يحق للمخيم الفلسطيني، وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عاما، أن يلتفت إلى كتابة سيرته الذاتية، لا باعتباره ظاهرة فريدة في العمران والاجتماعية والسياسة وحسب، بل وكذلك كأي شريد لفظته العواصم والمدن العمياء، ولم تحتفل به القرى الوادعة، خشية منه حينا، ودائما بحجة الخوف عليه.
ومع أن السيرة لن تكتمل إلا إذا استراحت في قريتها الأولى، وبين أشيائها الأليفة، إلا أن كتابتها تشكل ضرورة ملحّة، لتسليط الضوء على الدليل الذي يدحض أخطر كذبة اخترعت في القرن العشرين، والتي تقول بأن فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض!… فمن أين جاء أربعة وستون مخيما للاجئين توزعت بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والأردن ولبنان وسوريا، وتضم الآن ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ؟
لقد تموضعت معظم تلك المخيمات على المفارق والطرقات الدولية، وكأنها على أهبة للرجوع كما وعدت، ولكن الوعد/الخديعة استمرر أكثر من نصف قرن، وصار للاجئ تسميات كثيرة: لاجئون - نازحون - مهجرون - مبعدون …والفارق بين هذه المفردات ليس أكثر من تحديد زمني، فالأولى تعني الذين خرجوا عام 1948، والثانية بعد نكسة حزيران 67 ، والثالثة اثر الاجتياح الصهيوني للبنان عام 82، والأخيرة تعني الذين أبعدوا زمن الانتفاضة الأولى إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني. ربما كان هذا ما يدفع الناقد فيصل درّاج، الذي نشأ في مخيم اليرموك أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، إلى اعتبار التاريخ الفلسطيني كما لو كان تاريخ ولادة المخيمات المتفرقة، وتاريخ توالد المجازر المتتابعة التي تقع على أهل المخيمات، يقول: هذا التاريخ الحزين في وجهه المزدوج بشرح نفسه بنفسه دون صعوبات كثيرة. فالمخيم في ذاته إشارة إلى الهوان والمهانة، فهو بعيد عن المدينة، كما لو كان عورة، وهو وجود قلق سهل إصابة، يجرفه السيل، وتشتق منه الصفات السلبية، ويحوم حوله الشرطي غليظ العصا، شعاره "تأديب اللاجئين" الذين لم يؤدبهم المنفى،. ولهذا كان طبيعيا، ولا يزال، أن بذهب ابن المخيم إلى البندقية، أو إلى مظاهرة عابرة، يبددها الشرطي بعد لحظات، كما كان طبيعيا أيضا أن تسعى السلطات كلها إلى دفن أهل المخيم أو إلى اغتيال أرواحهم على الأقل.
لكن المخيم استطاع أن يتلمس طريقه إلى الخيمة الأخرى، اثر انطلاقة الثورة الفلسطينية عام 65، وهنا ستعلن "أم سعيد" - ابنة المخيم وواحدة من أبرز الشخصيات الروائية في أدب غسان كنفاني - أن "خيمة عن خيمة تفرق". وسرعان ما سيشهر المخيم ذله وجوعه وقهره بوجه الاحتلال، ليأخذ أسماء جديدة : فتيل الثورة، خزانها، وقودها وحاضنتها… بعد أن كان يكنّى ببيوت الصفيح ومخيمات الذل…هكذا يأخذ مخيم جباليا اسم مخيم الثورة وهو الذي أطلق الثورة مرتين: أوائل السبعينيات، كما في انتفاضة عام 87. وسيصبح مخيما صبرا وشاتيلا (هوية عصرنا حتى الأبد) حسب محمود درويش، كما سيتحول مخيم اليرموك إلى ملاذ شرعي للمحرومين والفقراء (صرخت بحارة الفقراء خلف مخيم اليرموك: يدعوكم أبو ذر إلى اجتماع جائع لتدارس الأوضاع) حسب مظفر النواب.وها يصبح مخيم جنيين أخيرا الأسطورة وكومونة العرب.
ورغم أن المخيم الفلسطيني في سوريا لم يكن مهددا بالاقتلاع من مخيمه -كما في الضفة وغزّة ولبنان نتيجة المواجهة المباشرة مع الاحتلال - إلا أن سيرته لم تشكل افتراقا عن حياة المخيمات عموما. ذلك أنها ظلت خزانا بشريا هائلا رفد الثورة بآلاف الشهداء والجرحى. ومازالت رغم ذلك تزيد اكتظاظا، فالمساحة التي كانت بعد النكبة تنوء بـ 90 ألف لاجئ، تستوعب اليوم 425 ألفا (المسجلون منهم لدى 378382 لاجئ)، توزعوا على ثلاثة عشر مخيما، تعترف الأورنوا بعشرة منها فقط، رغم أنها تقدم للثلاثة الباقية بعض الخدمات، وميزتها أن اللاجئين بنوها بأنفسهم وهي: مخيم اليرموك (دمشق) وحندرات أو عين التل (حلب) ومخيم الرمل (اللاذقية).
لقد نصب اللاجئون خيمهم حول المدن، ومنحهم اقترابهم أو ابتعادهم منها ميزة ما، ففي حين يقترب اليرموك، الواقع لصق دمشق، من شكل المدينة، يكتسب المخيم الأبعد - خان الشيح - بعض مفردات الريف. وبكل الأحوال لم يأخذ المخيم من المدينة سوى ازدحامها من دون أن يحظى بخدماتها، مثلما حرم نقاء الريف هدوئه واطمئنانه. ومع هذا لم يتحول المخيم إلى غيتو، فعلى المستوى الاقتصادي تحول إلى سوق لتصريف البضائع البسيطة للقوى المجاورة، وإلى مركز لعمالة رخيصة،من الرجال والنساء الذين اشتغلوا في أعمال غريبة عنهم: بنائين وأجراء مياومين وفي أعمال رثة، وفي أفضل الأحوال اشتغلوا مزارعين في ارض لا يملكونها. وبالمناسبة كان انتقاء الصراع الطبقي واحدا من أبرز سمات مجتمع المخيم، فمالك الأرض وأجيره في فلسطين أصبحا على قدم المساواة أمام خيمة الأونروا، بل وغالبا ما تفوق الأجير هنا بسبب قبوله للعمل في أعمال لا يتقبلها الأول. هذا ما يشير إليه علي حدو صالح الذي كان واحدا من ذوي الأملاك والأراضي الشاسعة، فيما لا يلوي الآن سوى على قوت عائلته، لقد جاء العمل المسلح حلاً ممتازاً، سرعان ما أقبل عليه الكثيرون. كان مشروعا للخلاص والرجوع إلى الوطن، وفي الوقت ذاته كان حلا معاشياً، وكان لهذا مساوئه أيضا، لم تكن (الفدائية) دائما مشروعا ثوريا؛ لقد وجد الفتى المراهق، الذي اختلف مع أهله لسبب تافه، ضالته في الهروب إلى العمل الفدائي، حيث سيمنح راتبا مغريا، ليعود إلى المخيم مرتديا بنطال الجينز وحاملا أخلاقا جديدة من البلطجة سمح بها فلتان بعض الفصائل الفلسطينية في لبنان. وهذا سيكون له أثره على مجتمع المخيم، بالإضافة إلى المؤتمرات التي غيرت في تركيبة المجتمع العربي عموما. ولكن "الفتوات" التي أنتجتهم الثورة، وهذه مفارقة، لن يترددوا في أن يكونوا أول الشهداء.
لغة فصيحة
لم يكن المخيم (وقد يكون اليرموك نموذجا واضحا) في فترة السبعينيات منفتحا على محيطه وحسب، بل كان مركزا للثورة واستنهاض الهمم، يقول غازي سلامة (صحفي وكاتب سياسي سوري): على مدى أكثر من ثلاثين عاما وأنا أحمل ذاكرة مخيم اليرموك، ولأنها ذاكرة مرتبطة بأول العمر تبدو لي في هذه الأيام استعادة لوعي سياسي كاد يتلاشى لولا المشهد اليومي الذي نراه. هكذا استعيد الذي وجدنا فيه ملاذا لنا نحن القادمين من أربع جهات الريف السوري. كان ملاذا دافئا وخبزا ساخنا ومفردات فلسطينية لو نسمعها من قبل. كنا قادمين وعلى أكتافنا هموم متفرقة ثقافة يسارية وعلم أحمر ونجمة وصور غيفارا، اجتمعت مع بيانات العاصفة وصور الشهداء على جدران البيوت كما كان المشهد في أزقة المخيم الموحلة. كان أول المخيم - كما هو اليوم - هو آخره في ذلك العام في مطلع السبعينيات، كان غيفارا سيد الموقف في المخيم وكانت بيانات العاصفة تسبق الجنازة المصحوبة بزغاريد النساء…كان المشهد في ذروته وكان "الكلاشن" يتحدث بلغته الفصيحة. كان ثمة اجتماعات في بوفيه الكيمياء بجامعة دمشق تنتهي إلى لقاءات مسائية في المخيم الذي يستقبل الفدائي القادم من إجازة حيث يصبح الحديث عن إغارة أو عملية استطلاع أو مواجهة، ومن ثم إلى أناشيد العاصفة.
كان شباب المخيم، من فلسطينيين وسوريين، يعرض عن مباهج الحياة الرخيصة. وكان كل منهم مشروع مقاتل أو مفكر أو شهيد…ولأن المخيم ذاكرة لا تنسى، فإن فيها ما يجعلنا بأحسن حال، قبل أيام كنت في المخيم متذكرا كيف كنت الخطوة الأولى إلى أيامنا التي مضت سريعا. كان المخيم صغيرا…صار المخيم بحج الوطن المرتجى.ينحدر 40% من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين في سورية من مدينة صفد وقضائها و 22% من حيفا والقضاء، ويتوزع الباقون بنسب متفاوتة حسب أصولهم في مدينة المنشأ في فلسطين. ولسوف نجد أن مخيما مثل خان دنون يضم مجموعة من السكان ينتمون في معظمهم إلى سهل الحولة، ومخيما آخر تطغى عليه تركيبة عشائرية، ومن اللافت هنا أن النزعات العشائرية غابت لصالح الصراعات التنظيمية (وطالما سمعنا عن شقيقين استشهدا في معركة وهما يقفان قبالة بعضهما كل في فصيل). ولقد ساهمت هذه التركيبة في تماسك المخيم ووحدته، كما في توارث ذاكرة الوطن من جيل إلى جيل، إلى حد أن نصف قرن لم تستطع أن تمحو لهجة القرية الأولى، رغم أن لهجة جديدة ظهرت هي لهجة المخيم لم تلغ خصوصية الأصل. وصارت ببعض المفردات ميزة للفلسطيني، يعرفه بها الآخرون كأداة النداء الشهيرة (خيّا) والتي تعني أخي. ومن جهة أخرى فقد ساهم وجود الفصائل الفلسطينية في المخيمات في تأسيسها وفي الحفاظ على اتقاد شعلتها. ومن الطريف أن تلك الفصائل وعبر سعيها إلى استقطاب الجماهير كانت قد وضعت في مكاتبها طاولات بينغ بونغ، مما أدى إلى وجود عدد من اللاعبين فقد تنوء الصين بنفسها عن حمله. وهو ما جرى أيضا حين أنشأ كل فصيل فرقته الخاصة للغناء، ضمت مغنين وعازفين وراقصين، كفرقة العاشقين، والجذور، الأرض، بيسان، القدس، ,أجراس العودة…فأنتجت عددا هاما من الراقصين الاستعراضيين، الذين يشكلون اليوم أبرز الفرق الاستعراضية في سوريا.ومن بينها فرقة "أنانا" التي نالت شهرة عربية غير مسبوقة لفرقة سورية. فكانت النتيجة أن نشأ في المخيمات عدد من الراقصين ولاعبي البينغ بونغ بدا غريبا على انشغالات المخيم.
كانت ثقافة المخيم شديدة الوضوح، ومشدودة إلى حلم واحد هو الوطن، ولا مكان فيها لترف الفن والأدب الرخو. فكانت الغنية مارشا عسكريا يدق في كل لحظة طبول الحرب؛ من أغاني الثورة الشهيرة والتي تصح (طل سلاحي) و(عالرباعية) أن تكون عنونا لها، إلى أغنيات الفنان الشعبي الفلسطيني أبو عرب إبراهيم الصالح(مخيم حمص)، إلى مارسيل خليفة وأحمد قعبور وفرقة العاشقين وسميح شقير. وكلما فكر المخيم بأن يأسف على ذوقه القديم، هبت معركة جديدة لتعيد عاصفة الأغاني الملتهبة دفعة واحدة. أما الأدب فعليه أن يرسلنا مباشرة إلى المعركة، ولقد كان أدب المقاومة: أشعار محمود درويش الأولى وتوفيق زياد وسميح القاسم، حلا مناسبا.يقول وائل زرزر (32 عاما): مع أنني لم أعش في المخيم، إلا أن علاقتي به منحتني رؤية مختلفة للوجود (هل أقول مفزعة؟). ليسس طبيعيا أن ينشأ طفل على قراءة غسان كنفاني. وروايته أشبه بالكوابيس، وهو يتمتع بلغة صادمة تجعلك على خلاف حاد مع العالم. لقد حرمنا ذلك من قراءة الأدب العالمي بصورة طبيعية.
ولاشك أن المخيم حاضر في تجربة الأدب الفلسطيني كمفردة لازمة وأساسية يقول الشاعر راسم المدهون : يتقشف المخيم في حياته فيفرض تقشفه على قصيدتي. هو الذي علمني أكثر من غيره أن اللغة في الشعر يتوجب أن تغادر إلى الأبد مدلولاتها القاموسية وتستبدلها بمدلولات أخرى تستمدها من الحياة ذاتها. كيف لا والحياة ذاتها تأخذ في المخيم مدلولا شديد الخصوصية؟ المخيم حاضنة ومعلم، وهو وإن كان حديث السن، إلا أنه راكم مفرداته الحميمة: مقبرة الكبار ممن رأوا فلسطين وعاشوا فيها، ومقبرة الشهداء التي منح المخيمات عادة شهادة انتمائه الحقيقي إلى فلسطين، وفي المخيم دوما حلقات المثقفين، وحين جئت إلى مخيم اليرموك عام 1970 كان هؤلاء يتوافدون أيضا: يحيى يخلف - راشد أبو شاور - يوسف اليوسف محمود موعد - فواز عيد، …وغيرهم كثيرين عاشوا في المخيم أو قربه واختلطوا بملامح الحياة الوطنية والثقافية في دمشق فصاروا جزءا منها قد أسافر بعيدا وقد انتقل في العواصم والمدن، ولكن المخيم في داخلي يظل واثقا شامخا كأنه شجرة الشاعر أحمد دحبور فيقول في حوار للزميلة "الشرق الأوسط" ."أنا عندما كتبت في بداية حياتي الشعرية في مخيم صغير في مدينة حمص السورية، كانت فلسطين بالنسبة لي بمثابة حلم، وكنت أتكلم عن المخيم باعتباره رمزا للشقاء ورمزا للصمود معا، ثم انطلقت الثورة الفلسطينية، فكتبت قصائد من خلال هذه التجربة التي عشتها في الثورة، وعندما عشت في تونس عشر سنوات، كان عندي احساس بالبعد والخوف والانقطاع، وعندما أتيت إلى الجزء المتاح من الوطن كانت هناك صدمة اللقاء. هل صورة فلسطين في رأسي هي التي رأيتها أمامي؟"
صحيح أن التجربة الإبداعية الفلسطينية والعربية امتلأت بالخيمة والمخيم، ولكنه ظل رمزا ومعنى أكثر مما هو تفاصيل: ولقد كتب محمود درويش في "يوميات الحزن العادي" ما يلخص هذا المعنى: لا هوية إلا الخيام، إذا احترقت ضاع الوطن. والعبارة تشير إلى ضرورة المخيم كمؤقت وعابر وحافزا مقلق بشد الناس إلى الرجوع.
وحدها الأونروا من حاول أن يستقصي ملامح المكان، ولأغراض محض عملية: تحتاج بيوت معظم المخيمات إلى إعادة تأسيسي وتأهيل (ما زال أهل مخيم حندرات يعيشون في بركات مغطاة بألواح التوتياء، وهي من مخلفات الحرب العالمية الثانية)، تمديدات صحية سيئة ومكشوفة تحمل مخاطر صحية تهدد حياة اللاجئين، تسرب الأطفال من مدارسهم، مخيمات مصابة بفقر الدم المنجلي، بسبب الفقر المدقع الذي تناقلوه عن آبائهم، وبسبب زواج الأقارب الأقل كلفة (إذا من أبن جيء بكل ذاك الدم المسفوح في المعارك؟) مخيمات عبارة عن خرائب، لا أشجار فيها ولا حدائق، إلى حد أن مخيما كقبر الست(السيدة زينب) أصبحت المقبرة متنفسه وحديقته الوحيدة، بسبب ما زرع من الأشجار بين القبور.
وربما يعطي مخيم جرمانا صورة أكثر وضوحا بالمقارنة مع محيطه، فهو يقع على طريق مطار دمشق الأنيق والمشجر بعناية، والمزروع بالعشاق في المساءات الندية، وهو في الطريق إلى بلدة جرمانا، حيث البيوت الفسيحة والوجوه المستريحة. والإطلالة عليه من على الجسر سوف تكشف متاهة غير مفهومة من الخرائب، والأزقة النحيلة. حيطانا متسخة تميل إلى السواد، وبقايا شعارات مطفأة، وبقايا ملصقات لشهداء ماتوا مؤخرا إثر نوبة قلبية. وجوه سمراء متعبة ، وكوى مفتوحة في الحيطان على أنها دكاكين، أنه باختصار أشبه بطعنة في خاصرة المدينة، يقول ماجد (شاب يسكن في بلدة جرمانا): ككل سوري أعتبر أن فلسطين قضيتي الأولى. ولكن يبدو أنني كنت أنظر إليها طيلة الوقت بشكل مجرد، فأرى إلى المخيم وكأنه شيء معزول عن تلك القضية، يطلع المخيم في طريقي كل يوم أتمنى على الأقل، أن يتغير ذلك الطريق، فالمخيم لا يعني لي سوى شيء مزعج، وكائنات مزعجة، وأنا لست مسؤولا عن هذه الكارثة الإنسانية. اليوم تغير كل شيء، إلى حد أنني صرت أشعر بعقدة نقص تجاه هؤلاء أبناء المخيم.
حنين ذهني
كان يخطر لي دائما، أن الحنين الذي يحمله أبناء المخيمات إلى وطنهم هو حنين ملفق وكاذب، مجرد حنين ذهني. فما الذي يعرفه هؤلاء الذين ولدوا في المخيمات عن بلد لم يلمسوا فيه حجرا ولا شجر؟ ولكن عادل عمر، الذي قضى كل حياته في العمل الوطني، يقول: صدقني إنني أعرف فلسطين وقريتي الطنطورة كما لو أنني أعيشها يوميا، أعرف تفاصيل المجزرة وأسماء من ماتوا فيها. هل يمكن أن يستشهد الناس بسبب كذبة اسمها الحنين؟ لقد ورثنا عن أهلنا التفاصيل التي مازالت تروى إلى الآن، فصارت الرواية روايتنا، لقد أسرت عام 1982 واقتدت إلى فلسطين، وضعنا في معتقل مفتوح - قيل أنه في الجلمة أو مجدو - استطعنا أن نرى عبره جزءا من جمال بلادنا، وصدقني أنها لم تكن لتختلف عن الصورة التي رسمناها في المخيلة،وإنها تستحق كل العذاب الذي تكبدناه من أجلها. كنت أنظر إلى هذه المفارقة: ان ملامح أولئك الذين جاءوا من رومانيا وغيرها، ليستوطنوا في قريتي الطنطورة، تتنافر مع ملامح بلادنا، ولم يكن لدي شك بأن ملامح وجوهنا ولون بشرتنا مشتقة من ملامحها.
حينما قالوا لنا سيفرجون عنا تراكضنا لنجمع بعضا من حجارتها، وهي اليوم أغلى ما أملك.
وستظل الذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل، طالما أن رجلا مثل مطر عبد الرحيم (70 عاما)ما زال يروي أخبار المعارك التي شارك فيها، في قريتي نحف والبورة في عكا، بطزاجة اليوم، يقول: والله كأن هذا الزمن لم يمر، وكأنني خرجت البارحة من نحف، وما زال تعبي من المشي شمالا إلى لبنان طازجا حتى اللحظة، انظر، هذه صورة نحف، ألا تستحق أن تكون عاصمة لفلسطين؟ وهذا هو بيتي الذي خرجت منه، لقد حصلت على هذه الصورة مؤخرا، ما زال البيت الذي بناه أبي من الحجر كما هو، ويسكنه الآن أقاربي في نحف.
لقد أصيب المخيم في السنوات العشر الأخيرة بما أصيبت به الأمة من إحباط ويأس، خصوصا بعد اتفاق أوسلو، حيث شعر اللاجئون أن قضيتهم أهملت وضعت على آخر سلم الأولويات، فلا منظمة التحرير أنصفتهم - وقد أصبحت بعيدة عنهم في غزة أو في تونس - ولا الفصائل المعارضة طرحت مشاريع ذات جدوى، بل راحت تنسحب من المخيمات واحدة تلو أخرى، فبدأت تغيب صور الشهداء والشعارات عن حيطان المخيم، وهذه هي أبرز ملامحه. وما زلت أتذكر كيف بدأ ينسحب معسكر الأشبال من مخيم سبينه شيئا فشيئا في بداية الثمانينات، إلى أن انقرض نهائيا في أواخرها: لكن اليوم شيء آخر: لقد استطاعت الأحداث الراهنة أن تخرج المخيم من صمته، وتحرره من بلادة عشر سنوات مضت، إنهن يستهدفون هذه الكتلة الهائلة من القهر، كما يحاولون محو الدليل الذي يدينهم.
بلى، لقد تغير المخيم كثيرا في نصف قرن؛ من الخيام إلى بيوت الصفيح والطين والأسمنت المسلح بالرعب. والذين جاؤوا حفاة بنوا وعلّموا أبناءهم الوطن، وقضوا شهداء أو جرحى أو أسرى. قد يكون المخيم هنا غيره هناك، ولكنه سيظل يحمل معنى واحد؛ هو العبور إلى الوطن.
-------------------------------
(دمشق)
السفير الثقافي 3 آيار 2002