أراضي الجمهورية اللبنانية,. من أحكام هذا القانون في بعض أو جميع فروع الضمان الاجتماعي, إلا بشرط أن تكون الدولة التي ينتسبون إليها تقر للبنانيين مبدأ المساواة في المعاملة مع رعاياها فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي. وفي هذا المجال يلاحظ طبعا أن الفلسطينيين قبل احتلال إسرائيل لوطنهم. كانوا يخضعون للانتداب البريطاني, الذي طبق قوانين خاصة به. وقد أصدر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قرارا يحمل الرقم 15 \2 \1965 يدعو فيه وزارة العمل والشؤون الاجتماعية  الى إبداء الرأي في الطريقة القانونية التي تتيح للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الى إبداء الرأي الطريقة القانونية التي تتيح للصندوق إفادة العاملين الفلسطينيين من فرع التعويضات العائلية), فجاء رد هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل بقرار يحمل الرقم 667\ 3 في تاريخ 14\ 12 \ 1966  يرفض من الوجهة القانونية استفادة العاملين الفلسطينيين من فرع التعويضات العائلية بانيا ذلك على أنه ( من المستبعد أن تكون السلطات الفلسطينية قبل نشوء حرب 1948, قد لحظت في تشريعها قانونيا بتعلق بالضمان الاجتماعي ولحظت فيه المعاملة بالمثل بالنسبة للبنانين).
إن الاقتصاد اللبناني مغلق أمام الفلسطينيين إغلاقا تاما تقريبا. ويتوافق الآن هذا الاتجاه المعمول به منذ أمد طويل مع أربعة تطورات أخرى سلبية, هي : تقلص الوظائف والخدمات المجانية والمعونات التي كانت توفرها منظمة التحرير الفلسطينية والمقاومة. انخفاض معونات الأنروا وخدماتها. انخفاض مساعدات المنظمات غير الحكومية والدولية والحكومات الأجنبية بذريعة توقف النزاع في لبنان. توقف التحويلات الخاصة والعامة من الفلسطينيين الذين كانوا أبعدوا من دول الخليج بعد حربه الثانية. ضمن هذا الإطار ليس مستغربا وفقا لأحد إداريي برامج الرعاية الاجتماعية أن يكون نحو 60 0\0 من الفلسطينيين في لبنان يعيشون تحت مستوى ( خط الفقر) كما تحدده الأمم المتحدة.
الأوضاع الاجتماعية:
الأنروا في المبدأ هي الجهة التي تتحمل العبء الرئيسي والأهم في تعليم الفلسطينيين, فلها مدارسها الخاصة بالفلسطينيين للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة يضاف لها الـتأهيل المهني في معهد سبلين, مؤخرا استحدثت صفوفا ثانوية في بيروت وصيدا وصور إضافة الى أربع رياض أطفال تعلم اللغة الفرنسية.
أما المدارس الحكومية اللبنانية فتخضع لنظام محدد. ففي الجامعة والمدارس الحكومية اللبنانية يسمح بدخول الكليات ضمن النسبة المسموحة للأجانب (10 0\0 ) ويمنع عنهم كلية التربية ودار المعلمين, لتخريجها مدرسين يشترط بهم الحصول على الجنسية اللبنانية منذ عشر سنوات.
والمدارس الخاصة تستقبل عموما الفلسطينيين, طالما كانوا قادرين على دفع الأقساط  والتكاليف وهي باهظة عموما, ومن النادر للمدارس الفئوية الدينية قبولهم.
أولا : الأنروا
تتراجع خدماتها عموما بحجة نقصان الموازنة والتبرعات ومنذ التسعينيات تعتمد مبدأ: مواءمة الخدمات مع الدول المضيفة بهدف التهيؤ لتسليمها لها. وعمليا يتم تخفيض متدرج لعمل دائرة التربية في الأنروا, مع بعض الحلول لمشكلات حادة لم يكن ممكنا تجاوزها.
المدارس في المرحلة الابتدائية والمتوسطة تم إنقاصها بمدمج بعضها مع الآخر فتراجع عددها من 87 مدرسة في 1987 حتى 73 مدرسة في 1999.وكان الدراسة مجانية ويصرف للطلبة من اللاجئين الكتب والقرطاسية واليوم توقف تقديم القرطاسية للجميع وفرض على أهالي الطلبة دفع الرسوم, وزيد عليهم لاحقا رسوم الامتحانات الرسمية, وبسبب نقص المدارس اعتمدت نظام العمل بالدفعتين يوميا في 50 0\0 من المدارس.
وازداد عدد طلاب في كل صف حتى بلغ 60 طالبا في الغرفة الواحدة, بعد أن كان 30 طالبا و طالبة. إضافة الى ذلك أوقفت الأنروا بند المنح المالية, التي كانت تصرفها لبعض الفلسطينيين في المرحلة الثانوية أو الجامعية.
من جهة أخرى, وكالعادة كان يتم تسريح عدد من الأساتذة سنويا, ممن ينهون خدمتهم, ويتم التعاقد مع جدد كموظفين دائمين في الأنروا. أما منذ اتفاق أوسلو, فقد استبدل هذا النظام الى تعاقد يتراوح بين سنة وثلاث سنوات, وتوقفت زيادة الرواتب منذ ذاك مما زاد الضائقة الاقتصادية للمدرسين, وأثر سلبا على عطائهم في ظروف العمل المذكورة, زيادة عدد الطلاب وتبدل أوقات التعليم صباحا ومساءا محاولة البحث عن مصادر رزق للكفاية الخ.
تراجع مستوى التعليم في مدارس الأنروا عموما وتشير تقرير الوكالة أن نتائج امتحانات الشهادة المتوسطة في الأنروا تدلل على ذلك 66 0\0 في 94\ 1995 ووصلت الى 53 0\0 في 97 \ 1998 و 4, 57 0\0  في 98 \ 1999.
أعداد الطلبة الفلسطينيين في مدارس الوكالة أيضا قليلة نسبة لعدد الفلسطينيين والزيادة الطبيعية لهم.
عام 90 \ 91                              34048               طالبا وطالبة
عام 93 \94                               33562                 طالبا وطالبة
عام 95 \ 96                         35033                         طالبا وطالبة
عام 97\ 98                          39125                         طالبا وطالبة
عام 98 \ 99                         40812                          طالبا وطالبة
في المرحلة الثانوية: توقفت الأنروا عن تقديم منح التعليم , التي كانت تقدمها لطلبتها وأمام احتجاج الطلبة وأهاليهم جرى لأول مرة في تاريخ الوكالة بلبنان, افتتاح صفوف ثانوية في بيروت ( مدرسة الجليل) تبعها مدرسة بيسان في صيدا , ثم مدرسة الأقصى في الرشيدية. مولت هذه الصفوف من ( برنامج تطبيق السلام) وضمت 1367 طالبا.
ونشطت الأنروا من جهة أخرى لتامين دعم خاص بدفعات استثنائية من الدول المانحة لمساعدة الطلبة الجامعيين ووفرت في العام 96- 97 ما مجموعه 111 منحة بمعدل 250 ألف ليرة لبنانية للفرد, بعد أن كان 68 منحة في العام 95-1996 ثم رست عند 106 منح في 98 – 1999 ( قيمة المنحة حوالي 160 دولار)
يقدم معهد سبلين للدراسة التقنية والمهنية فرصا لنحو 607 متدربين منهم 118 متدربة خلال 97\ 98 وهي اختصاصات تشمل تصليح الراديو التجارة الميكانيك الحدادة الآلات الدقيقة الرسم الهندسي وغيرها.
رياض الأطفال: تقدم الدولة الفرنسية مساعدة خاصة في هذا المجال ضمن برنامج الفرانكوفونية, وقد أدخلت أربعة صفوف جديدة في العام 95 – 96 وتوسعت من 161 طفلا الى 247 طفلا.
ثانيا : الدولة اللبنانية: يؤثر عاملان في عدد الطلبة الفلسطينيين الذين يمكنهم الاستفادة من الدراسة في المدارس الحكومة أو الجامعة اللبنانية وهما:
1-      إن السماح القانوني لعدد الأجانب نسبة للبنانيين من المسجلين يجب ألا يتعدى 10 0\0 من المجموع والفلسطيني يعتبر أجنبيا وتندرج حصته ضمن 10 0\0 الخاصة بالأجانب. وهذا ما يجعل عددا الفلسطينيين قليلا بشكل عام.
2-      يتخذ بعض إدارات المدارس موقفا سلبيا من قبول الطلبة الفلسطينيين وذلك إما تفضيلا للبنانيين أو لأجواء سياسية طائفية أو مذهبية مؤثرة ولا فتقاد معظم المدارس التدريس باللغة الإنكليزية وهي اللغة التي يفضلها الفلسطينيون عامة.
وقد توزع الطلبة الفلسطينيون في العام الدراسي 95- 96 وفقا لتدقيقات وزارة التربية ومديرية شؤون اللاجئين كالتالي:
2500 طالب في المدارس والجامعات الخاصة – 1500 طالب في المدارس المجانية- 1200 طالب في الجامعة اللبنانية و 3800 طالب في المدارس الحكومية بمستوياتها المختلفة الابتدائية المتوسطة والثانوية لمغادرة المدارس والجامعات الخاصة أما في العام 96- 1997 فقد أثرت التكاليف الباهظة بدفع عدد من الفلسطينيين لمغادرة المدارس والجامعات الخاصة فصار عددهم 2000 طالب كما تمنعت مدارس مجانية من عودة الفلسطينيين الى صفوفها فصار مجموعهم فيها 1400 طالب, بينما ازداد الطلب على الالتحاق في المدارس الحكومية بزيادة 600 طالب, وتقدر الحكومة اللبنانية تكلفة أعبائها على الفلسطينيين في التعليم أساسا وفي غيره من المجالات بمجموع ( 4, 1 مليون دولار سنويا).
ثالثا- منظمة التحرير الفلسطينية:
حتى العام 1982 كانت تسد العجز بإدارتها لمدارس ثانوية تابعة لدائرة التربية فيها, وتؤمن الفرص الجامعية سواء عبر منح مناسبة أو إيجاد فرص دراسة خارج لبنان خاصة في جامعات الدول الاشتراكية وبعض الدول الصديقة وهذا ما ساهم في مستوى تعليمي مرتفع للفلسطينيين عموما. وتخرج منه آلاف الأطباء والمهندسين و الاختصاصين الجامعيين, نساء ورجالا. ولكن مع انسداد هذه الفرص بعد خروج قيادة م.ت. ف. في 1982 من لبنان بات الانهيار حتميا, وقد توقفت عن دعم التعليم وألغت التعاقد مع المدرسة الثانوية في عين الحلوة, وتحولت مدارس أخرى الى مشاريع مخصخصة رفعت الأقساط على الطلبة في مخيمات صور والشمال وقلصت المساعدة المدفوعة لطلبة البقاع الى النصف ... وهكذا تدرجت الإجراءات الى أن غابت بشكل كامل حاليا.
حوالي 40 0\0 من أطفال الفلسطينيين في لبنان هم اليوم خارج مقاعد الدراسة وكثير منهم لم تدس أرجله المدرسة. نجد في سوق العمل أبناء الشهداء الذين لا موارد لهم نزلوا لسوق العمل لـتأمين بعض القوت. علما أن في لبنان حوالي 10 آلاف أسرة شهيد. وبالتالي يمكن أن نتصور المأساة عندما نعرف أن أسر الشهداء لم تتلق عونا لسنوات طويلة. وعندما أعادت م.ت.ف. في الأشهر الأخيرة الدفع مجددا لأسر الشهداء كان المبلغ 70 دولار في الشهر للعائلة الأمر الذي لا يكفي خبزا للعائلة هؤلاء الأطفال يشكلون اليوم جيلا أميا بامتياز. وهذا الوضع بدأ بالانحدار منذ العام 1982 وهو يزداد استفحالا يوما عن يوم.
وإذا أجرينا مقارنة واعتبرانا أن عدد الفلسطينيين في لبنان كما هو في سوريا أي ما يقارب 365 ألفا, فإن مدراس الأنروا في سوريا تستقبل 70 ألف طالب في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة بينما تستقبل مدارس الانروا في لبنان ما يقارب نصف العدد أي حوالي 35 ألف طالب. ويفسر هذا السبب كثافة هجرة الفلسطينيين لخارج لبنان طلبا للعمل أو للحرية. وهو ما يضع الوكالة في موقع المدان. خاصة أن الموجودون فعليا لا يتجاوزون في أفضل الحالات 227 ألفا, ومع ذلك تبقى الموازنة عاجزة عن الوفاء بخدماتها لهؤلاء. الأمر الذي يتطلب مراجعة جادة لبرامج الوكالة في لبنان بالاستناد الى حقيقة الحالة الفلسطينية فيه وطبيعة احتياجاتها وحقيقة الموازنات المرصودة لها, وكيفية صرفها في هذا المجال أو ذاك.
الأوضاع الصحية:
نجحت الضغوط الشعبية, مع ازدياد حدة ومخاطر النقص في الخدمات الصحية التي اعتادت وكالة الغوث أن توفرها للاجئين بوقف تراجعات ميزانية القسم الصحي في الأنروا باتجاه زيادتها وباتت كالآتي:
1993                               4, 7                               مليون دولار
1994                              5, 5                               مليون دولار
1996                                8                                   مليون دولار
1998                          18, 12 مليون دولار
ومعلوم أن فرص علاج الفلسطينيين تتفاوت وفقا للبلد المضيف: في الأردن وسوريا يحق للاجئين الاستفادة من خدمات القطاع الحكومي , أما في لبنان فهذا الأمر ممنوع عليهم. لذلك يلجأ الفلسطينيون الى ثلاثة مصادر للمعالجة هي الأنروا الهلال الأحمر الفلسطيني, وبعض المؤسسات الأهلية والقطاع الخاص.
الخدمات الصحية للأنروا:
الموازنة للعناية الصحية ضئيلة جدا, فإذا حسمنا الأجور يبقى رقم لا يتجاوز المليوني دولار للعناية. وفي العام 99 عالجت الأنروا 7625 مريضا في المستشفيات في لبنان. وقد بدلت التعاقد مع المستشفيات اللبنانية الى الهلال الأحمر الفلسطيني للتوفير, لكن خدماته أساسا ضعيفة ويضطر المرضى للمشاركة في دفع ما بين 50 حتى 70  0\0 من التكاليف. إن المعاناة الأكبر هي في المجال الصحي خاصة مرضى القلب والكلى والسرطان وغيرها الذين يموتون دون توفير العلاجات لهم علما أن معدل معاينة الطبيب الواحد في عيادات الأنروا لا يقل عن 90 مريض يوميا.
وزارة الصحة اللبنانية:
لا تقدم أي علاج أو دواء على الإطلاق للاجئين الفلسطينيين. حتى مكافحة الأوبئة وتطعيم الأطفال, فإن عبء توفيرها يقع على الأنروا و اليونسيف أساسا.
جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني:
بدأت فصائل المقاومة بإقامة مراكز صحية لها لتقديم الخدمات لعناصرها, وما لبث أن تزايدت تلبية لحاجات الناس المتصاعدة نظرا للنقص في خدمات الأنروا, لكنها مثل لك مؤسسات الفلسطينيين عانت نتائج الحرب الطويلة مما أدى لدمار واسع منها.
في المرحلة الحالية يوجد تسعة مراكز للرعاية الصحية الأولية أربعة مستشفيات في الجنوب, بيروت , الشمال, والبقاع, ومستشفى تحويلي مركزي أساسي في صيدا. تحتوي كفاءة وتأهيل الأطباء والممرضين. وكل المراكز تقدم خدمات صحة, الفم والأسنان والرعايا الصحية للأم والطفل وخدمات الطوارئ كذلك بعض خدمات العلاج الفيزيائي. لكن ذلك جميعه بمستوى يتراوح بين المتدني والمتوسط بسبب النواقص الكبير ماليا وإداريا وكادريا.
وتعتمد خطة إعادة التأهيل التي تحتاج لسنوات على دعم المؤسسات الدولية, وجزء منها من أجور الخدمات التي يتقاضاها الهلال  الأحمر من المرضى الفلسطينيين بعد أن كان يقدمها مجانا.
المنظمات الفلسطينية الأهلية:
تقدم بعض  الخدمات الصحية للأطفال خاصة في الرياض ومجال البيئة, إضافة للعلاج الفيزيائي لكنها لا تملك مستشفيات والى فترة احتفظت بعض المنظمات الفلسطينية بخدمات طبية خاصة بها, قليلة ونادرة العدد, وتوجب دفع التكاليف بأسعار أقل من السوق.
الوضع العام:
تقلص موازنات الأنروا والهلال الأحمر أدى الى فرض رسوم على المعاينات والعلاج والأدوية على اللاجئين مما أثر سلبا خاصة مع اشتداد الفقر العام لدى الفلسطينيين ( 65 0\0 من المجموع تحت خط الفقر) بسبب الحرمان من حقوق العمل وضمان الاجتماعي وغيرها.
وقاد تدني الأجور الى هجرة عدد كبير من الأطباء الفلسطينيين من الهلال الأحمر الفلسطيني وتراجع دور الهلال مثل الأنروا في العناية بالصحة البيئية والابتعاد عن العمليات ذات التكلفة العالية والتقنيات المتقدمة مثل القلب المفتوح أو غسيل وزرع الكلى وغيرها خصوصا لدى المعوقين.
المخيمات والصحة البيئية:
منذ إنشاء المخيمات وهي تحت إشرافه الأنروا ورغم الازدياد السكاني منذ العام 1948 بنسبة 300 0\0 تقريبا أي من 100 ألف لاجئ الى 350 ألفا, إلا أن المساحة لم تتغير مما أدى الى الاكتظاظ السكاني. وسوء الوضع الصحي في المخيمات مرده الأسباب التالية:
إن المجارير المكشوفة تحيط بالمخيمات مما يزيد من نسبة التلوث والأوبئة وانتشار الأمراض.
شبكة المياه غير الصالحة للشرب وعدم كفايتها وتغذية المياه المتقطعة وعدم التخطيط في التوصلات لشبكة المياه. والاعتماد أحيانا على المياه الارتوازية مع وجود مراحيض البيوت من دون توصيلات للصرف الصحي مما يجعل نسبة التلوث كبيرة بين هذا و ذلك. وهذا ما أدى الى انتشار الأوبئة مثل الإسهال والأمراض الجلدية والإصابة بالطفيلات المعوية.
الطرقات السيئة التي لم تعبد منذ سنوات طويلة.
إن الازدحام السكاني وسوء التهوية والتدخين سبب كثيرا من أمراض الجهاز التنفسي المزمن.
إن سوء التغذية للحوامل والأطفال أصبح من الظواهر المنتشرة.
ارتفعت نسبة المصابين بالأمراض المزمنة كداء السكري وضغط الدم المرتفع, وأمراض القلب وفقر الدم وعوارضها.
إن الاستشفاء هو المعضلة الأخطر التي تواجه اللاجئين في لبنان, فهم الأكثر تضررا من طبيعة الخدمات الطبية لدى الأنروا التي تصنف الاستشفاء في إطار الرعاية الثانوية, وليس له أساس في الموازنة بل يصرف له استثناء رغم انعدام توفير الاستشفاء في مراكز الصحة اللبنانية الرسمية لأي فلسطيني. ويزيد الأمر سوءا ارتفاع تكاليف العلاج بشكل دائم في لبنان مما يجعل قائمة المرضى تطول, والانتظار يمتد أكثر, والموت يحصد..
السياسات القائمة
انتهت رسميا المرحلة التي اتسمت بمحاولات إلغاء الوجود الفلسطيني في لبنان عبر استخدام القوة, فقد كانت الحروب على المخيمات منذ 1973 مسرحا رئيسيا لتوالي الأعداء والخصوم على شنها, وكان اتفاق الطائف اللبناني بوقف الصراعات المسلحة والتوجه لإعادة إعمار لبنان على أساس التعايش بين فئاته وتوجيه الجهود للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد إيذانا بمرحلة نوعية جديدة, تكرس من خلال نصوصها رفض التوطين من جهة, والإغفال المتعمد رسميا عن أي أمر آخر يؤثر ويمس مصير اللاجئين الفلسطينيين وواقعهم في لبنان. وتوجت المرحلة هذه في بداية التسعينات بسحب سلاح الثقيل والمتوسط من أيدي الفلسطينيين وإبقاء السلاح الخفيف والإصرار العنيد على رفض منح الحقوق الإنسانية رغم الاتفاق بين لجنة وزارية لبنانية شكلت للتفاوض مع وفد موحد يمثل الفلسطينيين في لبنان.
لقد دفع الفلسطينيون غاليا في معاناة طويلة خلال لجوئهم القسري في لبنان, متأثرين بسياسات الدول والقوى المؤثرة في الشرق الأوسط:
السياسة الإسرائيلية:
هي الأساس باستمرار رفض السماح بتطبيق حق اللاجئين في العودة الى ديارهم وممتلكاتهم, وبذلك تركوا للمعاناة وفقا لظروف  البلد المضيف. فحرموا من حق الإقامة في وطنهم الأصلي ولم يحملوا جنسية دولة لهم ولم يعترف بهم كشعب بل كمجموعات لاجئين يحتاجون مساعدات إنسانية ومازال هذا السبب هو احد أهم معطيات أزمة الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
سياسة الدولة اللبنانية:
بمختلف الحكومات التي شهدت اتسمت بالسلبية التي كانت تتخذ صيغة حادة غالب الأحيان أو تخفيه في بعضها. ويقوم موقف لبنان الرسمي اليوم على التشبث أن لا حل مستقرا الا إذا تم استعادة كل الأراضي اللبنانية- بعد بقاء خلافية حدودية صغيرة- و إيجاد حل للاجئين في لبنان منطلقا من رفض التوطين وصولا لدى بعض الجهات الى العودة الى فلسطين أو  التشتيت في بقاع العالم, والربط بالمسار السوري.
ويعتبر لبنان الرسمي الوجود الفلسطيني على أرضه قنبلة موقوتة وحل هذه المسألة من متطلبات السلام الشامل والعادل. وفي هذا الإطار يقوم لبنان الرسمي منذ فترة بحملة سياسية ودبلوماسية محورها رفض التوطين وقد حظيت هذه الحملة بصدى دولي عبرت من خلاله دول القرار المؤثرة عن تفهمها لموقف لبنان من التوطين ومخاوفه منه وأسباب رفضه له, وأدت بهذا المعنى غرضين اثنين: من جهة, لصالح توضيح الموقف اللبناني ومن جهة أخرى لصالح تسليط الضوء على قضية اللاجئين بشكل عام ومخاطر التوطين وأهمية حق العودة, وفي هذا خدمة للموقف الفلسطيني. غير أن هذه الحملة السياسية والدبلوماسية, على فوائدها لم تؤت حتى الآن نتائج يمكن الركون إليها كما يتضح من موقف الولايات المتحدة وفرنسا. إذا أن أيا من الموقفين لا يتطرق الى رفض التوطين ناهيك عن حق العودة, والمعروف أن كليهما ليس بعيدا عن المشاريع المتداولة على نطاق واسع والتي تتحرك ضمن دائرة التأهيل والتوطين وإعادة قسم من اللاجئين الى الدولة الفلسطينية, وفتح نافذة لم الشمل باتجاه مناطق ال48 وعقد مؤتمر دولي للبحث بكل هذا, وبشكل خاص لاعتماد الأموال التي تسمح بتمويل هذه المشاريع بما فيها التعويض. إن إحدى الثغرات الرئيسية في الطرح اللبناني, إذا ما أراد أن يتجاوز حدود توضيح مشكلة الوجود الفلسطيني والمخاطر المترتبة عليه, هي عدم كشفه حتى الآن عن خطة عمل واضحة تقترح آليات وحشد قوى, خلف مطلب رفض التوطين وحق العودة.
ويلاحظ بالمقابل أنه يتم تسليط الضوء على البعد الأمني والعسكري في المخيمات بمعنيين متناقضين:
الأول يصورها عاصية خارج سلطة القانون والنظام العام ومرتعا للمطلوبين والمحاكمين والمطاردين من العدالة والثاني يقدمها وطنية وكمصدر محتمل لعمل مقاوم ضد إسرائيل وعلى حدود فلسطين وفي الحالتين يتم تظهير الاستثناء الذي تمثله مخيمات اللاجئين في لبنان عن مثيلاتها في الأردن وسوريا... في محاولة لتأكيد المخاطر التي ينطوي عليها الوجود الفلسطيني في البلد, وعلى أمنه واستقراره حتى بلغ الأمر ببعض المحرضين الهلوسة بالدعوة لإقامة شكوى في محكمة العدل الدولية أو الأمم المتحدة ضد الفلسطينيين في لبنان.
الفلسطينيون كتلة سكانية ( يستعصي) اندماجها في الكتلة اللبنانية. السبب ليس طائفيا أو مذهبيا بالدرجة الأولى بل اقتصادي واجتماعي أيضا بالسلبية التي تعاملت بها الدولة اللبنانية مع الوجود الفلسطيني منذ ما بعد النكبة على الصعيدين السياسي والاجتماعي. لقد أدارت الدولة مع الكتل الفلسطينية في المخيمات علاقات تقوم على حجرهم ومنعهم من التفاعل مع المحيط اللبناني المسيس والملتزم بقضيتهم كما قمعت بقسوة محاولات الفلسطينيين للتنظيم. وتطورات الأوضاع اللبنانية بجوانبها الداخلية والإقليمية أتت لتزيد من النظرة السلبية الى التجمع الفلسطيني, نظرة يتحكم فيها الخوف والتوجس يخترقان قيادات الطوائف والمذاهب كافة. مصدر الخوف الحقيقي عند هذه القيادات ليس طائفيا ومذهبيا, أو ليس جوهريا كذلك, ولكنه خوف يرتكز الى كون الفلسطينيين في لبنان يشكلون كتلة اجتماعية شديدة الحرمان مهمشة اقتصاديا بواسطة إجراءات تمييزية مجحفة وفي الوقت ذاته كتلة صاحبة قضية وطنية تمسها بالصميم ومن المرجح أن لا تجد حلا مرضيا لها من خلال التسويات الراهنة. وقد أبدت هذه الكتلة البشرية خلال السنوات الأربعين الماضية ( وربما منذ منتصف الخمسينيات ) قابلية عالية للتنظيم بمستوياته الحزبية والاجتماعية وكذلك قابلية عالية للتفاعل مع القضايا المحلية والإقليمية وبخاصة عندما تكون على علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالقضية الأم ولكن بصرف النظر عن موقع الأسباب المختلفة في أولويات رفض التوطين من قبل اللبنانيين فهذا الرفض محق, ويحق للدولة لا بل من واجبها أن تجير هذا الرفض اللبناني  في موقف إيجابي موحد يوجه رفضه الاجتماعي للتوطين ضد إسرائيل المسؤولة الفعلية عن الشكل وليس ضد الفلسطينيين, وتجعل من هذه القضية جزءا من المفاوضات القادمة ومن حلها شرطا للحل.
المجموعة الدولية:
رسمت سياساتها ضمن إطارين أساسيين:
الأول : بعد مؤتمر مدريد عبر تشكيل اللجنة المتعددة التي ضمت لجنة اللاجئين تتولى كندا مسؤولية إدارتها وهي قد أبعدت القرار 194 الدولي عن مجال عملها, وكرست ما أسمته العمل للتأهيل والاندماج للاجئين حيث هم, وذلك بعد استبعاد حق العودة. ولبنان لا يشارك في أعمالها وأن كان قد وافق عمليا على أن ننجز العديد من المشاريع في المخيمات تحت يافطة الانروا.
عمليا تقدمت الأنروا بمشاريع تحتاج لتمويلها بهدف إنجازها في مخيمات لبنان, خلال الفترة منذ 1993 حتى نهاية 2000 بلغ عددها 61 مشروعا, بمساهمات وتعهدات بمبالغ بقيمة 3, 34 مليون دولار أميركي كما أورد تقرير المفوض العام للانروا في حزيران ( يونيو) 2000 وشملت بناء مجتمع سكاني لسبع وخمسين أسرة من اللاجئين المهجرين, أقيم في البداوي في الشمال وذلك بتمويل كندي تمويل الصفوف الثانوية الجديدة التي نشأت الحاجة لها عقب نجاح عدد كبير من طلبة الإعدادي ولم يتوفر لهم مقاعد في المدارس اللبنانية, وذلك في مخيمات برج البراجنة ( بيروت) عين الحلوة( صيدا) الرشيدية ( صور). كما بدئ في إنجاز مشاريع صرف المياه والمجاري ومد أنابيب مياه الخدمة والشفة, قدرت الحاجة إلى 11 مليون دولار لإتمامه لكن لم ينجز سوى جزء صغير في كل من مخيم النهر البارد ( الشمال) ومخيم البرج الشمالي( صور).
ويلاحظ أن تمويل هذه المشاريع غير مضمون وليس كافيا ويسود الغموض الأرقام المعلنة فالتمويل الوارد في 1999 بلغ فقط300 ألف دولار وفي العام 2000 بلغ 900 ألاف دولار, بينما تذكر الانروا أن النداء الخاص بلبنان الذي أطلقه المفوض العام بيتر هانسن, وفر في العام 2000 مبلغ 9,3 مليون دولار وزعت للصحة 2, 4 مليون, التعليم والمدارس 3,8 مليون بناء منازل 0,9 مليون دولار وقد انفق علميا لبناء ثانوية ومختبر كمبيوتر وطباعة كتب الدراسة للطلاب وفقا للمناهج الحكومية الجديدة وضمان استشفاء 1223 مريضا, إضافة لنفقات على مشاريع تطويرية في معهد سبلين المهني. ويبرز من كل هذا المنحى العام بالانفاق على مشاريع ثبات اللاجئين حيث هم خاصة في بناء المدارس والعيادات والمنزل رغم ازدياد الاحتجاج لدى اللاجئين من ضآلة المبالغ المخصصة في الموازنة العامة للنفقات الجارية على التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية بالمقارنة بالحاجات المتزايدة للأهالي.
الثاني: وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ( الانروا) التي أعلنت الربط بسياستها مع لجنة المتعددة ضمن ما أطلق عليه( خطة المواءمة) التي أصابت بالتقشف بنود الخدمات الأساسية وليس الإدارية وتشابكت مع معضلات مالية أدت الى عجز دائم. يتفق اللبنانيون والفلسطينيون على تصويب سهام النقد الى سياسة الوكالة. والمطالبة بالإصلاحات اللازمة وتوفير الموازنات المطلوبة الأنروا هي خصم  وحكم لا تنبثق عن إرادة الفلسطينيين ولا يشرف عليها الفلسطينيون وتنفذ سياسات وقرارات منها إيجابي وأساسي بالتوفير الدائم للدعم بالمساعدات والإغاثة لمجتمع اللاجئين, وكذلك سلبيا بتنفيذ سياسات تهدف تعطيل المصالح الوطنية والقومية للفلسطينيين مثل تغيب الحماية عن صلاحياتها, التأهيل بكفاءات توجه للتصدير للخارج بالطاقات الشابة الفلسطينية أو الاندماج بخط الإلغاء الذاتي وفقا لتوجهات بعض الدول المانحة لإلغاء المسؤولية الدولية عن خلق مشكلة اللاجئين الخ...
والعجز  المالي عمليا هو قرار سياسي مستمر في الافتعال مربوطا بالتطورات السياسية في الشرق الأوسط, إذا فشل التوجه السابق لإنهاء الخدمات في 99 وسيبقى الأمر مستمرا حتى الاتفاق على حل سياسي. إن مسألة تمويل الانروا وتوفير السيولة تقع ضمن صيغة تهدف بث الاستسلام الى ما يمنح وإلغاء أية قناعة بالقدرة على تحقيق تبدل نوعي وفقا لإرادة الفلسطينيين, فالديون مجمدة العجز يتزايد ويجبر اللاجئون على المشاركة في دفع الخدمات بشكل متزايد.
نظرة على مستقبل الوجود الفلسطيني في لبنان
يتمسك الفلسطينيون في لبنان بالموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في أية مفاوضات تطال مصيرهم ومستقبلهم ويرون بالمقابل أن مثل هذه المفاوضات تتطلب بالضرورة تنسيقا مع لبنان من موقع توحيد المواقف وصون حق اللاجئين في العودة وقطع الطريق على محاولات الجانب الإسرائيلي التلاعب على حبال التناقض الى ذلك يبدو التنسيق ضروريا لكون لبنان مضيفا من حقه الإطلالة على طبيعة هذه  المفاوضات ومن حقه أن يكون له رأية في مصير اللاجئين المقيمين على أرضه, دون أن يتمتع بالمقابل بحق تمثيلهم أو التفاوض نيابة عنهم أو النطق باسمهم.
وإن مثل هذه السياسة تفترض من الجانب الفلسطيني تمسكا ثابتا بحق العودة الى الديار والممتلكات كما كفله القرار 194 ورفض أية حلول مغايرة. كما تفترض من الجانب اللبناني ليس فقط رفض التوطين بل رفض كل الحلول المغايرة لحق العودة.وحتى لا تصبح إعادة التهجير أو التأهيل أو التوطين في بلد ثالث هو الحل البديل للتوطين في لبنان.
وهذا يفترض في الختام تنسيقا عربيا شاملا. فقضية اللاجئين الى جانب كونها قضية فلسطينية فهي في الوقت نفسه ذات إبعاد إقليمية لا يمكن تجاهلها.
وعلى قاعدة التمسك بوحدانية تمثيل م.ت.ف. ببرنامج الائتلاف لجميع اللاجئين تفترض المصلحة الوطنية الفلسطينية والقومية العليا صياغة علاقات فلسطينية- عربية أخوية ( خاصة مع الدول المضيفة) بما يصون مصالح اللاجئين ويصون سيادة الدول المضيفة على أراضيها من مخاطر مشاريع التوطين المختلفة.