لأن جدارية الشاعر محمود درويش تستحق عدة قراءات لا قراءة واحدة، ولأنها تصلح لأن تكون محور حديث في أكثر من زمن، بالرغم من أنها ليست آخر ما كتب فقد جاء بعدها ديوانه الأخير "حالة حصار " ، لأنها تكشف عن قدرته الفائقة في تحويل المعاني المجردة إلى أشياء تضج بالحياة، وجداريته تصنع هذا حيث يصبح الموت ضاجاً بالحياة من خلال الحوارات التي تجري في النص وهنا تكمن الغرابة ـ أن يصبح الموت كائناً حياً وهو الموت ـ ذلك الموت الذي عرفه العالم دائماً بمعناه المجرد الموت يعني النهاية، ولكن ولأنه لا مفر من مواجهته، كان لابد من إيجاد طريقة مناسبة للتعامل معه، وللشاعر محمود درويش طريقته الفريدة بالتعامل معه، حيث يصبح الموت شخصاً يحاول شاعرنا تذكيره بقوته التي لا تُقهر، والتي يعترف له بها ويطلب منه أن لا يُضعِف نفسه أمامه، وأن لا يصبح كالشحاذ، ويطالبه بأن يمتلك الصفات الإنسانية، ويطالبه بالحب، ووسط هذا يواجهه بحقيقته المجردة:
وحدك المنفي
لا تحيا حياتك… ما حياتك!؟
لا تُحِب ولا تُحَب
ولا تعيش ولا تموت
وتخطف الأطفال من عطش الحليب إلى الحليب
لم تكن طفلاً تهز له الحساسين السريرَ
ولم تداعبك الملائكة الصغيرة
كما فعلت لنا
وحدك المنفي…
…………
فاصنع بنا وبنفسك ما تريد
ويحاول بعد هذا أن يتقرب منه ليكونان صديقين، ويطالبه بلغة الأصدقاء وبلغة الحب، أن ينتظره وأن يحاول التخلي عن مهنته ولو لحين، فهو مازال لديه الكثير ليقوم به في الحياة، فيقول له:
أيها الموت انتظرني خارج الأرض،
انتظرني في بلادك، ريثما أنهي
حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي
……
فيا موت! انتظرني ريثما أنهي
تدابير الجنازة في الربيع الهش،
حيث ولدت، حيث سأمنع الخطباء
من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
وعن صمود التين والزيتون في وجه
الزمان وجيشه…
يبدو ما تحدثنا به عن علاقة درويش بالموت ما زال لا يخرج عن سياق المألوف إلى حد ما، ولكن ما أردنا الوصول إليه من كل ما سبق هو قدرة درويش في جداريته تلك على ترجمة جدل موسيقى مارسيل خليفة، بجدل شعري يربط الموت مع الحياة بعلاقة غريبة جميلة، مثلما استطاع أن يخلق علاقة من خلال كلماته ما بين الأم ـ الخبزـ الوطن، علاقة لا تستطيع الكلمات تحليلها لأنها لا تصلح إلا لأن تُحس، وفي هذه القصيدة ومن خلال العلاقة الجديدة التي اكتشفها جعل الموت يصرح عن نفسه وعن معناه في أكثر مقاطع الجدارية، وبدا حديثه وكأنه سبق علمي في علم النفس… في اكتشاف الثالث الساكن مع الاثنين" الوعي واللاوعي" أو فيهما عند الانسان، وكانت قد تجلت معالمه حين كان يحاوره أحد الاثنين:
يا موت! يا ظلي الذي
سيقودني، يا ثالث الاثنين، يا
لون التردد في الزمرد والزبرجد،
……
……
ولست محتاجاً ـ لتقتلني ـ إلى مرضي.
كلما قلت: ابتعد
عني لأكمل دورة الجسدين، في جسد
يفيض، ظهرت ما بيني وبيني
ساخراً:" لا تنس موعدنا…"
إن ما استطاعته قصيدة درويش وبكلمات شعرية شفافة، كان جزءاً مما شغل الفلاسفة والعقول منذ الأزل وهو العلاقة التي تربط الحياة بالموت أو اللاعلاقة بينهما، مثلما كان دائماً البحث عن العلاقة بين المادة والوعي، وبين النظرية والممارسة… الخ من العلاقات التي تربط الأشياء في وعينا ولا وعينا.
و هنا يكمن الإبداع في العمل، في القدرة على خلق جو من الحميمية وبث الحياة في ذلك المسمى الموت والذي يخافه، وأحياناً يكرهه الكثيرون، دون أن يتنبهوا إلى أنه البعد الثالث المُغَيب أو اللامقروء في لا وعي البشر جميعاً؟؟ فحين يكتشفونه سيفرض الحوار معه نفسه كضرورة ملِّحة لابد منها للتوازن النفسي، وحينها حتماً ستكون المسائل أكثر تعقيداً، فالمعتاد هو الحوار بين الاثنين، الوعي واللاوعي، الإنسان وعقله الباطن، و كثيراً ما تكون المعاناة كبيرة في خلق حالة توازن وتصالح بينهما عند غالبية البشر، فكيف بهما حين يصبحان ثلاثة يسكنون انساناً واحداً والمطلوب إيجاد علاقة تحقق التوازن والاستقرار النفسي عندهم؟؟!