المرأة الفلسطينية ودورها في ظل انتفاضة الأقصى

فيروز الناجي

أولاً وقبل كل شيء يجب أن ندرك حقيقة بأننا لن نستطيع ومهما حاولنا أن نعطي تلك الأم العظيمة حقها، ولا تلك الزوجة, ولا البنت, ولا الأخت، لن نستطيع أن نتحدث عنها في هذه الظروف بطريقة نظرية، ولا نستطيع أن نتناول الموضوع بمعنى عاطفي بحت أيضاً،
لذلك أقول أننا سنتناول أولاً شيئاً عن نضالات المرأة الفلسطينية تاريخياً، ودورها في انتفاضة 87 و بعض ملامح تطوره الذي برز في انتفاضة الأقصى، والأهم دور المرأة الفلسطينية في خارج الأرض المحتلة وهذا الأهم الآن لأن المرأة في فلسطين لا تحتاج أن نتحدث عنها بل تحتاج ونحتاج أن نتعلم منها معنى الحياة، لذلك السؤال الذي يطرح نفسه بقوة بشكل واضح ومباشر،على المرأة الفلسطينية في الشتات خصوصاً، وعلى الفلسطيني في الشتات عموماً: أين أنتِ … أين أنتم… سترد لتقول وماذا أستطيع أن أفعل وهذا حقيقة ما أراد الكثيرون أن نصل إليه، الإحساس باللاقدرة على فعل شيء، والإحساس الدائم بالعجز دون البحث عن دور حقيقي. وليكون لدينا قدرة على البحث يجب أن نمتلك حقيقة القدرة على العطاء الحقيقي والعمل، فلست أعتقد أن أحداً يشعر بأنه غير مفيد لأحد في المجتمع، وليس من أحد لا يبحث عن دور في محيطه، ولو كان هذا من باب إثبات الوجود والقدرة على التعايش معه، إذن أيتها المرأة في خارج الوطن أين أنت!!!!؟ سؤال كبير إذا استطعتِ طرحه على ذاتك بقوة وصدق حتماً ستعرفين حينها ماذا يمكنك أن تفعلي، صدقوني بأننا لو استطعنا أن نتعلم معنى الوطن جيداً، وإن استطعنا أن نتقارب مع قرانا ومدننا الأصلية أن نعرف عنها ما يجب أن نعرفه ليكبر الانتماء فينا فينتقل إلى كل من يحيطون بنا، حين نبحث عن الوطن في دواخلنا ولا نجده هناك في زاوية مهملة لانتبه إليه إلا حين يتعرض لمحاولة اغتيال،بل نجده حاضراً في كل اللحظات يصرخ فينا بأن لا تتركوني وحيداً. حينها صدقوني أننا سنجد الكثير مما نستطيع فعله.
إن فهم واقع المرأة حين يأتي في إطار تغييره لا يمكن أن يكون إلا من خلال وضع سلسلة من المشاريع التطبيقية الموجهة بالدراسات ودورات التأهيل والتدريب المختلفة بهدف تفعيل المرأة لأخذ دورها في الحياة سواءً العملية أم السياسية جنبا إلى جنب مع الرجل، وعلى مختلف الأصعدة . ولا يمكن لأي كان أن يدرس واقع المرأة بشكل منفصل عن باقي قضايا المجتمع، فالمرأة العربية جزء من المجتمع العربي وتشكل نصفه وقضية تحررها هي جزء لا يتجزأ من قضايا تحرره العامة، ولا يمكن لأي مقيم على هكذا قضية أن يجعلها أولوية على القضايا الوطنية والديمقراطية أو العكس، حينها سيفقد الحوار أهميته وجوهره ويضيع في متاهات الكلام النظري والرؤية الفكرية لهذا الموضوع. فلا يعقل أن يتم الحديث عن تطور دور المرأة السياسي، بدون الحديث عن تحررها الاجتماعي ـ الاقتصادي وحل بعض مشكلاتها الاجتماعية، فكيف للمرأة أن تكون عضو برلمان، أو حتى عضو في أي حزب أو لجنة سياسية أو اجتماعية، وتقوم بدورها وهي لا تستطيع مثلا الخروج من بيتها ولأي سبب كان إلا بإذن مسبق من ولي أمرها سواء كان زوجها أو والدها أو أخوها، باختصار لابد من الإذن من الرجل، هذا من أبسط الأمثلة على معاناة المرأة واضطهادها الدائم دون الدخول في تفاصيل واقعها الاجتماعي والإنساني، والذي يدخل ضمنه العنف الجسدي الذي تعاني منه المرأة عموماً، وليس في دولنا العربية فقط فبالرغم من الصورة الإعلامية التي يتمتع بها الغرب على صعيد تحرر المرأة إلا أنه يسجل في هذه الدول أرقام مهمة على صعيد تعرض المرأة لهذا العنف سواء كان حالات الضرب المبرح، أو حالات الاغتصاب. إن مجتمعنا العربي يختلف في ظروفه وعاداته وتقاليده عن المجتمعات الأخرى، لكن هذا لا يمنع أنهم يجتمعون في اضطهادهم للمرأة، لذلك نقول بأنه لا بد من عدم الفصل بين نضال المرأة العربية لتغيير واقعها الاجتماعي والاقتصادي، وبين نضالها كشريك أساسي للرجل على الصعيد السياسي والوطني، والتاريخ العربي كله يدلل على أهمية دورها هذا، وبالتأكيد ليس الهدف من نضال المرأة والارتقاء بدورها هو فتح معارك تصادمية مع الرجل، وإنما الهدف أولاً و آخراً هو تطوير المجتمع العربي برمته، وتطوير العقلية الاجتماعية السائدة فيه سواءً على صعيد الرجل أو على صعيد المرأة، فنحن نقول أنه بقدر ما تحتاج المرأة للتحرر من سيطرة الرجل عليها، ومن اضطهاد المجتمع لها؛ فالرجل أيضاً يحتاج للتحرر من مجموعة القيم والمفاهيم المتخلفة التي تعشش في مجتمعاتنا العربية، والتي منحته كل السلطات تجاه المرأة وحرمتها هي منها في ظل وجوده، ولكن يجدر هنا أن نذكر أن الصورة ليست معتمة لدرجة أنه لا أمل من العمل على هذا سواءً من خلال الندوات ومن خلال آليات عمل وقرارات تتخذ في المؤتمرات الخاصة بشؤون المرأة تتابع بشكل جدي، والأهم أن يكون هذا من خلال ما تقوم به المرأة نفسها للنهوض بدورها في الأطر النسوية الموجودة في مجتمعها، فللمرأة دور كبير في إبقاء وضعها على ما هو عليه، أو تطويره نحو الأفضل فمهما عملت الدولة؛ مؤسسات وأطر نسوية من أجل المرأة فلن تستطيع النهوض وحدها في تحسين واقع المرأة، إذا لم تقم تلك المرأة بدور المساعد الحقيقي و الداعم لهذه الجهود المبذولة، فماذا تفيد الدراسات والآليات والجهود المضنية لتحقيق التحرر الاقتصادي للمرأة والتعليمي إذا كانت هي نفسها مازالت تقول مثلاً: أن التعليم ماذا سيفيدني إن تزوجت غداً سأضع شهادتي على جدار المطبخ، متناسية أنها جزء من مجتمع لا يمكن أن يتطور ويحقق غاياته دونها، وكأنها تعودت أو أدمنت إحساسها بالدونية تجاه الرجل! بالرغم من أن المرأة في بعض المجتمعات العربية منحت بعض الأدوار المهمة ، ولكنها حتى الآن تكتفي بالممنوح لها من قبل الرجل دون أن تدرك، ومن خلال كل يقال وما يبذل من جهود للارتقاء بدورها ، بأن الحق لا يجوز أن يبقى ضمن إطار الممنوح منه بل يجب أن تعمل هي بشكل مدروس وموضوعي لانتزاعه، فقد ضربت المرأة العربية في التاريخ المعاصر مثلاً مهماً في العطاء والتضحيات من أجل مجتمعاتها وقضاياها الوطنية، فلا يجوز أن تتخلى عن هذا الدور لأنه مرتبط بقضيتها الخاصة، والمثال الحي الذي لا ينافسه أي مثال في العالم العربي وغيره من المجتمعات الدور الذي قامت وتقوم به المرأة الفلسطينية على صعيد القضية الوطنية، حيث لا تستطيع الكلمات أن تعبر عن ذلك الدور مهما حاولت، ومن الأهمية بمكان أن نمر قبل التحدث عن دورها في الانتفاضة، أن نمر ولو بشكل بسيط ومكثف على بعض محطات نضالها التي بدأت منذ ما قبل عام 1920 حيث كانت تتظاهر في القدس وحيفا ويافا احتجاجاً على السياسة البريطانية، وفي تشرين الأول عام 1929 عقد مؤتمر عام في القدس حضرته 300 سيدة قررن فيه إرسال برقيات ورسائل للأمم المتحدة، ولملك بريطانيا لوضع حد لما يحدث في فلسطين من ظلم واضطهاد، وبعد المؤتمر ذهبت 14 سيدة لمقابلة المندوب السامي، وألقين خطاباً أمامه قلن فيه:" هذه المرة الأولى في التاريخ العربي التي تتقدم فيها المرأة العربية للعمل بالشؤون السياسية، فنساء العرب ترين أن تقمن بقسطهن في خدمة الوطن، وهن عازمات على أن يقدمن كل تضحية لتأمين العدالة في بلادهن، وأنهن يطلبن إلغاء وعد بلفور، ووضع حد للهجرة اليهودية"، وشهد نفس العام أول تظاهرة نسائية ضد الوجود الصهيوني، واستمر نضالها سواءً بالمشاركة بالإضرابات و المظاهرات أو بتنظيمها، ففي عام 1939 وخلال الإضراب عقدت 600 طالبة اجتماعاً في القدس قررن فيه إلقاء الخطب الحماسية للاستمرار بالإضراب العام حتى تجاب المطالب، واستمر نضالها بهذه الوسائل حتى تطور إلى المشاركة المباشرة منذ ثورة عام 1936، وفي عام 1947، بدأت المرأة الفلسطينية بتشكيل الفرق النسائية السرية وأولها فرقة" زهرة الأقحوان" التي كانت تقوم بتقديم الأسلحة والغذاء والكساء للمناضلين، وتدربن على العمل المسلح وأدين دورهن في ذلك، وتوالى تشكيل الجمعيات النسائية الاجتماعية وهي كثيرة وقامت بدور اجتماعي وسياسي عظيم، وقدمت ومازالت تقدم ابنها وزوجها ونفسها فداءً للوطن كما هو الشعب الفلسطيني كله وبكل فئاته، وبقيت تقوم بدورها وبشجاعة نادرة حتى أيامنا هذه ، وقبل الدخول في المرحلة الحالية لابد من ذكر بعض أسماء أولى الشهيدات من باب الوفاء لهن و منهن:
الشهيدة حياة بلبيسي استشهدت وهي تضمد جراح المصابين في معركة دير ياسين في9 نيسان عام 1948.
الشهيدة حلوة زيدان التي قدمت ابنها أولاً ، ثم زوجها، وأخذت سلاح ابنها الشهيد وقاومت حتى استشهدت في معركة دير ياسين.
الشهيدة جولييت نايف زكا، شهيدة حيفا التي استشهدت في 23 نيسان عام 1948 وهي تحمل حقيبة الإسعاف تحت قصف مدافع الاحتلال، محاولة الوصول إلى المصابين.
الشهيدة فاطمة خليل غزال التي استشهدت في معركة وادي عزون قريباً من اللد في 26 نيسان عام 1936 .
والآن وفي عام 2003 وفي ظل انتفاضة الأقصى، تثبت المرأة الفلسطينية أنها مازالت تسعى لترتقي بدورها النضالي في سبيل فلسطين، وكانت شهيدتا فلسطين وفاء ودارين مثال حي على استمرار نضال المرأة وانتقاله من جيل إلى آخر. وللتدليل على قوة تأثير دور المرأة الفلسطينية في النضال ضد الاحتلال الصهيوني، نستشهد بما صرح به أحد الحاخامات اليهود يوما :" أن المرأة الفلسطينية مصنع صغير للإرهاب ، وأقترح طرد النساء من الأراضي الفلسطينية لضمان أمن الإسرائيليين ."ربما نستشهد بكلمات الإسرائيليين للتدليل فقط على مدى الدور الذي تقوم به المرأة الفلسطينية والذي كثيرا ما أخافهم ، ولسنا بالطبع مع كلام ذلك الحاخام بأنها مصنع للإرهاب ، بل كانت دائما مصنعا للمقاومة والدفاع عن الحق الطبيعي لها ولابنها وزوجها وأخيها ولكل شعبها ، سنبدأ بتناول دور المرأة الفلسطينية في انتفاضة عام 1987 ، للوصول إلى رؤية مدى التطور الذي حدث على أدائها منذ الانتفاضة الأولى، لتقوم بدورها على أكمل وجه وفق ما تتطلبه القضية الوطنية وفي ظل كل الظروف ،ربما يخطر على بال الكثيرين أن هذا الموضوع لا يشغل أحدا في ظل سخونة الأحداث على الأرض ، ويغيب أن المرأة في فلسطين تشكل نسبتها أكثر من 50 % من السكان في ظل ظروف الاعتقالات والاستشهاد المتواصلة منذ زمن بعيد ، وهذا يعني أنها مسؤولة عن الكثير من الأمور ومهماتها ليست بسيطة لذلك لابد من التنبه لما تعانيه لتستطيع إكمال دورها كما بدأته والعمل على تطويره.
لقد اعتقدت الفصائل الفلسطينية في الانتفاضة الماضية في كانون الأول عام 87 ـــــ 94 وما قبلها وبشكل خاطئ أن تطوير الدور الكفاحي للمرأة الفلسطينية مهمٌ فقط في ظل الأحداث الساخنة، دون إعطاء هذا العنوان أهمية كبيرة في الظروف الاعتيادية مغفلين أن القضية الوطنية تتطلب تطوير دور كل عناصر المجتمع بشكل متكامل ليكون مهيئاً دائماً للنضال والتصدي للاحتلال، وأن الدور الكفاحي والسياسي للمرأة لا يمكن له أن يستمر ويتطور دون التصدي لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، فتطور دورها في هذه المجالات جميعا يعد شرطا أساسيا لتطور دورها الكفاحي والسياسي وتعزيزه ، وبالرغم من أن الحديث دار حينها ويدور الآن على تحويل الانتفاضة إلى نمط حياة ودليل عمل ، إن هذا شيء إيجابي جدا بالمعنى السياسي العام للقضية الوطنية ، ولكنه ضرب من الخيال إذا لم يترافق مع وضع برامج تنموية وديمقراطية تضع قضية المرأة الفلسطينية والمشاكل الاجتماعية عموماً والتي تعاني منها المرأة خصوصاً والمجتمع الفلسطيني خصوصاً على سلم أولياتها لتكون هذه المرأة قادرة على القيام بدورها بشكل متكامل مع العمل الوطني العام ، فقد جعلت الفصائل الفلسطينية الأطر النسوية وطوال كل مراحل النضال تقريبا في حالة تبعية لها مما غلب التباينات السياسية الموجودة بين هذه الأطر على القوا سم المشتركة بينها والمتعلقة بهموم المرأة وقضاياها ، دون التنبه لضرورة الربط بين النضالين الوطني والاجتماعي من خلال برامج حقيقية تعمل من خلالها الأحزاب بشكل حقيقي لتثبيت المفاهيم التي تساعد المرأة في حل مشاكلها وهذا ما يدلل عليه فقر قيادات وحتى قواعد هذه الفصائل للمرأة الفاعلة بشكل واسع ، طبعا هذه المشاكل سواء الاجتماعية منها أو الاقتصادية والسياسية ليست مقتصرة على المرأة الفلسطينية فحسب ، وإنما لا نبالغ لو قلنا بأن الجزء الأكبر من نساء العالم تعانين من مشاكل متشابهة مع الأخذ بالاعتبار طبيعة الدول وواقعها الخاص كلا على حدة ، ولكن للمرأة الفلسطينية خصوصية الآن في العالم العربي لأنها تعيش في حالة قهر مزدوجة ، ظروف الاحتلال الإسرائيلي القاهرة لكل الشعب الفلسطيني ومن ضمنه المرأة من جهة، وظروفها الاجتماعية التي تنسجم مع واقع المرأة العربية عموما من جهة ثانية ، ولكن واقع الاحتلال فرض على كل الشعب الفلسطيني الوقوف أمام دوره وتطويره من خلال مؤسساته القائمة للعمل ضد الاحتلال لتنفيذ المشروع الوطني الذي تتحمل المرأة الجزء الأكبر منه ، لكثرة ما على عاتقها من مهمات كبيرة لا يمكن لهذا المشروع أن ينجح دون قيامها بها . فبالرغم من الدور الإيجابي الرائع والبطولي الذي قامت به المرأة الفلسطينية في تلك الانتفاضة في التصدي لقوات الاحتلال ، إلا أن نظرة المرأة نفسها لدورها ولنفسها بقيت في حينه في إطار النظرة المحافظة التقليدية القائمة على أساس تقسيم العمل الجائر بين الذكر والأنثى ، مع أن العمل الذي قامت وتقوم به ليس أقل مما يقوم به الرجل ، بل في كثير من الأحيان يتجاوزه ، ولكن هذا التقسيم بسبب نظرة المجتمع للمرأة ، والتي بقيت أسيرة الآفاق الضيقة التي لا تساهم في تطوير وعيها وزيادة مشاركتها في صنع القرار السياسي الوطني والاقتصادي والاجتماعي ، وهذا طبعا لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها وإنما يرتبط بكثير من القضايا منها التربية والتعليم والمنهج الاجتماعي السائد .
بالرغم من أن الانتفاضة كانت قد خلقت في حينه تغييرا كبيرا كان يمكن أن يعكس نفسه لإحداث تغيير حقيقي على صعيد المنهج التربوي والتعليمي بغياب سلطة أجنبية وبتغيير حقيقي على صعيد ميزان القوى المحلي لصالح القوى الوطنية ، فازدواجية السلطة تلك كان يمكن لها أن تفسح المجال أمام بدايات جديدة لتغيير اجتماعي وخاصة على صعيد نظرة المجتمع للمرأة الفلسطينية وطريقة تربية الجيل ، في ظل دور المرأة البارز جدا على الصعيد الميداني ، ولكن ما حققته الانتفاضة حينها لم يستغل بشكل جيد لتحقيق ذلك ، لأنه و للوصول إلى تلك النظرة كان لابد من سيطرة القوى الوطنية الفلسطينية ،والتي تعتبر أن موضوع المرأة من أوليات عملها ، كان لابد من سيطرة تلك القوى على سير المناهج الدراسية ومحاولة سيطرتها على منظومة القيم والأخلاقيات الاجتماعية ، فالعلم هو الأساس في مواجهة التخلف وفلسفات القمع التي تمارس ضد المرأة من قبل مجتمعها .ولكن القوى الوطنية الفلسطينية ،وبالرغم من إدراكها ووعيها لأهمية إشراك المرأة في النضال من أجل التحرير ، لم يعكس هذا وعيا موازيا لديهم بضرورة تحرير المرأة من التقاليد والأعراف التي تحول دون اشتراكها الفعال في الثورة وبالنضال الوطني بشكل دائم ، إن مسألة تحرر المرأة الفلسطينية تأثرت بالنهوض الوطني أكثر من تأثرها بعوامل أخرى ، لذلك نرى وضعها يتعرض لردات نسبية حسب طبيعة المرحلة ، فلم تستطع الحركة النسوية الفلسطينية عامة والجماهيرية أن تترجم العلاقة الجدلية التي تربط قضايا المرأة الاجتماعية مع النضال الكفاحي الجماهيري ، بل اعتبرت هذه الحركة نفسها ذراعا كفاحيا للقيادة الموحدة دون أن تتنبه لصياغة برنامج اجتماعي يتناول قضايا المرأة ويعمل على حل بعض إشكالياتها ، طبعا كل هذا لا يقلل من أهمية ما تقوم به هذه الحركة لتطوير ذاتها، والذي نستطيع تلمسه الآن وبوضوح فقد لوحظ في تلك الانتفاضة أن نشاط المرأة السياسي والاجتماعي والتعبوي والجماهيري تراجع حين تراجع دور الأشكال التنظيمية الجماهيرية الديمقراطية للانتفاضة مثل لجان الأحياء واللجان الشعبية التي كان للمرأة دور رائد فيها ، وفي ظل تراجع الطابع الجماهيري للانتفاضة واقتصار النشاط السياسي والكفاحي على الفصائل الفلسطينية الأساسية ، كل هذا قلل من فرص إثبات شرعية مطالبتها بتحررها الاقتصادي والاجتماعي الذي سيساهم بشكل مؤكد في تفعيل دورها بشكل أكبر في الدفاع عن القضية الوطنية ، طبعا لا يمكننا إغفال دور بعض الحركات السياسية والاجتماعية السلفية التي ظهرت وبدأت تدعو لفصل المرأة عن الرجل بالحياة العامة والمحافظة على نظام القيم والتقاليد السائدة خوفا من أي غزو حضاري يمكن أن يساهم في تحسين وضع المرأة التي تمثل أضعف القطاعات الموجودة في المجتمع، لذلك كانت أكثر تأثرا بهذه التيارات من القطاعات الأخرى، إضافة إلى أن ضعف برنامج القوى الوطنية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ساهم في ازدياد نفوذ هذه الحركات وتأثيرها على المجتمع الفلسطيني .

بالتأكيد كل هذه الظروف لم تحل دون أن يكون للمرأة دور حقيقي وفعال في انتفاضة الأقصى فهي الجندي المجهول الذي من المؤكد أنها استطاعت أن تستفيد من تجربتها السابقة لترتقي بدورها سواء الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ، فهي زوجة الشهيد أو الجريح المطالبة اليوم وفي ظل عدد الشهداء والجرحى المتصاعد ، بأن تكون المعيلة الأساسية للأسرة ، والأم التي تحاول أن تربي أطفالها بطريقة سليمة بالرغم من الظروف القاسية التي يعيشها هؤلاء الأطفال من خلال ما تسببت به ممارسات الاحتلال الصهيوني لهم من إصابات نفسية أو جسدية ، إضافة إلى دورها الهام الذي تقوم به في الإعلام عن طريق عملها على الانترنيت لإيصال صوت شعبها وقضيتها إلى العالم ومن خلال تربيتها وتعليمها لطلبة المدارس كمعلمة ،والكثير الكثير من المهام التي تشكل بناء تحتيا داعما حقيقة لهذه الانتفاضة ، ولكن يبقى السؤال هل ستتنبه القوى الوطنية والإسلامية إلى هذا الدور وتقوم بتفعيلة والعمل على وضع البرامج المناسبة للارتقاء به بما يتناسب وأهمية دور المرأة الفلسطينية في النضال الوطني ، هل سيتنبهون إلى ضرورة تحرير المرأة لاختصار الطريق لتحرير الوطن ؟؟؟؟؟؟ أسئلة مفتوحة وتحتاج لأجوبة حقيقية من هذه القوى في ظل هذه الفرصة التاريخيةـــــ انتفاضة الأقصى ـــــ لأنه لن يكون هناك فرصة أفضل من هذه لترتيب الأوراق الفلسطينية المبعثرة، وتحديد المواقف ووضوحها ابتداء من موضوع المرأة وانتهاء بالمشروع الوطني العام والأهداف المطلوب تحقيقها من الانتفاضة ، حتى لا تبدو هزيلة أمام كل هذا الدم ..
أخيراً وليس آخراً … أتمنى حقيقة بأن يطرح كل منا سؤال بديل عن السؤال العاجز " وماذا أستطيع أن أفعل؟؟" بل أن يكون السؤال بصيغة أخرى تمتلئ رغبة حقيقية في البحث " ماذا يجب علي أن أفعل؟ وماذا أمتلك من قدرات تمكنني من التخلص من حالة العجز؟؟؟".