ماهر وغسان وتاريخ في مقبرة
رجاء رنتيسي
الإهداء: إلى من نسوا، تناسوا أو ولوا هاربين من ذاكرة في مقبرة :
ماهر وغسان يتجاوران في مقبرة وعلى قبر كل منهم صورة ورقم وحفنة تراب من وطن.
ماهر عبد الجواد صالح، غسان كنفاني يتجاوران في مقبرة تركت شاهداً على تاريخ بندقية لم تصب هدفها النهائي. في المقبرة نفسها أسماء حفرت على شواهد حجرية لمن كانوا يوماً من لحم ودم ولم يبقَ منهم سوى أسماء وبعض أرقام. صور لم تحتفظ بملامح أصحابها علقت على شواهد بعض القبور. وبقية الساكنين الصامتين تحت التراب لم يبق على شواهد قبورهم ما يرسم صورة لملامحهم فباتوا مجرد شاهد ورقم. أشجار تظلل بعض القبور، وقبور أخرى تنكشف لحرارة الشمس وقسوة الريح فلا ظلال ولا ماء يروي ظمأ مشتاق باحث عن بقايا كرامة لذاكرة في جنازة.
مقبرة الشهداء في مخيم شاتيلا، تترامى بأطرافها مابين شاهد على مذبحة وشاهد على لجوء مذلً في أكوام صفيح سميت "صبرا" وكأن الأرض حفرت اسماً يطبع حال ساكنيها الصابرين على طول المسافة للوطن. نسير بين الأزقة الممتلئة برائحة تراكم الألم المختلط ببطولة اندثرت في أزقة مخيم طال فيه فعل الانتظار حتى أصبح حياة. هنا عالم يعيش انتظاراً أبدياً لعودة أصبحت تبدو مستحيلة. من نهاية الشارع الرئيسي للمخيم تظهر المقبرة بأشجارها الوارفة والقبور المكدسة في حناياها.
نخطو خطواتنا الأولى باتجاه الصامتين منذ أزل، شعور اعتراني أنني أعبر بوابة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. رأيت عيونا تبرق حياة وتطل من فوق القبور، صدحت أغاني الثورة في رأسي" جر المدفع فدائي لا تستنى طيارة"، اِشهد يا عالم علينا وعَ بيروت"، تزاحمت كلمات الأغاني ممتزجة بأبيات شعرية لمحمود درويش في رأسي وعلت حتى بدا لي أن حماستي أيقظت صمتهم الأزلي فسمعتهم يرددون معي ذات الأغاني والأشعار وكأننا في احتفالية إعادة الروح لقضية باتت في مقبرة. اتجهنا إلي قبر ماهر، إلى حيث سكن دهراً أو دهرين في قبر روِّس برقم 158 ومن دون أن نعي كيف وصلنا وجدنا أنفسنا نقف أمام الرقم والاسم المحفور بخطوط واهية. ها هو هنا ينتظرنا منذ أن غادر ولم يعد. بقي يرقب الأيدي التي وعدت حين أودعته التراب أن تراب بيروت مؤقت وأن عينيه ستمتلئان بتراب فلسطين قريباً. أخرجنا ما أحضرناه من تراب الوطن معبأ في قارورة حملناها في حقيبة سفر. نثرناه ومن بين الدموع صحنا بأعلى صوت" لم نف بالوعد، لا تسامحنا" .
لا تسامحونا، أنتم يا ساكني المقبرة، لا تسامحوا ما اقترفنا من نسيان أو تناسٍ أو هروب إلى الأمام. لا تسامحونا إننا نعلم أنكم هنا منتظرين ونحن هناك أيضا منتظرين أن ينقلكم الريح غبارا يحط على جبال اسمها فلسطين. لا تسامحونا كي نتذكر أننا قد متنا معكم يوم أن أودعناكم ترابا ونسيناكم أسماءً وحتى أرقاماً. لا تسامحونا فهنا في بيروت محيت أرقام قبوركم وهناك في فلسطين حفرت أسماؤكم أرقاماً لا يعرف أصحابها سوى قاتلكم. لا تسامحونا لأننا نود لو تفعلون فنرتاح من عبء النسيان.
اليوم الثامن من تموز. هنا يرقد غسان، مرقده مظلل بشجرة صنوبر، اسمه على القبر واهٍ متعطش لبعض من الحبر يبرز أحرفه، وصورة بهتت وهي تنتظر من يمسح عنها غبار الزمن. هل استدعانا غسان كي نروي بعضاً من عشقه لحبر أساله بسخاء على صفحة وطن استشهد من أجله؟ هل أوحى لنا كي نكون هناك في ذكرى هذا اليوم يوم أن تذكر القاتل أن الكلمة أقوى من جبروته فانقض على الكاتب العاشق واختطف من فمه ما بقي من أحاديث يرويها عن حيفا. لم يحتمل القاتل أن تبقى حيفا رواية يرويها غسان فاختار أن يجتث قلمه أملاً أن يرتاح من عبء ذاكرة في رواية. لبينا نداء غسان وروينا ظمأ انتظاره ليد ترسم على قبره بعرق اختلط بتراب فلسطيني اسماً لعاشق حيفا، ربما يكون الرسم والصورة تجديداً لحالة وعي لحق تاريخي في امتلاك شرفة على كرمل حيفا. هنا يرقد غسان ولكن لا يرقد بسلام، فحيفا لا تزال تؤرق نومه الأبدي . وهناك ليس بعيداً يرقد كمال ناصر، كمال عدوان وأبو يوسف النجار. على بعد خطوات يرقد ماجد أبو شرار، ولميس نجم. إلى الأمام قليلا وعلى قبر بلقيس حببية نزار تخلد كلمات شاعر عاشق قهره الموت فتنحى عن القول بعد تلك العبارة على قبر حبيبته" بلقيس...يا عطراً بذاكرتي....يا زوجتي....وحبيبتي.....وقصيدتي، نامي بحفظ الله...أيتها الجميلة...فالشعر بعدك مستحيل... والأنوثة مستحيلة".
في وسط المقبرة نصب تذكاري لشهداء تل الزعتر يحاذيه ضريح الأب الروحي لنفس الثورة الأول الحاج أمين الحسيني. في هذه المقبرة تاريخ يروي حكاية أجيال ولدت ولكن لم تمت قبل أن تكون نداً. في مقبرة شاتيلا، انتظار، انتظار طويل ومساحات تضيق يوماً بعد يوم. في مقبرة شاتيلا ليس هناك سوى صمت يخيم على ساكنين ليس لديهم من يتذكر شوقهم الجارف لحفنة تراب تأتيهم من الوطن.