إنتفاضة الأقصى والعنف السياسي

ماذا يفكر أطفالنا عمّا يدور من حولهم..؟
وأين نحن من ذلك؟

*حسام كناعنه

في الأيام العصيبة التي مررنا بها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى والرد الوحشي الصهيوني لقمعها، خاصة فترة إجتياح جيش الاحتلال لكافة مدن وقرى ومخيمات الضفة، وأحداث مخيم جنين ومحاصرة المقاطعة، كانت العائلات الفلسطينية في مناطق ال48 تقضي معظم وقتها "متمسمرة" أمام التلفاز لمتابعة كل ما يحدث في الضفة والقطاع ولمتابعة آخر تطورات الهجوم الوحشي للقوات الصهيونية الغازية على هذه المناطق.

نريد دائماً أن نعرف ما يدور من حولنا وما يحدث لأهلنا في الضفة والقطاع، نقضي معظم الوقت أمام التلفاز ونحن ننتقل من نشرة أخبار إلى أخرى ومن تحليل سياسي إلى آخر ومن قناة إلى أخرى، نشاهد الجزيرة وفي نفس الوقت يدنا على المتحكم لنرى ونسمع ما يقولون في أبو ظبي أو أي تعليق في "المنار".. الخ.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل نعرف ماذا كان يفكر أطفالنا وأبناؤنا حول ما كان يحدث من حولهم؟ وما شعورهم عند رؤيتهم، عبر التلفاز، لذلك الكم الهائل من الصور للمجازر والدمار وللقتلى والشهداء من الكبار والأطفال؟
هل كنّا نشعر بوجودهم بجانبنا ومعنا أمام التلفاز؟ (هذا لا يعني أن جميعهم، أي الصغار، قد يفهمون لماذا هذا الإصغاء والصمت الهائل ساعة نشرة الأخبار!). ليس من الأكيد أننا، نحن الكبار، كنّا نشعر بوجودهم معنا، خاصة في ذلك الزمن الرديء الذي لم يسمح لنا بالتفكير العادي والطبيعي، ولم يسمح لنا بممارسة حياتنا اليومية العادية كما عهدنا من قبل، مع العلم أن أغلبنا استمر بممارسة أعماله وأشغاله كما في السابق، نأكل ونشرب ونذهب إلى العمل، الخ. لكن، لما حدث وقعٌ كبير على أنفسنا لدرجة أننا حتّّى ولو ذهبنا إلى أماكن العمل فإننا كنّا موجودون في مكان آخر، روحنا وقلبنا وتفكيرنا يذهب عبر هذا الخط الوهمي الذي وضعوه بيننا والمسمى بالخط الأخضر.
في ذلك الوقت وبتلك الأجواء، أين كان أطفالنا متواجدون وماذا كانوا يفكرون ويشعرون؟ هل هم أيضاً ضحايا للعنف الإسرائيلي الذي وصل أوجه خلال فترة الاجتياح وأحداث مخيم جنين ومحاصرة المقاطعة في رام الله؟
إذا كنّا نوافق الباحثين بأنه: "ليس من قبيل المبالغة القول بأن كل الأطفال الفلسطينيين في الضفة والقطاع يتعرضون للعنف الإسرائيلي ويتأثرون به، فالتعرض للعنف لا يقتصر على الضحايا وإنما يطال كل من يمتّ إلى الضحايا بصلة وكل من يشاهد هذا العنف أو يسمع عنه أو يرى صوره على شاشات التلفزيون" (نتلاند & كناعنه، مصلح 2001)، عندها يمكننا القول بأن أطفالنا الفلسطينيين في مناطق ال48 هم أيضاً ضحايا هذا العنف، وإن كان بصورة مختلفة، رغم أن العنف الإسرائيلي المباشر الذي حدث في اكتوبر2000 لم يتكرر حتّى الآن. كما أن دراسات أجريت في الضفة الغربية تؤكد على أن الأطفال الذين لا يتعرضون للعنف بشكل مباشر يشعرون بالخوف والقلق اكثر من اولائك الذين يتعرضون له بشكل مباشر وذلك لأنهم لم يطوروا وسائل وآليات "دفاعية" تساعدهم في التعامل مع هذا العنف ومواجهته، بعكس الأطفال الذين يتعرضون له بشكل مباشر.
خلال عملي في إحدى المدارس العربية في الجليل قمت بإجراء فعالية لطلاب صفوف السوابع تحت اسم "كلمات" (مقتبسة بتصرف عن "المرشد البسيط للمعلم في التعامل مع الطالب في الظروف الصعبة"، إصدار المركز الفلسطيني للإرشاد) والتي كانت تهدف المساهمة في مساعدة الطلاب للتعبير عن أنفسهم والسيطرة على أنفسهم. الفعالية عبارة عن اختبار تكملة الجمل الناقصة (تداعيات)، حيث يعطى للطالب بداية الجملة وعليه أن يقوم بتكملتها بشكل حر وبدون أي تقييد (أنظر ورقة العمل في مكان آخر هنا). بعد توزيع النموذج وتعبئته من قبل الطلاب، كانت تتم عملية جمع النماذج ومن ثمّّّ إجراء نقاش حول إجاباتهم وبمشاركة فعّّالة من قبلهم. وقد فوجئت للمعلومات التي يعرفونها حول ما يدور من حولهم، كذلك من المخاوف التي تراودهم ومن التساؤلات الكثيرة التي لا يجدون من يجيبهم عليها، لا في البيت ولا في المدرسة.
من بين 292 طالباً وطالبة (جيل 12 سنة)، 252 طالباً وطالبة، أي ما يعادل 86,3%، تطرقوا في جملهم (إجاباتهم، وعلى الأقل في جملتين من الثمانية) للوضع السياسي الدائر من حولهم، سنُعرف هؤلاء الطلاب ب"الطلاب المسيّسين"، 24,6 % من هؤلاء تطرقوا للوضع السياسي في أغلب الجمل المعطاة لهم (على الأقل 5 من 8 جمل).
هؤلاء الأطفال يشعرون بالغضب لما يجري من حولهم، يغضبون عندما: "أرى شارون على التلفاز"، أو "من الرؤساء العرب الذين لا يجيدون إلا الخُطب"، وكثيراً ما أشعر بالغضب عندما : "أشاهد المجازر في فلسطين"، "أرى موت الأطفال بدون ذنب"، وقد عبّر عن هذا الغضب 35,7% من "الطلاب المسيّسين" (90 طالباً وطالبة).
كذلك فإن الكثيرون من هؤلاء "الطلاب المسيّسين"،33,3% (84 طالباً وطالبة)، قد أعربوا عن بكاءهم تأثرًا بالأحداث التي تجري من حولهم، فكثيراً ما أبكي: "عندما أشاهد شعبنا الفلسطيني يتعذب"، أو "أرى حال الفلسطينيين على الشاشة خاصة مخيم جنين"، أو "أرى أطفال فلسطين يموتون"، و"أرى مجازر إسرائيل في فلسطين".
لسماع ورؤية الأخبار وقعٌ كبيرٌ على نفسية الأطفال، خاصة مع الصمت والتنبّه الشديد الباديين على الكبار أثناء مشاهدة نشرة الأخبار، وحين يكون من الممنوع على الصغار أن يعبروا عن رأيهم ويكون من شبه المستحيل التحدث مع الكبار. ففي الإجابة على الجملة الرابعة: "عند مشاهدة الأخبار.." قد عبّر 72,6% من "الطلاب المسيسين" (183 طالب وطالبة) بالطريقة التالية: قال 108 طلاب بأنهم يشعرون بالحزن و27 طالب بالغضب و17 طالب عبروا عن ألمهم من مشاهدة الأخبار و18 طالب عبروا عن خوفهم و13 عن البكاء.
بماذا يفكر أطفالنا عند رؤيتهم المشاهد المؤلمة والتي تحدث في الضفة والقطاع؟ وماذا يخطر على بالهم؟
في جملة "هذه الأيام تذكرني .."، حوالي 52% من "الطلاب المسيّسين" (130 طالباً وطالبة) ذكروا المجازر والحروب والموت، مثل: "بأيام هتلر"، أو "في المجازر التي حدثت في 48"، أو "في المجازر التي قام بها شارون خصوصاً صبرا وشاتيلا ودير ياسين"، أو "بالنكبة ويوم الأرض وسقوط العديد من الشهداء"، أو "كيف كانوا يفعلون في حكم النازيين" و"في أحداث أكتوبر وسقوط الشهداء من قريتنا". هذه الجمل جاءت إمّا نتيجة لأمور قد تعلموها في المدرسة (هتلر والنازيون) أو أحداث قد سمعوها من البالغين، كمجازر صبرا وشاتيلا والنكبة ويوم الأرض، أو لأحداث عايشوها (أكتوبر وسقوط الشهداء من قرانا ومدننا العربية).

إضافة إلى مشاعر الغضب والحزن والخوف التي بيّناها آنفًا... بعضهم ينتابه أيضًا شعور بالذنب. وقد بدا ذلك عند إكمالهم جملة "عندما أذهب إلى المدرسة أشعر...": "وكأن علي ذنب في عدم التضامن مع شعبنا الآخر الفلسطيني"، و "أنني أحيانًا سعيدة ولكن عندما أرى وضعنا ونحن نتعلم وأبناء شعبي الفلسطيني محاصر ويبقى جاهلاً أتأثر وتملأ عيني الحزن والدمع"، أو "بالظلم لأننا نتعلم وغيرنا في الضفة لا يتعلم"، و "أتذكر الأطفال الآخرين الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة"، أو "أتذكر الأطفال الذين يقتلون من غير ذنب".
هؤلاء الأطفال واقعون في مشكلة: تقلقهم المشاعر التي بيّناها ولكنهم لا يجدون أحدًا في البيت أو المدرسة يتعاطف معهم ويجيبهم على التساؤلات والمخاوف التي تراودهم. يرون اهتمام الكبار لما يدور من حولهم (الكبار) ولكن يريدون من هؤلاء الكبار أن ينتبهوا إليهم ويشرحوا لهم ما يحدث، كما ويريدون أن يتابعوا مشاهدة برامجهم المفضلة والتي تعودوا عليها ولا يريدون أن يحرموا منها وأن يشاهدوا فقط الأخبار أو، كما قال أحد الطلاب: "لا أريد أن أبقى متمسمراً أمام الأخبار!".
كثير من التساؤلات الّتي عبّر عنها هؤلاء الطلاب خلال النقاش الذي كان يدور معهم بعد جمع النماذج أثارت مسألة الهوية (هل نحن إسرائيليون أم فلسطينيّون؟)، وما هي الإمكانية أن تقوم إسرائيل وجيشها بالدخول إلى بلدتنا؟ ("إذا كنّا إسرائيليّون ونعيش في إسرائيل فكيف ستدخل إليّنا، ما هي موجودة عندنا!")، وإذا كنّا فلسطينيّون فسيدخلون إليّنا "مثل في الضفة"، وذلك من خلال المستوطنات التي تحيط بلدتنا! وكيف يمكن أن نساعد الفلسطينيّّون، "أهل الضفة"؟ وغيرها الكثير من التساؤلات.
كذلك فإن المخاوف التي راودتهم كانت عديدة ولا يمكن الاستهتار بها، ولا يجب أن ننسى أنّ هؤلاء الأطفال قد عايشوا أحداث أكتوبر بكل معاناتها، وهي ليست ببعيدة عنّّّا، وما الذي يمنع إسرائيل أن تكرر ما جرى في أكتوبر أو أن تتعامل معنا بنفس الأسلوب الذي تعامل به اخوتنا في الضفة وغزة وتقوم بالقتل والتدمير وقصف البلدة بالدبابات؟ أم عربية من حيفا ذكرت لي بأن ابنتها، في الصف السادس، قالت لها: "عندما أسمع صوت الطائرات فوق مدرستنا أخاف كثيرًا..." واتضح أن السبب "حالاً أفكر أنهم سوف يقصفون المدرسة علينا".

إذاً، كيف يمكننا مساعدة أطفالنا في حالات كهذه أو في أوقات عصيبة أخرى؟

مما لا شكّ فيه أن علينا أن نعطي لهم من وقتنا وأن نحاول تفهمهم والاهتمام بهم وتلبية احتياجاتهم، والتقرب منهم، أيضاً من خلال مشاركتهم في أعمالهم وهواياتهم، وأن نصغي لهم باهتمام وتركيز ونخاطبهم، لكن مع عدم إرغامهم على الحديث، وإذا لم يكن عندنا أجوبة على أسئلتهم فبإمكاننا أن نقول لهم بصراحة أننا لا نعرف ثم نحاول الوصول معهم إلى جواب! وإذا تواجدوا معنا أمام التلفاز أو خلال نقاش حول الأوضاع الصعبة الجارية في البلاد، فيجب أن نشرح لهم ما يجري بالضبط، ويجب ألا نعطيهم أجوبة كاذبة أو مبهمة وألا نستهتر بهم فنتجاهل تساؤلاتهم. الإجابات يجب أن تكون واضحة وحكيمة، مع عدم المبالغة أو التخويف كالأم التي قالت لابنتها: "ما هو راح يِجي الدور علينا"!

جمل من هذا القبيل يجب ألا نقولها إطلاقاً لأطفالنا وألا نرددها بأي شكل من الأشكال أمامهم لأنها تؤدي إلى تضخيم دواعي الخوف لديهم، فخيال الأطفال لا حدود له والخوف وعدم فهم الأمور بالشكل الصحيح يجعلهم يبنون صورة سوداء ومتشائمة للواقع وللمستقبل، وهذا ينعكس سلبياً على نموهم النفسي والعاطفي وعلى سلوكهم.
كما ويجب عدم حرمان الأطفال من مشاهدة برامجهم المفضلة والتي تعودوا على رؤيتها وأن نسمح لهم، في ساعات محددة، بأن يقوموا بتغيير قناة الإرسال عن الأخبار، خاصة عندما يرون مشاهد مؤلمة ومرعبة ودموية، بل يجب التخفيف قدر الإمكان من مشاهدتهم التلفاز خلال بث أحداث دموية حزينة ومؤلمة.
هنا يجب أن نذكر أن مشاهدة أطفالنا للعنف، وللأسف، لا يقتصر على ما يشاهدونه خلال نشرة الأخبار أو ما يرون من "العنف السياسي"، بل أيضًا من خلال مشاهدتهم لبرامج وأفلام عنيفة ودمويةمجلة الجيل الجديد - حيفا، العدد 7، ‏تشرين الأول‏‏ 2002.

info@jeel-jadeed.com
. إن لمشاهدة هذه البرامج والأفلام ومن دون أية مراقبة من قِبل الأهل تأثير سلبي على سلوك وتصرفات الأطفال والمراهقين وعلى نفسيتهم، كما ويؤثر على رد فعلهم تجاه "العنف السياسي" المتفشي في بلادنا، وذلك إمّا باللامبالاة و عدم الاكتراث (رد الفعل العاطفي فاتر!) أو العكس من ذلك تمامًا.
العمل على زيادة الشعور بالأمان والحنان والحب والاهتمام حيث أن العائلة والبيت عادة يكونان ملاذاً للطفل، ويجب العمل على أن تكونً المدرسة أيضاً ملاذاً آمناً له. للمدرسة دور هام أيضاً في توفير متنفّس للتوتر والضغط الموجود عند الطفل وذلك من خلال إشراك طلابها في أنشطة بدنية وألعاب وأغان، كما ويجب العمل على تطوير وإثراء الأنشطة اللامنهجية في المدرسة، المسرح والدبكة وغيره، والتي تعطي مجالاً للطفل لكي يعبر عن نفسه وتنمي شخصيته واستقلاله بالإضافة إلى توفير متنفس للتوتر والضغط الموجود عنده.

في النهاية، على الأهل، وهذا مهم جدًا، أن يحاولوا قدر الإمكان ضبط النفس والسيطرة على الانفعالات والتوتر في مثل هذه الأوضاع، ويجب أن نتذكر دائماً أن: "والدا الطفل هما أهم وأقوى عامل في تغلّب طفلهما على المضاعفات العاطفية والنفسية للعنف المتفشي في محيطه" (نتلاند & كناعنه، مصلح 2001).

مراجع
د. ماريت نتلاند & د. مصلح كناعنه. كيف تحافظ على الصحة النفسية لأطفالك في زمن العنف: نصائح للوالدين. الجمعية النرويجية الفلسطينية "نورباس"، أكتوبر 2001 (مجلة الجيل الجديد، العدد الأول - آذار 2002).
المرشد البسيط للتعامل مع الطفل في الظروف الصعبة. مركز مصادر الطفولة المبكر، المركز الفلسطيني مجلة الجيل الجديد - حيفا، العدد 6، أيلول 2002.
للإرشاد، 2001 - القدس.
http://www.pcc-jer.org/simpleguide_files/contain2.htm
المرشد البسيط للمعلم في التعامل مع الطالب في الظروف الصعبة. المركز الفلسطيني للإرشاد، تموز 2001 - القدس.
http://www.pcc-jer.org/simpleguide_files/contain1.htm
د. هالة اسبانيولي & نبيلة اسبانيولي. أطفالنا في مواجهة الأزمات: دليل للمربي/ة. مركز الطفولة - مؤسسة حضانات الناصرة، 2000 - الناصرة.
د. هالة اسبانيولي & نبيلة اسبانيولي. أطفالنا في مواجهة الأزمات: دليل للأهل. مركز الطفولة - مؤسسة حضانات الناصرة، أكتوبر 2000 - الناصرة.
الحملة الفلسطينية للدفاع عن حقوق الطفل الفلسطيني: مشروع التدخل في وقت الأزمات. الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فرع فلسطين.
http://www.dci-pal.org

ملحق:

اسم الفعالية: الكلمات*
ملاحظة: لا توجد إجابات صحيحة وإجابات خاطئة، اكتب ما تشعر به،
يمكنك الإجابة بكلمة أو بجملة!

أكمل الجمل التالية:

1. كثيراً ما أشعر بالغضب عندما

2. كثيراً ما أبكي عندما

3. نحن الأطفال

4. عندما أشاهد الأخبار

5.عندما أذهب إلى المدرسة أشعر
6. اضحك
7. عندما تمر سيارة الإغاثة فإني .
8. هذه الأيام تذكرني

مجلة الجيل الجديد - حيفا، العدد 7، ‏تشرين الأول‏‏ 2002.
info@jeel-jadeed.com