غاب عام آخر… فزادت غربتنا أعواما...!

رندة زريق سمعان

كما في كل مرة يفاجئك منتصف كانون منبها اياك بأن عاما آخر على وشك الانتهاء .. وان عاما آخر على وشك ان يبدأ! تتفاجأ من تفاجئك كل مرة..فلماذا لا تستعد لذلك؟ ! ألأنك شرقي واجندتك –كما مجتمعك- غير مرتبة..غير منظمة.. ولا اهمية لديك للوقت؟ ! ربما
ام لان الامور لديك لا تحسب برقم جديد يضاف الى الارقام بعد كل 365 يوما وربعا كما قرروا للعالم؟! ربما… على كل ان كان هذا هو السبب او ذاك فانك تتفاجأ اواسط كل كانون خاصة عندما تبكي السماء! فلماذا تبكي هي عادة في هذا الوقت؟! وهل تحاول ان تغسل ذواتنا مع غسلها للطبيعة فلا تنجح؟ !
ام تشعرك بالبرد وبضرورة البحث عن الدفء الحقيقي قبل نهاية العام كإشارة لانقضاء جزء من المشوار وضرورة التخطيط قبل التنفيذ للمراحل القادمة على امل ان تحدث تغييرا فعلا.. وعلى امل ان تعيش الحياة بالتالي بالعرض لا بالطول… ومحظوظ انت ان ادركت الامرين؟ !
لست تدري بالضبط ولا اجابة لديك.. لكنك تحاول ان تصل اليها من خلال رحلة بحث صادقة مع الذات ! وتفكر في نفسك ترى ما اهمية زيادة رقم على عدد السنوات وماذا يعني ذلك؟ وكيف يغير في اجندتك الذاتية والخاصة لينعكس على العامة؟! ترى ماذا تشعر حين تدرك ان الايام تركض امامك مكونة سنين تركض هي الاخرى امامك فلا تنجح باللحاق بها…؟! تحاول وتحاول لكن لا نتيجة تذكر، فتحاول تقليد الايام من ركضها وتبدأ بالركض خلفها ظنا منك انك الاقوى والاسرع! متأكدا من انتصارك عليها..! لكن سرعان ما تعي انك الاضعف وانك لن تنجح لان الركض كما الايام ليس من سماتك فتفهم ان محاولاتك ليست اكثر من تراكض مؤقت سرعان ما يشعرك باللامقدرة امام عظمة الايام ورهبتها..! فشتّان ما بين الركض والتراكض كما شتّان بين العطف والتعاطف… الفهم والتفهُّم… والامثله كثيرة قلّما تنتبه لها اذ لا وقت لديك كشرقي تشغلك هموم الدنيا للتقييم والتلخيص فالتعلّم !
في كل مرة تبكي السماء للمرة الاولى… في كل مرة تملأ رائحة التراب والطبيعة حواسك تدرك ان السنين تمر بين اصابعك كما الرمل الجاف وتتطاير في الهواء لكن لا تنجح في الطيران! قسم يذهب بعيدا وقد يدخل في عيون الآخرين فتساهم في غسل بعضها من الأذى… وقسم يؤلم العين التي دخلها لشدة التنافر بين المرسل والمستقبل فيعيد هذه الذرات اليك نارا مؤذية بقصد !
قسم يلتصق بالصخور او بوردة او نبتة خضراء، اما من يصر على التحليق فانه ينجح لفترة لكنه سرعان ما يقع مرتطما بالأرض…فتساهم هذه الارتطامة بإعادته الى الواقع من جديد..!! لكنك تلحظ في اجوائك الإقليمية ما يلمع فتبتسم حين تدرك انها بضع ذرات عنيدات واثقات من ضرورة خوض التجربة حتى النهاية…فتساهم في انتعاشك من جديد واستعادة مقدرتك وثقتك بنفسك وبما تؤمن به .
في خضم كل ذلك تنتبه الى ان ذكريات غالية تطايرت مع رمل الايام…وان الذاكرة بدأت تعيد الى ذاتها بعضا من تلك الصور فتدرك ان اشتياقا يشدك الى الاماكن العتيقة… والسنوات الماضية… لست عجوزا في السن هذا صحيح… لكن كثافة التغييرات من حولك تشعرك بذلك احيانا فيزداد الحنين! تنظر حولك فترى الصغار قد كبروا…واليافعين قد نضجوا… والكبار قد شاخوا… اما الشيوخ فقد غابوا… وانت في غفلة من امرك، ولم تجد الوقت لتتوقف عند ذلك حينها…تتفاجأ ان اشتياقا يجتاحك للأجداد وحنكتهم التي لم تنهل منها بما يكفي فأنت لم تقدّر قيمتها في الوقت الصحيح… كما انك لم تنتبه لما خسرت من معانٍ ومُثل، لهول الصدمة اولا ولانشغالاتك الاخرى ثانيا… ومضت الأيام وكنت تمنع نفسك من التوقف مع ذاتك للتقييم..ومضت الايام… وتراكمت السنون… وها هي ذاتك تفرض التوقف معك… فتوافق مشدوها
يأتي هذا التوقف مع بعض من صور الماضي ليعلمك غلاوة الحاضر والحاضرين فيه من حولك وضرورة استغلال اللحظة معهم وبينهم لأجلك كما لأجلهم ولأجل الأجيال القادمة من حلقة المقربين منك واليك! لكن هذا الادراك يجعلك تعي خوفك حد الرعب من غياب الغوالي الحاضرين بحكم العمر او المرض او ظلم الايام… فلا تعرف ماذا تفعل… تفكر او كيف تتصرف؟! ويلح عليك التساؤل لا بد وان تجد له اجابة، ترى ما اهمية نهاية الاشياء وبدايتها المتلاحقتين؟! أيجدر ان نحتفل بالبداية الجديدة ام نحزن على النهاية التي سبقتها؟ ام لا بد من تخطي هذا الامر والاهتمام ببدايات ونهايات اكثر عمقا وتأثيرا وتغييرا؟! وبما انك من المهتمين بالهم العام فلن تمر مناسبة كهذه دون ان توقفك مع "حصاد" هذا العام كما اعتاد الإعلاميون تسميته !
غاب عام آخر… وغربتنا زادت اعواما..تخبطنا…تقوقعنا الفكري…سذاجتنا…سخافتنا وسطحيتنا زادت اعواما
غاب عام آخر… فزاد احتراف الفلسطيني للصبر والانتظار… عاما آخر وزاد تخلّف العربي عاما آخر
صحيح ان اعدادنا زادت ملايين خلال العام الماضي لكن تأثيرنا لا يزال اقل من وزن الريشة في الميزان..! غاب عام آخر والعراق لا يزال يلعق الجراح !
ولبنان… لم يستوعب بعد ما قد يعيده الى مرحلة السبعينيات… الانظمة العربية لا تزال على حالها… اصحاب السمو والمعالي في اماكنهم ..!
غاب عام آخر ولا يزال الجندي الاسرائيلي ينكل بالفلسطيني على الحواجز وفي ارض الوطن ..!
عام غاب فغاب معه بعض مما تبقى من الجيل الشاهد الحي على العصر والظلم والتاريخ فزادت مع ذلك غربتنا وابتعادنا عن النكبة واحداثها… فالجيل الجديد فقد بوصلته بفقده حاملها …! والآتي اعظم! فمع العام الجديد سيولد اطفال جدد سيرثون التخبط والقهر واللاانتماء .. اللا ذكريات واللا قضية سوى التراكض وراء لقمة العيش والمشي بجانب الحائط.. والآتي اعظم..! قبل غياب العام لا زالت امل مرقس مضطرة لإقامة حفلها العظيم في قاعة كيبوتس الكابري الذي يجثم على اراضي قرية الكابري المهجرة…فيزيدك ذلك شجنا والما واسى رغم كل ما بثته فيك امل من امل ونشوة وتحليق! ولا محطة تلفزيونية محلية او فضائية عربية تبث حفلها، فربما تراه فيروز..! وربما تصل الرسالة الى المتلقين في البيوت !
غاب عام آخر ولا زال الرجال الشرقيون يؤمنون بأنهم قوّامون على النساء… ولا تزال النساء يؤمن ان حربهن ضد الرجال وليس معهم وجنبا الى جنب! لا زلنا لا نعرف كيف نحب وان احببنا فان حبنا خانق اناني متملك..! لا نعرف كيف نناقش وان ناقشنا فبالصراخ والتحدي واللاتفاهم… وعدم الامكانية على اجراء تغيير حقيقي فنحن اجبن من ان نقدر على دفع الثمن…فنختار التخاذل والخنوع..! يزداد المتعلمون…ويقل المثقفون ..
تزداد الاغنيات…ويقل الطرب… وينعدم الفن
غاب عام آخر لم ينجح معه مازن غطّاس بالعبور للعام الجديد… وسيبقى حاضرا بأعماله المميزة وسمعته الطيبة …!
حل علينا عام جديد ورؤساء السلطات لا يزالون في خيمة الاعتصام ونسبة البطالة والفقر في ازدياد
عام غاب ولا زالت "الاتحاد" تعاني من ازمتها المادية… والصحافة الصفراء تسيطر على وسائل الإعلام فتساهم في غسل ادمغة شبابنا واطفالنا ..! 
عام جديد حل علينا ولا زال المقموعون ولا زال غير القادرين على الكلام والتعبير والصراخ غير قادرين ..!
غاب عام آخر وزادت غربتنا اعواما.. الداخلية منها والخارجية… فمتى ننجح بجسر الهوة والشعور بالامان والاطمئنان