وثيقة سوفير3
البعد الديموغرافي- انعكاسات جيوسياسية
في المعطيات الديموغرافية الخطرة التي يعرضها جدول رقم 1 لا يمكن لأي اتفّاق بين إسرائيل والكيان الفلسطيني أن يكون ثابتًا. لن يكون ممكنًا منع نزاعات حدوديّة - ستظهر على خلفيّة قوميّة، لكن بالأساس على خلفيّة اقتصاديّة - ديموغرافيّة. صعوبات أخرى قد تعترض طريق اتّفاق من هذا القبيل هي توقعات سيطرة إسلاميّة على الأماكن المقدّسة، وسيطرة عربيّة على مصادر المياه، وتفكيك كل المستوطنات اليهوديّة في مناطق السلطة الفلسطينية (أي، العودة إلى 1967)، كذلك سيكون أمرًا مركّبًا جدًا تشغيل الممرّات الواصلة بين قطاع غزّة وجبل الخليل وجبال السامرة بشكلٍ سليم. ومن بين الصعوبات الكامنة في الطريق إلى هدوء نسبيّ في علاقات اليهود - والفلسطينيّين يجب أن نذكر أيضًا عنصر عرب إسرائيل المعقّد.
جدول 1: تركيبة السكان في ارض اسرائيل (بالآلاف) سنة 2000 وتوقعات لسنة 2020
:الحاجة إلى حماية من هجرة عربيّة لداخل إسرائيل
مساحة أرض إسرائيل الغربيّة صغيرة نسبيًا بالقياس ببلاد أخرى ذات عدد سكّان مماثل. تشكّل 60% من مساحتها مناطق صحراويّة أو نصف مقفرة، ومن الصعب إقامة تجمعات سكنية فيها، خاصّة في ظلّ غياب مصادر مياه تسمح بتحويلها الى مناطق خضراء. 42% من مساحة إسرائيل هي مناطق جيش وأمن، من بينها هضبة الجولان، وعلى طول شواطىء البلاد، وفي المناطق المسيطرة على قمم الجبال، وفي السهول (عن طريق المطارات وقواعد الجيش الكبيرة).
النتيجة هي، أنّ أرض إسرائيل شماليّ بئر السبع، هي من المناطق الأكثر اكتظاظًا في العالم وسيكون من الصعب عليها استيعاب مئات آلاف المهاجرين دون إيذاء جودة الحياة. المساحة الصغيرة يجب حفظها لقدوم اليهود.
يقارن الكثير من المخطّطين بين هولندا وإسرائيل، في حين أن قصدهم القول أن هذا العفريت ليس رهيبًا لهذه الدرجة. صحيح أن هولندا مكتظّة أكثر من اسرائيل (في سنة 2000)، لكن الازدياد الطبيعي في هولندا قريب من الصفر، هولندا ليست صحراوية أو شبه صحراوية، وجاراتها - ألمانيا، بلجيكا، لوكمسبورغ- تشببها في توجهاتها الغربيّة، وفي دينها (المسيحي) وفي دخل الفرد فيها، وجميعها متحّدة معها في سوق اقتصادية مشتركة. منذ الحرب العالمية الثانية لا يوجد لهولندا سبب للخوف من طموحات جاراتها الإقليمية.
يختلف وضع إسرائيل كليّةً. الازدياد الطبيعي فيها هو من الأعلى في العالم، وبينها وبين جاراتها- سوريا، الاردن، مصر ومعها العراق، السودان وباقي العالم العربي- تسود فوارق اقتصاديّة ودينيّة واجتماعية وقوميّة كبيرة.
.jpeg)
خريطة رقم 2: الزحف السكاني في الحاضر وتوقعات بخصوص اليهود والعرب في "أرض إسرائيل"
بينما نجد أن غالبية المجتمع التي تعيش داخل حدود إسرائيل هي مجتمع غربيّ متطور، وقادرة على إيجاد الحلول للنقص في المياه، وفي المساحات والصناعة، ها هو المجتمع الذي يعيش في باقي أجزاء أرض إسرائيل غير مستعدّ لحلّ مشاكله وخاصّة ازدياده الطبيعي الحالي الضخم. وتظهر التجربة في أماكن مختلفة من العالم، تتواجد فيها فروقات مثل هذه، أن أوضاعًا كهذه قد تشهد "زحفاً" لمجتمع فقير إلى المنطقة الأكثر غنى (انظر خريطة رقم 2). لدينا، علاوة على الفروقات المذكورة أعلاه، ظروف تسهّل زحفًا من هذا القبيل: حدود مخترقة بين إسرائيل ويهودا والسامرة ("الخط الأخضر")، ومجتمع فلسطيني يتماثل مع إخوته من الشرق، وطلب إسرائيل للأيدي العاملة الرخيصة، ورغبة الشعب الفلسطيني في تطبيق حق العودة ولمّ شمل العائلات. النتيجة هي أنه من المحتمل أن تُغْمَر إسرائيل بالعرب، إلا إذا اتخذت خطوات دراماتيكيّة جدًا لإيقاف هذا التوجّه.
إذا تابعنا التغييرات الطارئة على تصميم الحدود الإسرائيلية، سنكتشف أن للعامل الديموغرافي وظيفة مركزية في ذلك. نبدأ بقرار الأمم المتحدة من 1947 (قرار 181) الذي حدد حدود تقسيم البلاد حسب تجمعات السكان اليهود مقابل تجمعات السكان العرب. في أعقاب "حرب التحرير" (1948) حدثت في أرض إسرائيل تحركات سكانية كبيرة، لكن في خريطة توزيع المجتمع اليهودي/العربي طرأت تغييرات فقط في الهامش: مجتمع يهودي استبدل مجتمعًا عربيًا كان من قبل، في المنطقة الواقعة جنوبيّ غديره وحتى قطاع غزة والنقب الشمالي، وأمر مماثل حدث في ممرّ القدس. باستثناء التغييرات السكانية في هاتين المنطقتين إلى جانب عدة تغييرات أخرى، تجميليّة فقط، فإنّ المجتمع اليهودي/العربيّ موزّع في البلاد مثل توزيعه في خريطة التقسيم. لم تؤدّ حرب الأيام الستّة، باستثناء تغيير في تركيبة المجتمع في غور الأردن بين الجفتلك وأريحا، إلى تغييرات ملحوظة في الخريطة المذكورة أعلاه. منذُ حرب الأيام الستّة يحتلّ موضوع تصميم الحدود الثابتة للدولة محور خلافات عاصفة في المجتمع الإسرائيلي، ولسوف يحسم مصيره هذا النقاش أيضًا بواسطة الاعتبارات الديمغرافيّة. فكرّة "أرض إسرائيل الكاملة"، التي رُفِعَت كعلم من جانب أقسام كبيرة في المجتمع الإسرائيلي، آخذة بفقدان وزنها وقابليتها للتطبيق في مواجهة الواقع الديموغرافي في قطاع غزة، وفي المناطق المأهولة بالفلسطينيين في جبل الخليل وتلال السامرة. في سنوات الـ 90 تقلّصت هذه الفكرة فقط إلى حد الاكتفاء بضمّ منطقة رفح وغور الأردن لاعتبارات أمنيّة، والى حد ضمّ 10%-20% من مساحات قطاع غزة ويهودا والسامرة، التي تشمل عدة معالم بارزة ذات دلالة دينيّة، وبالأساس بسبب كتل الاستيطان اليهوديّة الكبيرة المتواجدة هناك.
أدت التغييرات الديموغرافية التي حدثت في أرض إسرائيل كلها، بخاصة داخل حدود الخط الأخضر، إلى ولادة أفكار سياسيّة جديدة: هنالك من يؤيِد حق تحويل دولة إسرائيل إلى دولة كل مواطنيها" في حدود "الخط الأخضر"، وهناك من يؤيِد حقّ إقامة "دولة كل مواطنيها" في نطاق أرض إسرائيل الانتدابية كلّها، وهناك من يدّعي بأنه طالما لا يوجد لإسرائيل شريك جاد للمفاوضات على التسويات النهائية، وبافتراض أنّ الزمن ليس لصالحها من ناحية ديموغرافية، على إسرائيل أن تقرر بنفسها حدودها الحيويّة، لاعتبارات أمنيّة وديموغرافية، وعليها أن تبادر الى الانفصال بشكلٍ أحاديّ الجانب عن باقي مساحات أرض إسرائيل.
خطر فقدان مناطق جغرافيّة مثل الجليل، المثلّث والنقب الشمالي من دولة إسرائيل وعودة محتملة لبرنامج التقسيم (181).
.jpeg)
جدول رقم 4: مجتمع شمالي البلاد
حسب خريطة التقسيم من العام 1947 كان من المفترض لمناطق معيّنة أن تكون فلسطينيّة - في مركز الجليل، وفي جنوب المثلث الصغير، وفي وادي عارة وفي التفافيّ بئر السبع. على الرغم من الجهود المبذولة لتهويد الجليل، إلا أنّ مركز الجليل يحتوي اليوم على ما لا يزيد عن 33% من اليهود (انظر جدول رقم 4). في جنوب المثلث ثمّة انجازات يهوديّة بفضل مستوطنات "النجوم"، لكن في منطقة وادي عارة وفي منطقة إلتفافيّ بئر السبع هناك أغلبيّة عربيّة.
لأنّ الساعة الديموغرافيّة مستمرّة في التكتكة بوتيرة أسرع من وتيرة اتخاذ القرارات القوميّة، يمكننا الافتراض بأنّ تهويد المناطق المذكورة أعلاه يتم ببطء وأنّ الديموغرافيا الفلسطينيّة تفوز. ثمّة خوف من أنه في لحظة معيّنة، بسبب أزمة اقتصادية أو حدث عنيف، تبدأ هجرة جماعية يهودية من أحد هذه المناطق، عندها من المحتمل أن تفقد إسرائيل هذه المنطقة. يجب القيام بكل جهد لمنع وضع من هذا القبيل، وذلك بالتخطيط وللتنفيذ الناجع للتوزيع السكاني للمجتمع اليهودي، وبسرعة.
:ديموغرافيا وتمدّن حول حدود إسرائيل وبداخلها
.jpeg)
خارطة رقم 3: مراحل تمدين حول حدود إسرائيل
في أعقاب الازدياد السكاني السريع في الشرق الأوسط تتغيّر أيضًا الطبيعة المادية للشرق الأوسط: من طبيعة قرويّة زراعيّة مفتوحة إلى طبيعة قرويّة - مدنية مكتظّة. هذا هو تغيير يحدث، وسيستمر بالحدوث، في كل الشرق الأوسط وخاصّة حول إسرائيل وفي داخلها.
يمكننا في خريطة رقم 3 أن نرى تطوّر المساحة المبنيّة، ابتداءً باللاذقيّة في سورية، عبر شواطىء لبنان، انتقالاً لإسرائيل من رأس الناقورة وحتى العريش ومن هناك الزحف المدنيّ المتواصل في اتجاه قناة السويس. تطورات مماثلة تحدث في جبال يهودا والسامرة، وفي القطاع الشرقي للأردن، وفي حوض دمشق، وفي كل هضاب شرق الأردن من اليرموك وحتى الجنوب إلى مأدبا. وأيضًا حول خليج إيلات. في السهل الساحلي يتبلور تواصل مدنيّ يمتدّ على طول مئات الكيلومترات. تلقى عمليّة التمدين في الوسط العربي طابعًا "وحشيًا" نابعًا من غياب سياسة تخطيط، وبالأساس من غياب رقابة وتطبيق لقوانين البناء (لا من جانب الحكومة ولا من جانب السلطات المحليّة). كل واحد يبني كما يروق له ولهذا نجد بناءً "وحشيًا" على طول شارع وادي عارة، مثلاً، وفي المدّ البدوي حول بئر السبع، نشأت مئات التجمعات المبعثرة وغير القانونيّة، المنتشرة في كل صوب.
سوف تضطر مراحل التمدين التي تحدث حول إسرائيل وبداخلها، "جيش الدفاع الإسرائيلي" على تغيير مفاهيمه الأمنيّة. لقوة التدريع، مثلاً، لن تكون قدرة تحرّك ومناورة في المناطق المدنية داخل البلاد أو خارجها، لذلك، واضح بأنه يجب تقليص نطاق هذه القوة واستبدالها بقوى أخرى. لا يجب أن يخطر في البال أيضًا خروج "جيش الدفاع الإسرائيلي" لاحتلالات خارج إسرائيل، وبالتأكيد ليس لاحتلال مدن كبيرة ومأهولة بملايين الأشخاص مثل دمشق، بيروت، الخليل أو غزة.