حركة أردنية غير مرخصة تطرح حلاً للوجود الفلسطيني في الأردن

المصدر عمان ـ شاكر الجوهري  20-9-2008
نشرت حركة اليسار الاجتماعي الأردني أمس الأول (الخميس)، في خضم التجاذبات القائمة بين «نخب الطوابق العليا» في الحكم الأردني ما أسمته وثيقة حول «الحل اليساري لقضية الوجود الفلسطيني في الأردن»، يتماهى إلى حد يقارب التطابق مع رؤية وقرارات وتعليمات الدولة الأردنية، يؤشر إلى وجود ثلاثة تصنيفات للفلسطينيين في الأردن.
وتقر الوثيقة الصادرة عن حركة غير مرخصة بأن الفلسطينيين المقيمين في الأردن قبل نكبة 1948، هم من مكونات النسيج الوطني الأردني، فيما تبحث عن طرق قانونية لإعادة الأردنيين من أصل فلسطيني الذين يقيمون في الأردن عقب حرب يونيو إلى الأراضي الفلسطينية، مع إقرارها باندماج الكثيرين منهم في المجتمع الأردني، رافضة الاعتراف بالحقوق التي تترتب لهم على وحدة ضفتي نهر الأردن.
تقول الحركة وثيقة الصلة بالأجهزة الرسمية في الأردن، في مطلع وثيقتها إن الفلسطينيين في الأردن يشكلون «حالة خاصة فريدة من بين حالات اللجوء الفلسطيني من حيث الحجم (حوالي ثلاثة ملايين)، ودرجة الاندماج الاجتماعي (العالية بالنسبة للكثيرين منهم)، والحقوق المدنية (بالنظر إلى حصول ثلثيهم على الجنسية الأردنية)، وأخيراً من حيث التجاهل السياسي لوضعهم كلاجئين ونازحين يتمتعون بحق العودة». وتخلص من ذلك إلى أن «اللوحة الفلسطينية في الأردن معقدة للغاية».
وتلاحظ الوثيقة أنه «لا يمكن تناسي أن قسماً من الفلسطينيين قد أصبحوا أردنيين نهائياً، بالمعنى القانوني والاجتماعي ـ السياسي معاً، بينما هناك قسم منهم يتمتع بالجنسية ولكنه غير مندمج، أما القسم الثالث، فهم نازحو غزة ومتسربو الانتفاضتين».
ثم تنتقل الوثيقة مباشرة إلى استخدام فزاعة «الوطن البديل»، ومحاولة التخويف من نشاطات مزعومة منسوبة لفلسطينيين نافذين في الدولة الأردنية مثل الدكتور باسم عوض الله رئيس الديوان الملكي الأردني، دون الإشارة لأي اسم، قائلة «هناك نزعة متصاعدة لدى تيار من الكمبرادور السياسي المرتبط بالبزنس والفساد والمشاريع الأميركية والإسرائيلية، يسعى إلى تنظيم فلسطينيي الأردن للتضامن ككتلة واحدة تتحول إلى طائفة ديموغرافية ـ سياسية، تفرض حكم الأغلبية على البلد».. دون أن تقدم مفهومها للكمبرادور السياسي، وإن كانت تؤشر بشكل موارب إلى عوض الله، ودون أن تشير إلى أية جهود أو خطوات أو إجراءات أو حتى أسماء ذات صلة بعملية «تنظيم فلسطينيي الأردن للتضامن ككتلة واحدة تتحول إلى طائفة ديموغرافية ـ سياسية تفرض حكم الأغلبية على البلد».
وتضيف الوثيقة أن هذه النزعة تتغذى «من صورة استشراقية حول الأردن تنكر أصالة كيانه الوطني والهوية السياسية لشعبه». وتقول «في رأينا أن هذه النزعة تتطابق تماما مع النظرة الصهيونية لفلسطين العربية»..!
تنتقل الوثيقة بعد أن تلقي بفزاعتها إلى مقاربة تاريخية تؤكد من خلالها وجود كيان أردني قائلة..
«تشكل حملة إبراهيم باشا على إقليم شرق الأردن (1835) نقطة فاصلة في تفاعلات التكوين الأردني الحديث. وقد قاتلته العشائر نصف الفلاحية ـ نصف البدوية في إقليم شرق الأردن، بشراسة تعكس ميلها الاستقلالي المحلي، رافضة الخضوع للحكم المركزي المصري. إلا أن فترة الإدارة المصرية القصيرة، نبهت الباب العالي إلى الأهمية الجغراسياسية للإقليم الذي يشكل فاصلا استراتيجيا بين مراكز المنطقة. وجاء إلحاح العثمانيين على تنظيم الإدارة في الإقليم الأردني (اعتبارا من 1851 م) في أوانه التاريخي بالضبط، فساعد العشائر الفلاحية على بسط سيادتها ونمط إنتاجها الخاص في معظم أرجاء البلاد التي بدأت تحقق فائضا زراعيا وتصدر إلى السوق العالمي، وتشهد ولادة فئات من الفلاحين الأغنياء والانتلجنسيا المحلية وترسيخ استقرار العشائر البدوية».
وتقرر الوثيقة بعد ذلك مباشرة «لقد انتصرت الفلاحة على البداوة، والوحدة على التفتت، وتوحد البلد على مركز اقتصادي داخلي (السلط) وسياسي (حلف البلقا) وعلى مخيال أدبي (نمر العدوان) ونمط قيمي. وكان كل ذلك وراء إعادة الاعتبار للدولة المحلية في شرق الأردن كما تصورها الباب العالي في فرمان تأسيس ولاية «معمورة الحميدية» وعاصمتها عمان سنة 1908».
وتستدرك الوثيقة شارحة أن هذا الفرمان «هو فرمان لم يتح له التنفيذ إدارياً، لكنه كان قد قام سياسياً». وتضيف «لذلك، لم تتأخر الحركة الوطنية الأردنية في الانبثاق العاجل سنة 1920 بعد انهيار مشروع الدولة الفيصلية (في سوريا التي كان الأردن الحالي جزءا من جنوبها وجزئه الآخر فلسطين). ومن ثم برز الكيان الوطني الأردني في الإمارة فالمملكة».
«وتتضمن الوثيقة تفسيرا لوجود شركس وشيشان وفلسطينيين وسوريين ضمن مكونات الكيان الأردني الأول قائلة «في عملية النهوض الاجتماعي الأردني التاريخية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ومع نشوء السوق المحلية والفئات الاجتماعية الحضرية الجديدة نشأت الحاجة إلى استقدام فئات من التجار والمهنيين من فلسطين والشام (دون أن تحدد كيفية استقدامهم، ومن الذي استقدمهم)، كما كان العثمانيون قد استقدموا الشركس والشيشان لأسباب سياسية (لم تحددها)، لكنهم لعبوا دوراً بارزاً في تطوير الزراعة في البلد، بينما لعب الأرمن دوراً مهنياً». وتخلص الوثيقة من ذلك إلى أنه «وهكذا، ومن كل هؤلاء نشأ الشعب الأردني الحديث. ثم أسهم اللجوء الفلسطيني ووحدة الضفتين في دفع تلك العملية التاريخية إلى الأمام».
وتعتبر الوثيقة أنه «كان أعلى تعبير عنها (عن وحدة الضفتين) قيام حكومة سليمان النابلسي التي عكست تحالف الفئات الحديثة ـ بالنسبة إلى ذلك الوقت ـ من الضفتين (متجاهلة أن النابلسي هو من الفلسطينيين الذين شكلوا نواة الكيان الأردني كونه قطن وآبائه الضفة الشرقية قبل نكبة 1948)». وتضيف «لولا انهيار العملية الديمقراطية، ومن ثم احتلال الضفة الفلسطينية، ونشوء حركة فتح من خارج التركيبة الأردنية ـ الفلسطينية (كونها تأسست في غزة) لولا هذه التطورات السلبية، فلربما سارت عملية تكوين الشعب الأردني الحديث بصورة أكثر سلاسة وديناميكية وتقدمية، كما كان الحال قبل الاحتلال الإسرائيلي»..غافلة الوثيقة بذلك عن أنها هنا توظف مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي للانتقاص من حقوقه القانونية في الأردن.
لكن الوثيقة سرعان ما تعود للقول «مع ذلك، فإن قسماً كبيراً من فلسطينيي الأردن أصبحوا، واقعياً، قبل أن يكون ذلك قانونياً، جزءاً من الشعب الأردني. ونحن نعيش الآن في خضم تجربة تاريخية لولادة شعب موحد بالمعنى المحلي للكلمة، وولادة وطنية أردنية جديدة تعكس وتمزج كل مكونات المجتمع الأردني. وتواجه هذه العملية التاريخية التقدمية، خطراً أساسياً ناجماً عن الفشل في مجابهة المشروع الصهيوني وانهيار المشروع الوطني الفلسطيني، وعودة الحلول الصهيونية من فدرالية وكونفدرالية..إلخ. أو المناداة بتفتيت الشعب الأردني إلى طوائف ديموغرافية ـ سياسية، إلى التداول. وهو الخطر الذي يطرح ضرورة اكتشاف الذات الوطنية، وصهر المكونات الوطنية في شعب واحد، في عملية تاريخية هي امتداد لجذورها المنطلقة في القرن التاسع عشر. ولا توجد مشاكل سياسية تعترض هذه الأطروحة بالنسبة لمكونات الشعب الأردني من الأصول المختلفة، بما فيها فلسطينيو الأردن لما قبل العام 1948».
لكن الوثيقة ترى أن «المشكلة تتعلق باللاجئين والنازحين القادمين إلى البلاد بعد قيام الكيان الصهيوني على حساب المجتمع الفلسطيني وكيانه الوطني (متجاهلة الحقوق الدستورية والقانونية التي ترتبها وحدة الضفتين).
ثم تنتقل الوثيقة إلى تأكيد ضرورة «معالجة المشكلة الناجمة عن الوجود الفلسطيني في الأردن، على مستويين
«: أولاً، المستوى الحقوقي ـ السياسي: حيث تلاحظ الوثيقة تحت هذا العنوان «أن فلسطينيي الأردن لما بعد الـ 48 في وضع خاص، حيث إنهم جميعهم، لاجئون ونازحون يتمتعون حسب القانون الدولي بحق العودة إلى فلسطين. وهذا الحق هو حق نهائي وأبدي ولا يمكن التنازل عنه في ظل أية تسوية. لكن ممارسته هي اختيارية بالنسبة للفلسطينيين الحاصلين على الجنسية الأردنية وفقا لقرار فك الارتباط لسنة 1988، فهؤلاء مواطنون أردنيون، ولا يمكن نزع هذه الصفة عنهم قانونياً، لا الآن ولا في المستقبل». وتسترسل الوثيقة دون أن تتوقف أمام جدل قانوني مثار داخل الأردن فيما يتعلق بمدى دستورية قرار فك الارتباط، الذي يعتبره كثيرون، وخاصة الحركة الإسلامية في الأردن، مخالفاً للدستور، فضلاً عن أنه لم يصدر عن الحكومة صاحبة الولاية العامة في الأردن، بموجب الدستور، ولم يجزه مجلس النواب، قائلة «لكن ذلك لا ينطبق على الفلسطينيين المقيمين في الأردن (حوالي مليون نسمة) ولا يتيح لهم قرار فك الارتباط الحصول على الجنسية الأردنية. هؤلاء فلسطينيون. ولا بد من حل المشكلة القانونية بالنسبة إليهم».
وتعرض الوثيقة وجهة نظر حيال كيفية حل مشكلة هؤلاء من خلال:
(1) منحهم الجنسية الفلسطينية.
(2) منحهم حق الإقامة وكافة الحقوق ما عدا السياسية في الأردن.
(3) التأكيد على النضال بكل الوسائل لتأمين عودتهم الفعلية إلى أرض وطنهم.
ثانياً، المستوى الاجتماعي ـ التاريخي: حيث تقر الوثيقة هنا استمرار «العملية التاريخية لتكوين الشعب الأردني».. قائلة «إن فئات وعناصر من الأردنيين من أصل فلسطيني قد اندرجت فعلاً في العملية التاريخية لتكوين الشعب الأردني. وهذه العملية مستمرة ومفتوحة ولا تقصي أحداً».
وتخلص الوثيقة هنا إلى أن «واقع الأردن الاجتماعي ـ السياسي يقول إن هناك مكونا فلسطينياً في تلك العملية، لكن المشكلة أن اندراج هذا المكوّن الفعلي في الشعب الأردني، لم يأخذ بعد أبعاده الثقافية والسياسية« (دون أن تشير بشئ إلى مضمون هذه الأبعاد)، مواصلة «أي أن اندماج الفئات الفلسطينية المتأردنة، اجتماعياً وتاريخياً، لم تتم ترجمته في الوعي السياسي لتلك الفئات. وهى مهمة تقع على عاتق الحركة الشعبية الأردنية».
هنا تلقي حركة اليسار الاجتماعي، بقيادتها المنبثقة عن شيوعيين سابقين في كليتهم، ودون أن تمارس أي نقد لموقف الحزب الشيوعي الموحد في فلسطين والأردن قبل 1948، الذي اعترف بجميع مكوناته الفلسطينية والأردنية واليهودية بدولة إسرائيل قبل قيامها.. حيث كان يجاهر بحق اليهود في إقامة دولة لهم في فلسطين.. تلقي بمفاجأة من عيار اعتبارها ذاتها، وهى الحركة غير المرخصة، وإن كانت الأجهزة تغض النظر عن نشاطاتها، وتقدم لها رعاية واضحة، أنها تقود الحركة الشعبية الموحدة في الأردن بقولها «إن من واجب الحركة الشعبية الموحدة التي تقودها حركة اليسار الاجتماعي، القيام بالآتي، تبعاً لكل وضع»، وهى تحدد هذه الواجبات في:
(1) الدفاع عن الحقوق المدنية والإنسانية (مسقطة الحقوق السياسية المنصوص عليها في الدستور والقوانين) للفلسطينيين المقيمين في الأردن، وحفزهم للنضال من أجل العودة إلى وطنهم أولا على المستوى السياسي ـ العودة السياسية ـ أي الحصول على الجنسية الفلسطينية، وثانيا على المستوى الفعلي، أي العودة الواقعية.
(2) الدفاع عن حق الاختيار السياسي بالنسبة للفلسطينيين الحاصلين على الجنسية الأردنية وما زالوا مرتبطين، اجتماعياً وسياسياً بفلسطين، سواء لجهة الاندماج في الشعب الأردني، أم لجهة ممارسة حق العودة السياسية أو الفعلية (دون أن تحدد كيف يمكن التفريق بين أردنيين من أصل فلسطيني «ما زالو مرتبطين اجتماعيا وسياسيا بفلسطين..الخ.»، أو انفك ارتباطهم هذا).
(3) استقطاب الفلسطينيين المتأردنين، اجتماعيا وسياسيا (دون تحديد مفهوم ومضمون الأردنة الاجتماعية والسياسية)، للاندراج في الحركة الشعبية الأردنية، سياسيا وثقافيا، على أساس وحدة الشعب الأردني، ورفض كل أشكال التمييز أو الانقسام على أساس الأصل أو قيام محاصصة على أساس تشكيل طوائف ديمغرافية سياسية في البلاد.