 |
|
العودة... العودة... بئس الدولة
|
|
 |
|
| |
أكرم ابراهيم
تعريف بالدراسة : انتهيت من كتابة هذه الدراسة في 4 | 4 | 2002 . بعد فوز حماس ومحاولات الانقلاب عليها بشتى السبل من قبل القوى الشباطية، طبعتها على نفقتي بكمية محدودة بغرض توزيعها باليد على الناشطين. الآن تزداد أهميتها بعد تصاعد الصراع بين نهج المقاومة وبين الشباطية، في فلسطين خاصة والمنطقة عموما.
أهمية نشرها تكمن في أنها تذكرنا بأصل الشر الذي عمل الشباطيون على طمسه وتغييبه عن ساحة الوعي. وذلك باستدراجنا إلى حيث تسهل مناوراتهم: من خلال إغراقنا في التفاصيل أو خطأ هذا أو ذاك من الفصائل، أو من خلال إغراقنا بالجدل الثقافي المنقطع عن الواقع كالحديث عن أسلمة المجتمع والديني في مقابل العلماني، أو بالأسى لعودة عهد الانقلابات على يد حماس، وعن تبعية حماس لإيران وسورية، وإلى ما هنالك مما يرمينا به الشباطيون الباحثون عن حل .
تقول هذه الدراسة أن شعار الدولة والعودة وتقرير المصير سينتهي إلى التنازل عن حق اللاجئين بالعودة، بل إلى ما دونه بكثيرـ وهو ما حدث بالفعل ـ وأن ما سينتج عن حل الدولتين هو دولة صهيونية أكثر قوة وعدوانية، ودولة فلسطينية بمثابة كارثة على الفلسطينيين كافة وسكانها خاصة. بالتالي هذا الحل غير جدير بالتضحية من أي نوع؛ فهو يعبر عن فساد سياسي ناتج عن فساد مالي أو منتج له ذلك أن الفساد السياسي والمالي والاستبداد والقمع هي أوجه مختلفة لأمر واحد وكل منها ينتج الآخر.
هذا الفساد السياسي المعبر عنه بحل الدولتين هو أم المشاكل التي يمر بها الفلسطينيون اليوم ، وهو أم الميوعة السياسية التي تهدر الطاقات وتمنع من حشد القوى والحلفاء وتخلق تضارب مصالح بين مكونات الشعب الفلسطيني الثلاث.
يوهمنا مبدعو هذا الحل أن القضية تبدأ في الخامس من حزيران عام 1967. لذلك ينتجون مقولات خلبية من قبيل " إنهاء الاحتلال والاستيطان عن جميع ( وكافة وكل ) الأراضي الفلسطينية المحتلة وحتى خطوط الرابع من حزيران عام 1967 " ، فعندما يتحدثون عن الاستيطان أو الاحتلال لا يرونه إلا في الضفة وغزة ، وكأن إسرائيل كانت موجودة منذ الأزل ، أو كأن الأراضي المحتلة منذ عام 1948 كانت أرضاً بلا شعب . وهذا تزوير بدأ يفعل فعله في عقولنا ، فما بالكم في بقية أنحاء العالم ؟! وفوق ذلك يخلق تعارض مصالح بين فلسطينيي 1967 و 1948 ، لأنه يهدد بإلقاء نصف مليون مستوطن فوق رؤوس أصحاب الأرض المحتلة عام 1948.
مطالبتهم هذه تتكرر باستمرار؛ فهي جزء أصيل من الخطاب السياسي الفلسطيني الذي عملت الأنظمة بنجاح على تطويعه لكي يتناسب مع ميلها إلى التبعية والاستسلام . لذلك ، وبعد كثير حديث عن القرار المستقل ، نجد أنه بدلاً من رسم سياسة فلسطينية صائبة، ومن ثم مطالبة الدول العربية بدعم هذه السياسة، بدلاً من هذا يتم الأخذ بما تقرره لهم هذه الدول ، بل يفوضونها برسم سياسة للفلسطينيين ومن ثم يضغطون على شعبهم من أجل فرض هذه السياسة عليه بدعوى الالتزام بالشرعية العربية؛ فلقد قالوا بعد فرض الحصار على الشعب الفلسطيني إثر فوز حماس أن الحصار قاسٍ ولا يمكن فكه بدون الاستجابة للشرعية الدولية والعربية . وطبعاً هم لا يقصدون القرار 181 و 194 بل الحل المتوافق عليه مع إسرائيل لقضية اللاجئين، أي حل الدولتين بدون حق العودة.
في الخاتمة نجد أمثلة عن أثر هذا الشعار والمقولات الناتجة عنه في وعينا، كأن يقول أحدهم أن هجرة اليهود إلى فلسطين هي من باب الحق في الانتقال والسفر . ولقد رأينا كيف أن إسرائيل طرحت تبادل لاجئين ، بحيث يبقى اللاجئون الفلسطينيون حيث هم الآن ويبقى اليهود الذين جاؤوا من البلدان العربية في إسرائيل !!.
إننا أمام شعار غير عقلاني ، أنتج مقولات ومفاهيم غير عقلانية ، وبالتالي ممارسة غير عقلانية وغير منتجة ، كأن يستقوي أصحاب الشعار بالحصار من أجل كسر إرادة شعبهم لفرض نهجهم عليه؛ فمن طبيعة الأمور وجود جدل بين الشعار والممارسة والخطاب.
نجد في الدراسة فصولاً عن الفساد المالي؛ مظاهره ومغزاه وآثاره المدمرة على كل صعيد. في هذه الفصول أقوم بحركة مكوكية بين مظاهر الفساد وأثره في مناطق " السلطة " وبين النظر الفكري فيه في محاولة للارتقاء بوعي القارئ كي لا يبقى رفضه للفساد نفسياً وأخلاقياً. لذا فإن هذه الدراسة من النوع المتشظي الذي يصيب عدة أهداف في آن واحد؛ فلئن كان الحديث يتناول وقائع من فساد سلطة أوسلو بحكم طبيعة الموضوع ، فهو على درجة عالية من العمومية بحيث تصيب شظاياه السلطات العربية الفاسدة، والتي تشكل لهذا السبب الخاصرة الرخوة للمقاومة ـ حتى الحليف منها للمقاومة، كفى مثلاً هجوم أعداء المقاومة الفاسدين عليها من ناحية حليفتها الفاسدة ـ وتصيب أيضاً القوى السياسية من حلفاء الأنظمة الفاسدة، وعلى نحو واعٍ ومقصود مني تصيب معارضيها الأكثر سوءاً؛ الذين يكيلون لسلطاتهم ولسلطة أوسلو بمكيالين مختلفين .
بالخلاصة يوجد فساد سياسي ومالي هما بالضرورة متلازمان، لا تنفك عراهما، أنتجا استبداداً وقمعاً وفلتاناً أمنياً وقيماً غير وطنية مغرقة في الفردية والعشائرية والمناطقية تفتح الأبواب للصراعات الأهلية. هذا ما ترصده هذه الدراسة ، وهذا ما يجب أن نتذكره دوماً عند الحديث عن الصراع بين حماس وسلطة أوسلو حتى لا يخطفنا كتاب وسياسيو التسوية من ناحية أخطاء حماس، أو ما يشبه لنا على أنه خطأ من أخطائها ؛ ففي كل الأحوال لا يتساوى المقاوم مع اللص القاتل المفرط بالحقوق.
العودة العودة ... بئس الدولة
القسم الأول
إن استعمال صيغ تغيب أو تضعف القرار 194 بشكل مستمر، من الأوربيين والعرب على السواء ، يوحي بوجود اتفاق غير معلن على تصفية حق العودة . ومما يؤسف له أن استعمال هذه الصيغ لم يعد حكراً على الحكومات و سلطة أوسلو ، بل تعداه إلى القوى السياسية خارج السلطات.*
فلسطينياً ، هذه " السلطة " التي يجري تكريس شرعيتها بأكثر من شكل، ومن مختلف الجهات الرسمية والحزبية، " تفصل بين العودة وحق العودة ، وذلك تحت عنوان المرونة والإبداع في تطبيق القرار 194، ووجوب التفاوض على الجوانب العملية لحق العودة، وبشكل يأخذ بالحسبان مخاوف إسرائيل وينهي حالة اللجوء " (1).
لهذا يختار رئيس " السلطة " طاقماً مفاوضاً على مقاس هذا الطرح. أوضح عناصر هذا الطاقم هو سري نسيبة، داعية التنازل عن الحقوق الفلسطينية صراحة ، قبل وبعد استلامه ملف القدس.
لقد أثار هذا حفيظة الفلسطينيين بدعوته إلى التنازل عن حق العودة من أجل الوصول إلى تسوية. وعلى ما يبدو، لادعاء سري نسيبة هذا أبواق فلسطينية وغير فلسطينية. هذا ما يوحي به شيوع الدعوة للتنازل هنا إلى حد الموضة أحياناً ؛ الأمر الذي يدل على وجود " مايسترو " ما. وهذا ما يمكن أن نتوقعه في أوساط أناس راضين عن هذه " السلطة " وساعين إلى تأمين الهدوء والاستقرار لها عبر التعمية والتهوين والتضليل.
إذاً من المؤكد أن لهذا البحث ما يوجبه، لأن مجرد إبدائك استعداداً للتنازل عن حق ما، تكون قد تنازلت عنه فعلاً. و أنا سأنظر إلى الموضوع عبر مناقشة أهمية الدولة من دون إنجاز عودة اللاجئين وإلغاء قانون " العودة الإسرائيلي! ". وذلك بالنظر في نتائج هذا الحل وطبيعة الأطراف المؤهلة له.
ولكن حتى لا يوصف هذا الجهد بالعبث، بدعوى أنني غير واقعي أو عملي، سأورد بعض ما جاء في رسالة بعثها الباحث الفلسطيني سلمان أبو سته إلى السيد ياسر عرفات، يحتج فيها على تصريحات سري نسيبة ، ويفند دعواه بأن العودة غير ممكنة، وغير عملية، فيقول: ورغم أن هذه الحجة غير قانونية وغير أخلاقية فإن دراساتنا بينت بجلاء. . أن العودة ممكنة في جميع مجالاتها، الجغرافية والديموغرافية، والاقتصادية، والعمرانية، عدا بقع صغيرة لا يتجاوز عدد المتأثرين بها 3% من اللاجئين، وأنه لا يمنع العودة أي عائق على الإطلاق عدا (24) قانوناً عنصرياً سنتهم إسرائيل وشجبهم المجتمع الدولي (2).
وبالطبع كان بإمكان الباحث أن يكتفي بذكر خطة شارون لتوطين ما يزيد عن مليون يهودي في ولايته فقط، وأن شعار إزالة الاستيطان من الضفة وغزة يعني أن الأراضي المحتلة عام 1948 تستطيع أن تستقبل نصف مليون فلسطيني على الأقل. وأن إسرائيل ما تزال تبذل الجهود القصوى من أجل توطين يهود العالم في فلسطين. وقد تمنحهم الجنسية حتى دون قدومهم. وهذا أقل ما يمكن أن يطالب به دعاة التنازل للمنتزعين من وطنهم انتزاعاً.
* * *
إن أقصى ما يمكن أن يؤدي إليه هذا السعي حسب أوهام أصحابه، هو قيام دولة فلسطينية في حدود عام 67. وهذا لن يوفر الاستقرار للمنطق، مع غض النظر عن العدل وعن رغباتنا كعرب. لأن قدرة الكيان الصهيوني على العدوان ليست وقفاً على مساحته، ولأن الضمانة الوحيدة لتخلي إسرائيل عن وظيفتها، وبالتالي لثبات وديمومة التسوية، هو قبولها تطبيق القرار194. وهذا أقل تعويض عن المآسي التي لحقت بالمنطقة، خاصة الشعب الفلسطيني، الأكثر اكتواءً بنار هذا الكيان.
إن عدم تخلي إسرائيل عن طبيعتها سيبقي على هذه المنطقة في حالة تهديد دائم. وللبرهان على ذلك يكفي التذكير بدواعي قيامها.
من حيث العاطفة الدينية المحضة، كان من الممكن لليهود أن يجتمعوا في فلسطين من جميع أنحاء الدولة العربية، ووريثتها السلطنة العثمانية، منذ الفتح الإسلامي وحتى سقوط الأخيرة، ودون إعاقة من أحد. و بكل تأكيد لم يكن بإمكان الاستيطان اليهودي أن يبدأ ما بين العامين 1865- 1882 لو لم ينظر العرب الفلسطينيون إلى المستوطنين الأوائل نظرة ود وتعاطف باعتبارهم " أولاد عمومة " وضحايا للاضطهاد. لكنهم أرادوا كياناً | معزلاً لهم معادياً لمحيطه، الأمر الذي استنفر همم الفلسطينيين لمقاومته.
إذاً لقد كان الباعث الأهم لإنشاء الكيان هو نزعة الانعزال لديهم. الأمر الذي كان سبباً لما يعرف بالمشكلة اليهودية في أوربا. بمعنى: إن الكيان كان حلاً لمشكلة أوربية- يهودية ناتجة عن عنصرية اليهود وكراهيتهم للآخرين بالدرجة الأولى، لأن نزعة الانعزال لا تكون إلا عن كراهية وتعالٍ. وهذه النزعة أقدم من عنصرية الغرب بكثير.
ولقد طرحت أماكن كثيرة لإقامة هذا المعزل ، لكن رسا الخيار على فلسطين في النهاية ، لأنه يلبي حاجة استعمارية لبريطانيا - القوة العظمى – أساسا ، ويستجيب لمشاعر اليهود الدينية ويوفر لهم بحكم الموقع ضمانة ومصدر دخل أمثل . لأن إسرائيل من حيث أداؤها لدور الدركي الاستعماري في منطقة بالغة الأهمية للغرب، هي امتداد للدور الذي كرس اليهود أنفسهم له كزبانية للسادة في المجتمعات التي عاشوا فيها (3).
وسواء كان هذا المجتمع ينقاد دينياً أم مدنياً، فإن فكرة النقاء والانعزال ما تزال تلح بقوة على ساسته و مفكريه وعامته. فلقد صرح الوزير الإسرائيلي نسيم دهان من حزب شاس للمتدينين الشرقيين للإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 30/12/2001 قائلاً: إن اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى يمثل كارثة أشد من المحرقة النازية ضد اليهود. صرح بهذا مع تأكيده أن " المحرقة كانت أكبر كارثة لجهة العذابات الإنسانية " (4).
تنعكس هذه النزعة على وضع العرب في الأراضي المغتصبة عام 1948، حيث يكاد يكون وضعهم قريباً من وضع المهاجرين غير الشرعيين في أمريكا مثلاً. فهم لم يتذوقوا من ثمار الديمقراطية إلا التصويت والترشيح للكنيست. أما إن تجاوز الأمر إلى التظاهر احتجاجاً على سلب ممتلكاتهم من أجل تهويد مناطقهم! أو تضامناً مع إخوانهم في الضفة والقطاع، فإن رجال الأمن لن يخشوا المساءلة إذا ما تجاوزوا بعنصريتهم البهيمية والحاقدة، حتى استخدام الأسلحة النارية لتفريق المظاهرات إلى إطلاق النار على المارة العرب، أو إلى إعدام شباب بالإمكان اعتقالهم. ولا يمكن تلخيص حالة تعامل الكيان مع العرب في إسرائيل كحالة تمييز ضد مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة بل يجب رؤية أنه في أوقات الأزمات لا يتعامل مع العرب كمواطنين( 5).
هذه الدولة التي تعلن عن نفسها أنها دولة اليهود في العالم، وتشجع اليهود على الهجرة إليها، ما تزال تمنع مواطنيها العرب من العودة إلى القرى التي هُجروا منها، وما تزال تصادر أراضيهم من أجل المستوطنات، بل حتى اليوم لم تستبعد فيها فكرة ترحيلهم. وهذه الفكرة ما تزال تظهر للعلن على بساط البحث بانتظار الفرصة السانحة. وما تزال إسرائيل تعبر في كل مناسبة عن قلقها من تزايد نسبتهم فيها، ومن تواصل مناطقهم الجغرافي. وهي تعقد لهذه المشكلة المؤتمرات، كما حدث إثر هبة يوم الأرض في 30/3/76 التي جاءت رداً على مصادرة أراضيهم لغرض " تهويدها "! وإثر تضامنهم مع إخوانهم بعد هبة الأقصى في 28/9/2000. وهي تحشد نخبها في هذه المؤتمرات، لأن تكاثر العرب، حسب البروفيسور أليعازر جلعادي من جامعة تل أبيب، سيجعل بمقدور مشاركة الفلسطينيين المستقبلية في حوارات اليهود الداخلية هدم أسس دولتهم (6).
إن روح العزلة توجه تفكير جميع المستوطنين في فلسطين التاريخية بكاملها. وهي تفرض على بعضهم تنازلات، تملي عليهم وقاحتهم تسميتها بالأليمة. فهم يدركون أنهم آخر نموذج للاستعمار القديم في العالم، وأن الممارسات المعهودة للمستوطنين في أمريكا واستراليا وجنوب أفريقيا تصبح أكثر فأكثر تعذراً اليوم. يقول باراك: الفلسطينيون سيبقون هنا ولن يتبخروا. وإذا كان ممكناً، سنوقع اتفاقاً مع عرفات. وإلا سنوقعه مع هؤلاء الأطفال الذين يرشقوننا الآن بالحجارة (7). لذا دعا في حفل تسليم خليفته شارون إلى الفصل العنصري عن الفلسطينيين " من خلال تسوية متفق عليها، أو بصورة أحادية الجانب. لأن عدم الفصل سيعرض للخطر الشديد ليس أمن إسرائيل فحسب، بل طابعها كدولة يهودية " (8). ويقول بيريس، صاحب الدعوة إلى السلام من أجل السوق الشرق أوسطية، مؤكداً نفس الفكرة والهاجس: من يعارض الدولة الفلسطينية سيقود إلى وضع تتحول فيه كل إسرائيل إلى دولة فلسطينية، حيث إن الديموغرافيا تفعل فعلها. إذا لم يكن هناك دولتان ستقام دولة ثنائية القومية. وفي الدولة ثنائية القومية سيكون هناك أغلبية عربية (9). ويقول آخر : ثمة ثلاثة ملايين فلسطيني في المناطق لا تستطيع إسرائيل ضمهم ومنحهم الجنسية ، ولا تستطيع أيضاً التنازل عنهم وتركهم يقيمون دولتهم الخاصة بهم (10).
بسبب هذا الهاجس لم تقدم إسرائيل عل ضم الضفة والقطاع، بخلاف الجولان ضعيف الكثافة السكانية. والحل المأمول به إسرائيلياً هو الجمع بين ترك المسؤولية عن السكان والتمسك بالأرض. يجري هذا بتربية فئة فلسطينية ذات مصلحة تقوم بالقمع نيابة عنها، وتجعل نهبها لهم مستوراً. أي: إنهم يهدفون إلى احتلال بدون تكلفة (11). وفي أحسن الأحوال، وهو الدولة الفلسطينية كاملة السيادة في الضفة والقطاع، ستتخلص إسرائيل مما لم تستطع هضمه. وبتعبير آخر، ستتخلص من أحد مآزقها النابعة من طبيعتها، بما يعني تعزيز عزلتها عن محيطها، وبالتالي تسعير عدائها له مع حرمان النضال ضدها من أهم روافعه.
هذا هو خيار الحمائم. أما الصقور فيتصورون حلاً يقوم على الترحيل، إلى الأردن خاصة. وهذا الحل ينطوي حتماً على مذابح، فهو يجمع بين الترحيل والإبادة، أي الترحيل أثناء الحرب كما يقول بني ألون، وريث القتيل العنصري المتطرف رحبعام زئيفي في وزارة السياحة، ورئاسة حزب موليدات، وشريكه في الدعوة إلى الترحيل.
لمح إلى هذا الحل شارون في برنامجه الانتخابي فقال: إن الفلسطينيين قد يقبلون نظام حكم الملك عبد الله لإقامة دولتهم في الأردن (12) أما بني ألون فيقول: أبداً، أبداً، أبداً لن تقوم دولة فلسطينية بين الأردن والبحر. هناك دولة فلسطينية يسمونها الأردن ويجب على الفلسطينيين أن يذهبوا إلى هناك (13). ويرى أن دولة للفلسطينيين في الأردن أو سيناء أفضل من دويلة صغيرة كما يقترح اليسار أو من كانتونات شارون (14)..
هكذا نجد الجميع يصر على التمسك بروح العزلة، ونقاء الدولة والخوف من الخطر الديموغرافي، وما إلى ذلك. إنما المتطرفون إذ يرفضون التحرر من مخاوفهم، والخروج من مأزقهم، عبر قيام دولة فلسطينية أو ما هو أقل من ذلك، فهم يحلمون بترحيل الفلسطينيين إلى سيناء المصرية، أو إلى الأردن، دون أن يقيموا اعتباراً لهاتين الدولتين اللتين عاهدتاهم. إن الخلاف بكل بساطة هو في النظرة إلى المستقبل وما قد يأتي به؛ هل التسليم ببقاء الفلسطينيين في وطنهم، أم ترحيلهم، وربما إبادتهم؟
إن العنصريين يفصلون الحقوق على مقاسهم، فإذا ما امتلكوا القوة والتفوق والظرف المؤاتي، فلا ضوابط لعدوانيتهم هكذا كانت حالهم في أمريكا واستراليا حيث أبادوا شعوبا عن بكرة أبيها بدم بارد. وهكذا كانت حالهم في جنوب أفريقيا حيث قتلوا ما يزيد عن مليون ونصف. وهكذا في تجارة الرقيق الإفريقي بعد صيده كالحيوان بالاعتماد على التفوق بأدوات الحرب. وربما يكون من المفيد التذكير أن الغرب لم يأسف أو يندم على ماضيه، بل هو قابل للانزلاق مجدداً وربما يكون هذا آخر أمل لبني ألون وأمثاله.
إن المتأمل لابد وأن يلاحظ أن الممارسات الاستعمارية في المستعمرات كانت بيانات عملية لأفكار ووصايا توراتية. وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء قد استلهموا التوراة، فالعنصريون يتشابهون. واليهود الذين جاؤوا من تلك المجتمعات لهم تراث عنصري مزدوج؛ تراثهم الأوربي الاستعماري** وتراثهم الديني. وإذا كانت الممارسات العنصرية للأوربيين ذات جذور قابلة للإنبتات، فالأمر خلاف ذلك مع العنصرية اليهودية، فهي باقية ما بقي يهود في العالم، لأنها ذات طابع ديني، وهذا ما تكشف عنه حتى القراءة السريعة للتوراة. ومما يؤسف له أن هذا المكون الأساس للفكر والروح عند عدونا ما يزال مجهولاً عند الغالبية من الناس، حتى المنشغلين بصناعة مستقبل أوطانهم.
لقد كانت التوراة وستبقى ملهماً أساساً للصهيونية بشقيها الديني والسياسي. وهذا ما تشهد عليه هذه النصوص التي أجزم أنها ستذكر القارئ بكثير من الممارسات النازية والفاشية والصهيونية، وبكل ممارسة استعمارية على العموم.
1- خروج 23:23 فإن ملاكي يسير أمامك ويجيء بك إلى الأموريين و. . و. . فأبيدهم 24 - . . . بل تبيدهم . .27- أرسل هيبتي أمامك وأزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم وأعطيك جميع أعدائك مدبرين 28 - فتطرد الحويين و . . و. . من أمامك 29- لا أطردهم من أمامك في سنة واحدة لئلا تصير الأرض خربة . . 30 – قليلاً قليلاً أطردهم من أمامك إلى أن تثمر وتملك الأرض 31 – . . فإني أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك 32 – لا تقطع معهم ولا مع آلهتهم عهداً 33 – لا يسكنوا في أرضك. . انظر أيضاً خروج 2:33و 11:34 – 15.
2 - عدد 2:21 - فنذر إسرائيل نذراً للرب وقال إن دفعت هؤلاء القوم إلى يدي أحرم (=أفني) مدنهم 3 –فسمع الرب لقول إسرائيل ودفع الكنعانيين فحرموهم ومدنهم.
عدد 55:33 وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومنا خس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها 56 – فيكون أني أفعل بكم ما هممت أن أفعل بهم.
3 - تثنية 10:20 – حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح 11 – فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك 12 – وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها 13 – وإذا دفعها الرب إلهك إلى يديك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف 14 – وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغنمها لنفسك . . . 15 ـ هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة عنك جداً التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا 16 – وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما 17 –بل تحرمها تحريماً. . انظر أيضاً الإصحاحات 6،7،9 من السفر.
4- أخبار الأيام الأول 4: 40- 43 وضربوا بقية المنفلتين من عماليق وسكنوا هناك إلى هذا اليوم انظر أيضاً 2:22 من نفس السفر.
5- قضاة 1:3 فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل كل الذين لم يعرفوا جميع حروب كنعان إنما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب. الذين لم يعرفوها قبل فقط.
هل عرفتم الآن ما يكون جواب محمد الدرة فيما لو سأله الله: في أي ذنب قتلت؟
6- أخبار الأيام الثاني 7:8 أما جميع الشعب الباقي من الحثيين و. . و. . واليبوسيين الذين ليسوا من إسرائيل 8 – من بنيهم الذين بقوا بعدهم في الأرض الذين لم يفنهم بنو إسرائيل فجعل سليمان عليهم سخرة إلى هذا اليوم. انظر أيضاً 17:2 من نفس السفر.
7- أخبار الملوك الثاني18:3 . . فيدفع الرب موآب إلى أيديكم 19 – فتضرب كل مدينة محصنة وكل مدينة مختارة وتقطعون كل شجرة طيبة وتطمّون جميع عيون الماء وتفسدون كل حقلة جيدة بالحجارة . . . 25 – وهدموا المدن وكان كل واحد يلقي حجرة في كل حقلة جيدة حتى ملؤوها وطمّوا جميع عيون الماء وقطعوا كل شجرة طيبة.
8- أخبار الملوك الأول 42:20 فقال له هكذا قال الرب لأنك أفلتّ من يديك رجلاً قد حرمته تكون نفسك بدل نفسه وشعبك بدل شعبه، انظر أيضاً صموئيل الأول 15.
واستطراداً ولاستكمال الفائدة أذكر صموئيل الثاني 30:12- . . وأخرج داود غنيمة المدينة كثيرة جداً 31 – وأخرج الشعب الذي فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأمرّهم من أتون الآجر وهكذا صنع بجميع مدن بني عمون.
وما على الراغب بفكرة جيدة بقليل من الجهد سوى الرجوع إلى سفر يشوع. فهو سفر تطبيقي لمثل هذه الشواهد. وهو يحظى باهتمام خاص في إسرائيل حيث تربى عليه الناشئة في المدارس.
ووفقاً لإسرائيل شاحاك ( المرجع المذكور في الهامش رقم3 ، من ص62 – ص 66) يماثل الحاخامات في إسرائيل بين الشعوب التي كانت تقطن فلسطين قبل الغزوة الأولى بقيادة يشوع بن نون وبين العرب الفلسطينيين***.
الإبادة والطرد والسخرة والتنكيل هي الوصفات المعدة لنا، فمن يستطيع تقديم ضمانة تحرير الصهاينة من المفاهيم الدينية، وضمانة اندماجهم في المنطقة وعزوفهم عن دور الحارس للمصالح الامبرياليه ، بعد أن حافظوا على هذه المفاهيم ، وعلى عزلتهم، وعلى دورهم كزبانية للأقوياء على مر العصور؟!.
الأكثر اكتواءً بنار هذا الكيان هم الأكثر إدراكاً لما سبق، والأكثر تشدداً على صعيد حق العودة. وهم، بحكم موقعهم، رأس حربتنا وخندقنا الأول في المواجهة. ونبدأ بهؤلاء الذين نالوا حق المواطنة، أي حق البقاء في أرضهم، أعني : عرب 1948.
هؤلاء تتصاعد في وسطهم الدعوة إلى تطبيق حق العودة. لأن به فقط تنتهي المشكلة، ولأن حل الدولتين أو التنازل عن حق اللاجئين في الشتات يهدد حقوقهم. لذا يعقدون المؤتمرات لهذا الغرض. فلقد عقد اللاجئون منهم المؤتمر الأول بتاريخ 11/3/95. اعتمد هذا المؤتمر قراراً يرفض بموجبه المؤتمرون أي بديل لحق العودة بما في ذلك التعويض، مؤكدين أيضا أن حق العودة هو الأساس ولا رجعة عنه، وأن التعويض حق إضافي ملازم لحق العودة.
المؤتمر الثاني عقد في 11/3/2000. ثبت هذا المؤتمر مقررات المؤتمر الأول، ورفض كل البدائل من تعويض وتوطين. كما أكد المؤتمر أن لا سلام إلا بتطبيق قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها القرار 194، وحذر اللاجئين في الشتات من مشاريع التوطين والتعويض (15).
وفي استطلاع للرأي قي وسط هذا الجزء من الشعب الفلسطيني نشرته يديعوت أحرونوت بتاريخ 6/10/2001 جاء فيه أن:
66% منهم يقف إلى جانب الدولة الفلسطينية في حال المواجهة.
89% ولاؤهم للدولة الفلسطينية بدون منازع.
70% اعتبروا أن ظلماً اجتماعياً واقتصادياً يمارس بحقهم عن سبق إصرار.
85% يؤيدون عاطفياً المظاهرات في المناطق الفلسطينية.
97% يؤيدون تجسيد حق العودة للاجئين.
95% يرفضون قطعياً العيش خارج إسرائيل.
15% عبروا عن قبولهم العيش داخل مناطق السلطة الفلسطينية مع الاحتفاظ بهويتهم (1) .
ليس الكيان الصهيوني هو المكان الأفضل للحياة ، على الأقل لمن مواطنتهم ملتبسة وإشكالية ، بل لمن هم مهددون بالطرد والتنكيل. كما أن قراهم التي يطالبون بالعودة إليها ليست هي الأفضل للحياة، ولا فرق بين مكان وآخر ما دام المرء يعيش في وطنه، فلا شك أن الحافز هو الرغبة في إدامة الصراع مع الطبيعة العنصرية الإجلائية الاستيطانية للكيان الصهيوني.
اللاجئون من مواليد ما قبل عام 1948 في الضفة والقطاع أكثر اعتدالاً حيال حق العودة من الأجيال اللاحقة: هذا ما خلص إليه استطلاع للرأي أجراه المركز الإسرائيلي الفلسطيني للبحث والمعلومات في تسعة مخيمات للاجئين في الضفة والقطاع ونشر في منتصف آب عام 2001:
85% منهم يعتقدون أنه لن يكون هناك سلام حقيقي بدون حل مشكلة العودة.
96% عبروا عن رفضهم مقايضة حق العودة بأي شكل من أشكال التعويض.
86% منهم شددوا على ضرورة أن يكون ملف العودة وليس اللاجئين هو القضية الرئيسة في أي مفاوضات.
97% يرفضون أي اتفاق لا يتضمن حلاً لملف اللاجئين.
80% يرفضون الاستقرار في البلدات والقرى التي يقيمون فيها حالياً ( في الضفة والقطاع ).
85% عبر عن رغبته في العودة إلى قريته الأصلية حتى لو كان ذلك يعني العيش في ظل الحكم الإسرائيلي (17).
لقد نشأت بعد أوسلو أكثر من مئتي لجنة فلسطينية للدفاع عن حق العودة داخل فلسطين وخارجها (18). وهذا إن دل على شيء فهو يدل على تمسك الفلسطينيين بالعودة، حتى هؤلاء الذين يعيشون في فلسطين بشقيها. وهذا الإيمان يزداد ويتصلب مع الأيام. وقد تتعدد الأسباب:
أولها: ما ذهبت إليه من أن ضمانة خروج إسرائيل من جلدها هو قبولها بعودة اللاجئين.
ثانيها: لإدراكهم أن إضعاف قضيئة اللاجئين هو إضعاف لمكونات الشعب الفسطيني كافة.
أما ثالثها فسأخصص له الفصول اللاحقة وهو أن الدولة المنشودة بلا بريق. لكن قبل الانتقال يجب أن نحذر من الاستكانة للعامل الديموغرافي كما يريد لنا السيد ياسر عرفات" رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية"، فهو يقول بعد قبوله ورقة جورج تنيت مدير المخابرات المركزية الأمريكية طيبة الذكر: بعد مئة وأربع سنوات من ولادة مشروعهم يقولون أن عددهم 5,9 مليون ونحن ما بين 2,5 – 3 مليون. وباعترافهم فإن 62% من المهاجرين الروس، وعددهم مليون، ليسوا يهوداً 28 ألفاً من الفالاشا مسلمون. مازلنا الأغلبية في هذه الأرض المباركة (19).
قال هذا في اجتماع لقادة العمل الوطني في الضفة !! . . وهو كلام لا ندري، أهو استخفاف بعقول الحاضرين والناس عامة، أم هذه هي حدود تفكيره ؟! ذلك أن مشكلته كما هو واضح من هذا الكلام ليست مع المستوطنين، بل مع اليهود منهم.
إن فعل العامل الديمغرافي وقفٌ على تأثير المقاومة الجدي على الهجرة اليهودية إلى فلسطين ومنها. كما أن الإيمان به يتطلب سياسة لا تحرر إسرائيل من هذا العامل، بحيث تصبح أكثر تماسكاً وأمناً وعدوانية؛ فهذه السياسة تلتقي مع اتجاه في الحركة الصهيونية يحتفظ بكامل صهيونيته.
الهوامش
1- الحرية العدد 833 من 21- 27/1/2001.
2- الحرية العدد 872 من 18- 24/11/2001.
3- انظر إسرائيل شاحاك: الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود ص 88 وما بعدها.
4- الحرية عدد 878 من 13/1/2002 – 19/1/2002.
5- عزمي بشارة الدراسات الفلسطينية عدد44 خريف 2000.
6- الهدف العدد 1317.
7 - مونت كار لو أخبار 15/10/2000.
8 - غطاس أبو عطية ملحق الأسبوع الأدبي 118 تاريخ 27/10/2001.
9- الحرية عدد 873 من 25/11 – 1/12/2001 نقلاً عن هتسوفيه 14/11/2001 بقلم يوسف فريد لندر.
10- الحرية العدد 834 من 28/1 – 3/2/2001 نقلاً عن يديعوت أحرونوت عدد 14/1/2000.
11- ذهب محمد السهلي إلى مثل هذا الرأي في الحرية العدد 836 من16-22/12/2001.
12- الحرية 837 من 18 – 24/2/2001.
13- الحرية العدد 872 من 18-24 /11/2001.
14- الحرية العدد 877 في 30/12/2001.
15- مجلة الهدف العدد 1317 في 30/4/2001 انظر أيضاً الهدف العدد 1310 في 30 أيلول 2000.
16- الحرية العدد 824 من 15- 21/10/2000.
17- الحرية 862 من 2- 8/9/2001.
18- الحرية 872 من 18 – 24/11/2001.
19- الحرية العدد 853 من 24-30/6/2001.
الصيغ المتداولة للحل المرحلي:
* يجري تناول الموضوع عادة وفق ثلاث صيغ. الأولى تقول: يجب أن يقوم الحل على أساس القرارين 242 و 338. الثانية: على أساس القرارين 242 و 338 خاصة. والثالثة قريبة من الثانية، وترد على لسان السيد نايف حواتمة: على أساس القرارين 242 و338 واستحضار القرارين 194 و237 ( الحرية العدد 721 ) أو على أساس تطبيق القرارين 242 و338 وإقرار مبدأ حق العودة للاجئين عملاً بالقرار194( الحرية العدد 837، انظر أيضاً العدد 828 ).
عند اعتماد مقولة: خاصة القرارين 242 و 338، نكون قد أضعفنا القرارات الأخرى. أما بخصوص الصيغ التي يستعملها السيد نايف حواتمه، فيبدو أن ما يمليها هو عدم تلازم الحقوق الفلسطينية في التطبيق. وعليه، يمكن القبول الآن بدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 ومن ثم متابعة النضال من أجل حق العودة.
ويبدو أن الرجل يحس ببطلان فكرته. نكتشف هذا من طريقة تفخيمه لـ " يا وحدنا "، فهو يشكو من كون " قنابل باكستان النووية هامدة في وديانها " ( الحرية ، العدد 850 ، من 3-9 /6/2001 ). وكذلك من العزف على وتر القرار المستقل بنفس الطريقة، فهو " ضد سياسة الاحتواء والإلحاق، ومع التمسك بقرار قمة عمان الأخيرة، لأنه نص على الترابط بين المسارين السوري والفلسطيني وليس على التلازم، فالترابط أدق وأصح وأسلم " ( الحرية، العدد 846 ، من 6 – 12 /5/2001). لماذا الترابط أدق وأصح من التلازم؟ ! . . لعل الذي يؤخر التسوية هو هذه الأمتار على ضفة طبريا ؟ ! . . لقد بدا الرئيس السوري في تلك القمة مشترطاً شروطاً فلسطينية على السيد ياسر عرفات عندما قال له: عفا الله عما مضى، لكن شرط عدم التنازل عن متر واحد من القدس، أو الأراضي المحتلة عام 1967 أو حق فلسطيني واحد في العودة. إننا نضع أوراق قوتنا في تصرف الفلسطينيين. إن سكان الجولان يسمعون الآن وهم لا يقبلون أن تنجز حقوقهم على حساب حقوق الفلسطينيين . بمعنى أخر ، وإذا ما فكرنا قطرياً، بدا الرئيس السوري كمن يقدم تضحية سورية وليس مستغلاً للورقة الفلسطينية كما روج دائماً، وكما قد يفهم من كلام السيد نايف حواتمة. كان من الممكن أن يرتاب الفلسطينيون بكلام الرئيس السوري لولا أن كلام السيد نايف حواتمة عن الترابط والتلازم مقترناً بالميل إلى التنازل.
والفلسطيني يرتاب من موقع الرفض لافتعال الخلافات. لأن المتضرر منها هم الشعوب، خاصة الشعب الفلسطيني، ولأن هذا الأسلوب في تمرير الخط السياسي يجب أن يكون مرفوضاً.
إن ما يملي هذا الموقف على ما يبدو هو صعوبة الهدف. فحواتمة يقول في الحرية العدد 837: يرفضون عودة اللاجئين لأن تلك العودة ستؤدي إلى انقلاب كامل داخل إسرائيل، فلا تعود دولة يهودية وصهيونية وتصبح دولة مختلطة ثنائية التشكيل الأثني والقومي. وهذا يعني نهاية الدولة العبرية. في هذا الكلام الصحيح تماماً إشارة إلى صعوبة إحقاق الحق الفلسطيني في العودة وليس إلى وجوب التمسك بهذا الحق لما يعنيه، وإلا ما معنى قيام التسوية على أساس تطبيق القرارين 242 و338 وإقرار أو استحضار القرار194؟! مرة سألت صحيفة " الثوري " اليمنية السيد حواتمة: بعض المثقفين العرب يطرح حلاً يقوم على أساس دولة ثنائية القومية كتجربة جنوب أفريقيا، فأجاب: أرجو أن يكون هؤلاء مثقفين فعلاً . . . لا يمكن المقارنة بين التجربتين ( الحرية ، العدد859 ، من12-18/8/2001 ).
وفي رسالة إلى السيد عرفات بتاريخ 15/12/2001 يقول السيد حواتمة: الوقت ناضج الآن لبلورة برنامج سياسي موحد، عملي وواقعي، تحت راية منظمة التحرير، من يخرج عليه محكوم بالعزلة كما وقع في تاريخ الثورة والمقاومة مع جبهة الرفض وغيرها ( الحرية، العدد 878، من13-19/1/2002 ).
من الواضح أن البرنامج جديد، وأن المساحة المشتركة بين الرجلين هي التنازل عن حق اللاجئين في العودة. ويجب التوقع والحذر من أن آخرين على الساحة العربية هم الآن بانتظار أن تتقدم التسوية قليلاً لينزلوا بثقلهم. كما ويجب الانتباه، على نحو خاص، إلى تلك القوى التي تمارس التجهيل بحقيقة " السلطة الوطنية الفلسطينية ". لذا من الضروري أن يطّلع القارئ على نماذج من تصريحات مراوغة تضعف من حق العودة أو تؤجله أو تلغيه – لا فرق في واقع الحال – وإلى كيفية تمريرهذه التصريحات ليتم الاحتياط منها. ذلك لأنهم يستخدمون صيغاً لا ينتبه لها القارئ العادي والبسيط .
كتب سلمان أبو ستة في " الحياة " بتاريخ 13/2/2002 ما يلي: صرّح ياسر عبد ربه بإصرار السلطة الفلسطينية على التمسك بحق العودة حسب القرار 194 رمزياً، من حيث المبدأ بحيث لا يؤثر ذلك على الطابع اليهودي لإسـرائيل.
كما كتب ياسـر عرفات مقالاً في نيويورك تايمز، 3/2/2002، بعنـوان " رؤية فلسطينية للسلام " يعكس هذه التوجهات. ولم يعد هناك شك في أن تنازلات عبد ربه ونسيبه تعبر عن الموقف الرسمي لسلطة أوسلو.
فحوى كلام السيد سلمان أبو ستة هو شهادته على مقالة ياسر عرفات. أما السيد نايف حواتمة فقد وصف ما جاء في هذه المقالة بأنه " تنازل عن الثوابت رغم أنه لا يملكها، وليس لديه الحق في تقديمها ". وتابع: " أخطأ ولا يملك أن يقدم التنازلات، ومنها مسألة اللاجئين. عندما قال أنه يتفهم المصالح الديمغرافية ليهودية إسرائيل، وعندما قال أنه يتفهم المسألة الحدودية، ولذلك لم يأت على ذكر مسألة 4 حزيران، ولم يأت على ذكر القدس المحتلة كاملة، ولم يأت على ذكر مبدأ حق العودة " ( الحرية 883 نقلاً عن البيان الإماراتية تاريخ16/2/2002).
قد يعطي هذا الكلام انطباعاً بتراجع السيد نايف حواتمة عن الصيغ السابقة ما لم ينتبه المرء إلى أن المطلوب إقراره هو مبدأ حق العودة؛ ففي العدد 886 يدعو قمة بيروت إلى " تطوير الأفكار التي طرحها الأمير عبد الله " وصياغة مشروع عربي " بنصوص واضحة غير ملتبسة، لا تحتمل التأويل وتتضمن حق العودة بالضرورة . . ولكي يكتسب هذا المشروع ثقلاً دولياً " دعا العواصم العربية إلى "بلورة مشروع مع الاتحاد الأوربي وروسيا والصين". هنا نجد السيد نايف حواتمة بدلاً من أن يصيغ مشروعاً فلسطينياً" بنصوص واضحة غير ملتبسة، لا تحتمل التأويل " ومن ثم دعوة العالم إلى نصرة هذا المشروع، بدلاً من هذا نجده يفوض الآخرين بصياغة هذا المشروع لكي يمرر تنازله بغطاء عربي ودولي. بدليل أننا نقرأ له في العدد 889 هذا الكلام الذي أدلى به لوكالة الأنباء الإسبانية ونشرته يوم 3/4/2002، تقريباً في نفس تاريخ تصريحه عن قمة بيروت الذ ي فوض فيه الآخرين باجتراح حل ، نقرأ ما يلي : الجبهة الديمقراطية تطالب بسلام شامل من خلال المفاوضات على أساس قرارات الشرعية الدولية 242،338 ومبدأ الأرض مقابل السلام وحل مشكلة اللاجئين.
إن حل مشكلة اللاجئين لا يكون بالضرورة بتطبيق القرار194 أو بإنجاز حق العودة. فلدى إسرائيل حلولها ، ولدى ياسر عرفات حله، ولقمة بيروت حلها، وللاتحاد الأوربي. إن الحلول تتعدد. هل هذا تعسّف مني؟! في استطلاع آراء اللاجئين في الضفة والقطاع المنوه به في الفصل الأول: 86% شددوا على أن يكون ملف العودة وليس اللاجئين هو القضية الرئيسة في أي مفاوضات؛ ففي السياسة لكل كلمة ولكل صيغة دلالتها. إذاً، فالرجل عندما يدعو إلى الترابط دون التلازم، ويتمسك بالقرار المستقل رافضاً الاحتواء والإلحاق ، فهو يسعى إلى التخفف من أجل الانطلاق السريع، متخفياً خلف اللعب بالألفاظ، وخلف شعار قد يكون صحيحاً وقد يكون خاطئاً، حسب الظرف. فالشعار لا يكتسب قيمته من ذاته مجرداً عن المعطيات المحيطة به. بدليل أنه في العدد 886 المنوه به هو نفسه من يفوض الدول العربية والاتحاد الأوربي وروسيا والصين بصياغة مشروع حل، ضارباً عرض الحائط بالقرار المستقل.
إذاً، بماذا أخطأ عرفات عندما تفهم "المصالح الديمغرافية لدولة إسرائيل" ؟! الأغلب أن السيد نايف حواتمة يقر بما ليس بحاجة لإقرار من أحد. وهو أنه لا أحد يملك الحق في التنازل عن حق العودة، لأنه حق فردي وجماعي. لكن يمكن الاتفاق مع إسرائيل، إذا ما أقرت بحق الفلسطينيين بدولة، على تأجيله، أو على العودة إلى الدولة المنشودة، أو على ترك اللاجئين وشأنهم.
لا مصلحة لنا في اختلاف السيد نايف حواتمة مع سياسة " الاحتواء والإلحاق ".
** - وأشار إلى قوس هو المدخل الأساس إلى الحديقة ( حديقة الشعب في شنغهاي ) وقال كتبوا هنا: " ممنوع دخول الكلاب والصينيين " الأسبوع الأدبي: العدد 699 ص 20 تاريخ 24/7/1999.
- القديس برنار الذي دعا رهبان الهيكل أثناء الحملة الصليبية الثانية إلى القتل " باعتبار أن الخضوع للموت أو إعطاءه لا جرم فيه حسب المسيح " الأسبوع الأدبي 11/11/2000، موسى الزعبي.
- 50 ألف سجين و45 ألف قتيل في مظاهرات 8 مايو 1945 في الجزائر ص 319 من " ذاكرة الجسد " لأحلام مستغانمي.
- وكان الحادث عبارة عن طمر حوالي (8000) جندي عراقي وهم أحياء في حفر عميقة حفرتها البلدوزرات والدبابات الأمريكية. جان بيير شيفنمان ، وزير الدفاع الفرنسي في كتابه " حرب الخليج دفعتني للاستقالة " ، الصفحة 136.
- جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة: إن التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل المتوحشين يتراجعون تدريجياً، وكذلك الذئاب، فكلاهما طرائد للصيد.
توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة: إن القبائل المتخلفة تتناقص عدداً بسب الحروب والفاقة . وسنكون مضطرين لسوقهم إلى الجبال الصخرية مع وحوش الغابات، الحرية العدد 872 من 9-15/12/ 2001.
- ناشر وعضو مجلس الكتاب الحربي البريطاني: الوسيلة الوحيدة أمام المرء ليفهمه الألمان هو قتلهم . وأعتقد أيضاً أنهم لن يفهموا.
وزير بريطاني: الألمان الجيدون الوحيدون هم الألمان الموتى ! فلتمطر القنابل إذن !
قس إنجيلي: لو استطعت لمحوت ألمانيا من الخريطة. إنه عرق شيطاني كان لعنة أوربا خلال قرون. انظر روجيه غارودي في " الأساطير المؤسسة " ، ص 100- 101.
***- 470 قرية فلسطينية دمرت وجرفت عام 1948 وهجر من بقي بعد الذبح من أهلها ، الحرية العدد724 . وحسب إسرائيل شاحاك في كتابه " القرى العربية المدمرة " دمرت إسرائيل 385 قرية من أصل 475 . وحسب الفكر الديمقراطي عدد 4 تم تدمير 350 قرية والاستيلاء على 62 قرية .
- تم قتل أكثر من 60 ألف أسير مصري على يد الإسرائيليين. إبراهيم بدراوي: عضو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي المصري، الحرية العدد 6- 12/6/1999.
- بين 28/9/2000 و 16/11/2000، أي خلال شهر ونصف من بدء الانتفاضة، بلغ عدد الجرحى برصاص الاحتلال (9257) جريحاً، ( 40% ) تم استهدافهم بالرأس، و (20%) ثم استهدفهم في الرأس والعينين. . وأن ( 25 ) طفلاً فقدوا أعينهم برصاص القناصة، و( 17) طفلاً توقفوا دماغياً. انظر الشاهد من سفر القضاة؛ العين مركز الدريئة ثم الرأس. الأرقام من مجلة الدراسات الفلسطينية ، العدد44 خريف 2000، نقلاً عن رياض الزعنون.
- 8364 شجرة دمرها الاحتلال في قرى نابلس حسب مذكرة للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان ، الحرية العدد 837 ، من 18 – 24/2/2001.
نقلاً عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان : منذ بدء الانتفاضة في 28/9/2000 وحتى 18/12/2000، أي خلال شهر ونصف تقريباً، جرفت إسرائيل 4456 دونماً ، منها 3520=79% أراضٍ زراعية، ونحو 920 دونماً = 21% أراضٍ حراجية ورملية. هذه الأرقام لا تشمل مساحات المنازل والمنشآت المدنية والزراعية المقامة خارج تلك الأراضي والتي تعرضت للتجريف والهدم الحرية العدد833 من 21- 27/1/2001.
- يقول أوري لوبراني، مستشار رئيس الوزراء للشؤون العربية في الستينات: لو لم يكن هناك طلاب عرب فربما كان ذلك أفضل. . ولو بقوا حطابين وسقاة ماء فالمحتمل أن يكون حكمهم أسهل. . لكن ثمة أمور لا ترتبط بالرغبة. مجلة الفكر الديمقراطي العدد 4 ص 39 خريف 1988 بقلم د. فاروق دوّاس.
ولكي نفهم جيداً يجب أن نقرأ يشوع 21:9 وقال لهم الرؤساء: يحيون ويكونون محتطبي حطب وسقاة ماء لكل الجماعة. . . 23 – فالآن ملعونون أنتم. فلا ينقطع منكم العبيد ومحتطبو الحطب ومستقو الماء لبيت إلهي ...27 – وجعلهم يشوع في ذلك اليوم محتطبي حطب ومستقي ماء للجماعة ولمذبح الرب.
وفي وثيقة نشرت في العالم 1972 طالب وزير التربية الإسرائيلي أهارون ياولي بأن تقوم سياسة تعليم العرب " على أساس التوافق مع القيم التي يؤمن بها المجتمع الإسرائيلي "، مجلة الفكر الديمقراطي العدد 4.
إن الآيات المنوه بها من سفر يشوع هي بعض القيم التي يقترحها وزير التربية أساساً لتعليم العرب الذين ينجون من الذبح أو الطرد.
|