"اثنتان لا تفترقان: هالة وحفنة من تراب فلسطين ".
د. فيحاء عبد الهادي
ظاهرة نسوية
هالة العدناني خورشيد: باقية في ذاكرة الشعب الفلسطيني الجماعية
"اثنتان لا تفترقان: هالة وحفنة من تراب فلسطين ".
"إنني زورق وهم ساخرُ
ما عشت بحرا
سوف أرسو كلـما شاد خيالي
خلتُ قصراً وأنادي
ها هنا حريتي ترقص بشرى
دائماً أتخيل إنه أنا بزورق، بدي مرفأ ومش ملاقيته؛ لأني مش ملاقية الوطن، الوطن دايماً بعيد، وما عمري حبيت إلاّ فلسطين ".
حين التقتها الباحثة الـميدانية "رقيّة العلـمي" في عمّان، للحديث معها، حول ذكرياتها فترة الخمسينيات حتى أواسط الستينيات، ضمن مشروع التأريخ الشفوي، الذي بادرت إلى تنفيذه إدارة الـمرأة / وزارة التخطيط، في العام 1999م؛ استجابت إلى توثيق سيرة حياتها، مؤكدة أهمية إبراز رواية الـمرأة، التي طالـما همِّشت، لصالح رواية الرجل: "كانوا اللي يؤرخوا اللي يكتبوا رجال، كان عيب اسم الست يطلع، فإذا بدك الحقيقة كانوا الستات يشتغلوا كثيراً؛ لكن اسمهم ما كان يطلع، دائماً نحن عنا التسجيل للرجل، فهو اللي بيسجل، على شان هيك لازم الست اللي تسجل ".
ولدت "هالة العدناني خورشيد" في القاهرة، العام 1935م، لأب عربي فلسطيني، وأم مصرية، وجدة سورية. والدتها هي الفنانة التشكيلية، والبطلة الرياضية، والـمحاضرة الإذاعية: زينب صادق. أما والدها فهو: الشاعر محمد العدناني، الذي أصرَّ على أن ينادى بهذا اللقب، إيماناً منه بالعروبة، ولإحساسه أن اسم خورشيد هو اسم غير عربي. جاء من لبنان، وعاش في فلسطين، وأسَّس مع رفاقه، الذين درسوا معاً في الجامعة الأميركية في بيروت: "العروة الوثقى"، وحين انتقل منفياً إلى يافا، العام 1942م، لنشاطه ضد الإنكليز؛ عمل على العودة إلى القدس، وعاد العام 1947م؛ لكنه اضطرَّ إلى مغادرتها العام 1948م؛ ليقيم في حلب، ويمارس التدريس، ويرئس الاتحاد القومي الفلسطيني، حتى تاريخ الانفصال، حيث استقال، مغادراً إلى لبنان، ليعيش فيها حتى آخر أيامه، رافضاً استعادة الجنسية اللبنانية: "طول ما هي جريحة لا، لازم يتمسك فيها ".
عاشت "هالة خورشيد" طفولتها في القدس، ويافا، وحلب. وعاشت شبابها وسنيِّ نضجها في حلب وجدة والـمغرب والأردن .
ارتبطت مدينة القدس في ذاكرتها بالاحتلال والـمقاومة.
"يمكن كان عمري 4 سنين، أجوا الإنكليز على البيت بدهم بابا، كنا وقتها ساكنين في وادي الجوز، فقالت لي ماما: ركض، إطلعي على راس الشارع؛ بس يجي بابا قولي له: الإنكليز في البيت، فجيت أركض، وقعت! قام الإنكليزي حملني وحطني على الجدار، وأنا أرفس فيه، ومن بعيد شفت بابا جاي. وخلاني قاعدة فوق الجدار. ولـما أحلـم أحلام مزعجة، دايماً ب أحلـم انه حدا حاطتني فوق قرنة، وأنا بدي أركض، مش قادرة أركض منه لحد هلا ".
وارتبطت مدينة يافا في ذاكرتها بالجمال والعالـم الـمتحضر :
"أنا حبيت يافا كثير، لأنه بأحب البحر، لأنه ماما كانت تسبح (كانت والدتها بطلة في السباحة والغطس) وخصوصاً شط البحر؛ لكن بابا ظل حاسس إنه هو أجبر على يافا ".
أما مدينة حلب، فارتبطت بالعروبة، والحس القومي :
"في الـمدرسة كانوا صديقات زيّي زيّهم، وكان انتماؤهم العربي كثير قوي، وكانوا هم خسرانين لواء الاسكندرون، وبالتالي كان مليان مهجَّرين من اسكندرون، يقولوا لي: ما هي إحنا من الاسكندرون، زيّنا زيّك. هذا أعطاني شبه انتماء للـمجموعة اللي موجودة، إنه أنا عربية زيّي زيّهم، هم مضيعين اسكندرونة وأنا مضيعة فلسطين ".
امتازت الفقيدة بالحساسية الشعرية والحس الأدبي، فنظمت الشعر، وعملت بالصحافة. كتبت تحقيقات صحافية اجتماعية، مركزة على معاناة اللجوء، في صحيفة "الشباب" في حلب، وكتبت بشكل غزير، في القضايا الثقافية والاجتماعية وفي الفنون، حتى أن صحيفة "الشباب" خصصت زاوية يومية لها بعنوان "في الطريق". وكتبت في مجلة "السنابل"، بتوقيع مستعار، وعملت متطوِّعة في الإذاعة، لتقدم "ركن الطلبة"، وتقرأ الأشعار، كما شاركت في التمثيل، أحياناً، ضمن "فريق ابن خلدون ".
وحين غادرت هالة خورشيد سورية؛ لتقيم في جدة بعد زواجها؛ تقلصت نشاطاتها وانكمشت :
"لـما رحت على السعودية زي أي إشــــي بينكتــــم؛ انكـــتمت ".
ومع ذلك: "راسلت "الشباب"، كتبت لهم عن الـمرأة العربية عموماً، يعني عملت سلسلة من الـمقالات العراقية السعودية. بعدين وقفت؛ لأنه ما فيش قدامي مادة خام، هناك عزلة، ما باحب أكتب إشي ما شفته في عيني ولا لـمسته ".
وفي العام 1961م انتقلت إلى الـمغرب، حيث التحقت بالجامعة، وانغمست في النشاط الطلابي، للتوعية القومية .
عندما توفي والد الفقيدة، خلَّف مكتبة كبيرة، وكلها من أمهات الكتب، ووعد القائد الشهيد "ياسر عرفات" ذوي الفقيد بأن يحافظ على الـمكتبة وأن ينقلها إلى القدس :
"اجا أبو عمار يعزي فيه، وقال: إن شاء الله إنه مناخذ هذه الـمكتبة وندخلها في القدس؛ بس لحد هلا ما أخذها ولا دخّلها القدس . الـمكتبة موجودة في لبنان وخايفة عليها؛ لأنه ما بدي الإيدين تبدأ تلعب فيها، لأنها محطوطة في محل وثلاثة أربعة معهم مفاتيح، فكثير أنا مضطربة، بدي إياها تتجمع بمكان واحد؛ لأنه حرام تروح، بالإضافة أنه فيه فوق الـ 16 مخطوطة لكتب جاهزة للطبع ".
"في العام 53، نظَّمت الجامعة رحلة على الحدود السورية الفلسطينية، كانت مع السوريين، نزلنا ورحنا، لـما وصلنا هناك، كان قدامنا سمخ وطبريا وكله، شفت فلسطين، كان عقلي وطار، دون ما أحكي، دون ما أحس، ما حسيت حالي الا بامشي باتجاه فلسطين، فيه نقطة حراسة فوق شافوني انجنوا، مسكوا هالطلاب: مين هذه؟ واحدة من الرحلة، دخيلكم! واحد يركض يروح يجيبها بسرعة؛ لأنها هلا اليهود بيطخوا عليها، بتقوم معركة اليوم. نزل طالب فلسطيني ورائي، بيقولوا له: قريبتك، ركض ورائي، سحبني ورجع، وانا عم بأرجع؛ مدّيت إيدي على الأرض وكمشت كمشة، كانت الدنيا بتشتي، شتاء، شتاء، فكان طين، طين، أخذتها وعصرتها بإيدي، وضلَّت معي لفترة طويلة، وفي الجامعة كانوا ينكّتوا: "اثنتان لا تفترقان هالة وحفنة من تراب فلسطين ".
رحلتِ ابنة يافا البارّة، دون أن تتوسدي تراب فلسطين، كي تزيلي إحساسك العميق بالغربة؛ لكنا نعدك أيتها الراحلة الغالية، أن نتابع ما أوصيتِ به: الـمعرفة وتراب الوطن .
"يمكن كان عمري 4 سنين، أجوا الإنكليز على البيت بدهم بابا، كنا وقتها ساكنين في وادي الجوز، فقالت لي ماما: ركض، إطلعي على راس الشارع؛ بس يجي بابا قولي له : الإنكليز في البيت، فجيت أركض، وقعت! قام الإنكليزي حملني وحطني على الجدار، وأنا أرفس فيه، ومن بعيد شفت بابا جاي. وخلاني قاعدة فوق الجدار. ولـما أحلـم أحلام مزعجة، دايماً ب أحلـم انه حدا حاطتني فوق قرنة، وأنا بدي أركض، مش قادرة أركض منه لحد هلا ".
وارتبطت مدينة يافا في ذاكرتها بالجمال والعالـم الـمتحضر :
"أنا حبيت يافا كثير، لأنه بأحب البحر، لأنه ماما كانت تسبح (كانت والدتها بطلة في السباحة والغطس) وخصوصاً شط البحر؛ لكن بابا ظل حاسس إنه هو أجبر على يافا ".
أما مدينة حلب، فارتبطت بالعروبة، والحس القومي :
"في الـمدرسة كانوا صديقات زيّي زيّهم، وكان انتماؤهم العربي كثير قوي، وكانوا هم خسرانين لواء الاسكندرون، وبالتالي كان مليان مهجَّرين من اسكندرون، يقولوا لي: ما هي إحنا من الاسكندرون، زيّنا زيّك. هذا أعطاني شبه انتماء للـمجموعة اللي موجودة، إنه أنا عربية زيّي زيّهم، هم مضيعين اسكندرونة وأنا مضيعة فلسطين ".
امتازت الفقيدة بالحساسية الشعرية والحس الأدبي، فنظمت الشعر، وعملت بالصحافة. كتبت تحقيقات صحافية اجتماعية، مركزة على معاناة اللجوء، في صحيفة "الشباب" في حلب، وكتبت بشكل غزير، في القضايا الثقافية والاجتماعية وفي الفنون، حتى أن صحيفة "الشباب" خصصت زاوية يومية لها بعنوان "في الطريق". وكتبت في مجلة "السنابل"، بتوقيع مستعار، وعملت متطوِّعة في الإذاعة، لتقدم "ركن الطلبة"، وتقرأ الأشعار، كما شاركت في التمثيل، أحياناً، ضمن "فريق ابن خلدون ".
وحين غادرت هالة خورشيد سورية؛ لتقيم في جدة بعد زواجها؛ تقلصت نشاطاتها وانكمشت :
"لـما رحت على السعودية زي أي إشــــي بينكتــــم؛ انكـــتمت ".
ومع ذلك: "راسلت "الشباب"، كتبت لهم عن الـمرأة العربية عموماً، يعني عملت سلسلة من الـمقالات العراقية السعودية. بعدين وقفت؛ لأنه ما فيش قدامي مادة خام، هناك عزلة، ما باحب أكتب إشي ما شفته في عيني ولا لـمسته ".
وفي العام 1961م انتقلت إلى الـمغرب، حيث التحقت بالجامعة، وانغمست في النشاط الطلابي، للتوعية القومية .
عندما توفي والد الفقيدة، خلَّف مكتبة كبيرة، وكلها من أمهات الكتب، ووعد القائد الشهيد "ياسر عرفات" ذوي الفقيد بأن يحافظ على الـمكتبة وأن ينقلها إلى القدس :
"اجا أبو عمار يعزي فيه، وقال: إن شاء الله إنه مناخذ هذه الـمكتبة وندخلها في القدس؛ بس لحد هلا ما أخذها ولا دخّلها القدس . الـمكتبة موجودة في لبنان وخايفة عليها؛ لأنه ما بدي الإيدين تبدأ تلعب فيها، لأنها محطوطة في محل وثلاثة أربعة معهم مفاتيح، فكثير أنا مضطربة، بدي إياها تتجمع بمكان واحد؛ لأنه حرام تروح، بالإضافة أنه فيه فوق الـ 16 مخطوطة لكتب جاهزة للطبع ".
"في العام 53، نظَّمت الجامعة رحلة على الحدود السورية الفلسطينية، كانت مع السوريين، نزلنا ورحنا، لـما وصلنا هناك، كان قدامنا سمخ وطبريا وكله، شفت فلسطين، كان عقلي وطار، دون ما أحكي، دون ما أحس، ما حسيت حالي الا بامشي باتجاه فلسطين، فيه نقطة حراسة فوق شافوني انجنوا، مسكوا هالطلاب: مين هذه؟ واحدة من الرحلة، دخيلكم! واحد يركض يروح يجيبها بسرعة؛ لأنها هلا اليهود بيطخوا عليها، بتقوم معركة اليوم. نزل طالب فلسطيني ورائي، بيقولوا له: قريبتك، ركض ورائي، سحبني ورجع، وانا عم بأرجع؛ مدّيت إيدي على الأرض وكمشت كمشة، كانت الدنيا بتشتي، شتاء، شتاء، فكان طين، طين، أخذتها وعصرتها بإيدي، وضلَّت معي لفترة طويلة، وفي الجامعة كانوا ينكّتوا: "اثنتان لا تفترقان هالة وحفنة من تراب فلسطين ".
رحلتِ ابنة يافا البارّة، دون أن تتوسدي تراب فلسطين، كي تزيلي إحساسك العميق بالغربة؛ لكنا نعدك أيتها الراحلة الغالية، أن نتابع ما أوصيتِ به: الـمعرفة وتراب الوطن .