وثيقة سوفير1
اسرائيل: ديموغرافيا 2000-2020
مخاطر واحتمالات
ترجمة وتقديم: محمد حمزة غنايم
أوراق اسرائيلية
إصدار: مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية
كيف أصبح استاذ الجغرافيا في جامعة حيفا، البروفسور ارنون سوفير، المنظّر الأول للإنفصال أحادي الجانب عن الفلسطينيين، وأكثر الأشخاص الإسرائيليين المقتبس عنهم لدى صناع السياسية في إسرائيل- صيف 2001؟
هذه ظاهرة تراكمية اخرجها الجمود السياسي الى السطح، يقف أكثر من سبب مباشر وراءها، منها كون الشخص يفضّل على ما يبدو لعب دور "نذير الشؤم" في معادلة الميزان الديموغرافي المتراجع في غير صالح الدولة العبرية، مكرسًا أبحاثه الأكاديمية في خدمة القائلين بسياسة الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كشكل متقدم من أشكال "إدارة الصراع" بينهما.
قبل شهور، (في عام 2000) نشر سوفير دراسة مستفيضة في هذا الموضوع بعنوان "إسرائيل: ديموغرافيا 2000-2020- مخاطر وامكانيات"، توصل فيها الى أن 42% فقط من اليهود، مقابل 58% من العرب، سيعيشون في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر في سنة 2020، من مجموع 15.2 مليون نسمة، لذلك استنتج محذرًا أنه من دون الفصل، سيختفي الكيان الصهيوني عن الخريطة خلال سنوات؟!
سرت هذه الأرقام كالسم، في دولة تعبد النسب المئوية والأرقام، وقبل أسابيع، بدأ سوفير منتشيًا أمام كاميرات التلفزيون أثناء استعراض استنتاجاته في الكنيست، بدعوة من "لجنة الخارجية والأمن البرلمانية"، وبموجب "هآرتس" (8/19)، فقد اقتنع رئيس اللجنة عضو الكنيست دان مريدور بأنّ المعطيات الديموغرافية تلزم إسرائيل بالانفصال عن المناطق، وسريعًا.
كانت استنتاجات كهذه كفيلة بأن تحفز اريئيل شارون لمراجعة خرائط سوفير حول الفصل، وذكرت الصحيفة ذاتها أنّ وزير "الدفاع"، بنيامين بن اليعيزر، تلقى البحث، وأنه يحتفظ به في مكتبه بالوزارة، بل ان أعضاء "مجلس الأمن القومي" برئاسة الجنرال عوزي ديان، اصطحبوا سوفير قبل أسابيع في جولة الى مناطق "خط التماس" في منطقة المثلث ووادي عارة، "ليروا عن قرب كيف شُطبت الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية، وكيف أن الفلسطينيين من المناطق يزحفون نحو إسرائيل، وأنّ البناء غير القانوني يغمر المنطقة" ("هآرتس"، 8/19).
لم يكن الواقع الديموغرافي وحده ما قلب ظهر المجن لأصحاب فكرة "الأغلبية اليهودية في أرض اسرائيل"، وجعل من النقاش في طابع وماهية هذه الأغلبية نقاشًا حول مستقبل إسرائيل كدولة في الشرق الأوسط. فهناك الواقع السياسي المعقد أيضًا، الناجم عن تشبث الإسرائيليين بأرض الميثولوجيا اليهودية، وتبنيهم نهج اليمين في "محاورة" الفلسطينيين، الأمر الذي خلق وهم انعدام فرص الحل في الوقت القريب، والجسر على الفوارق في مواقف الحد الأدنى لدى الطرفين، وبخاصة في قضايا لاجئي 48 والقدس والمستوطنات. مثل هذه التحولات، سطحية كانت أم عميقة، تتطلب أن تتبنى إسرائيل استراتيجية قومية تحدد بموجبها أهدافها المباشرة، وتمكنها من استخلاص خطوات عملية حتمية. "ذلك ضروري للتصدي لبعض التوجهات السلبية في الواقع الحالي التي تعرّض أهم مصالح إسرائيل القومية للخطر، لكي نخلق واقعًا ونحدث تغييرات تخدم متطلبات الدولة وتحسن قدرتها على المساومة في مجابهتها المتواصلة مع خصومها العرب، في ظل غياب تسوية دائمة أيضًا" (دان شفطان: "حتمية الفصل"، 21). لذلك لا بدّ لهذه "الاستراتيجية القومية"، من التركُّز في الانفصال عن الفلسطينيين والمناطق التي ستكون بحوزتهم.
غياب التسوية الدائمة، أو على الأصح- تغييب التسوية الدائمة، هي القاعدة التي تجعل من "لوبي سوفير" في السياسة الإسرائيلية يكبر، وتكبر معه فكرة الفصل في رؤوس عدد كبير من السياسيين، الذين وجد بعضهم نفسه منجذبًا للفكرة في أعقاب العمليات الانتحارية، التي رفعت وتيرة المطالبة بعزل الفلسطينيين عن إسرائيل(أي: حبسهم في معتقلات كبيرة مسيّجة)، في محاولة للحد من هذه العمليات، وفي ذلك فإنّ سوفير يلجأ الى التهديد بالخطر الديموغرافي كسياسي من النوع الرديء، وليس كأستاذ جامعي "موضوعي". عبر هذه البوابة-التهديد الديموغرافي- دخل عضو الكنيست حاييم رامون، المبادر الى تأسيس "الحركة من أجل الفصل أحاديّ الجانب"، الذي توصل الى أن سوفير متفائل بالقياس بالباحث المقدسي في الديموغرافيا، البروفيسور سرجيو دي لا فرغولا، الذي يتوقع أغلبية عربية في البلاد في مرحلة مبكرة- سنة 2010، أي.. بعد أقل من تسع سنوات!
لسنا هنا بصدد تتبع سيرة سوفير الأكاديمية، وسنكتفي بالقول أنه اكتسب شهرته من هذا الاشتغال المعين بالصراع، منتقيًا بحرص كبير موضوعاته المفصلية- المياه، الحدود، العرب في اسرائيل، والديموغرافيا- من حقل الجغرافيا السياسية، في منطقة تشتعل فيها الجغرافيا والسياسة في آنٍ.
في شباط 2001 بادر "المركز متعدد المجالات" في هرتسليا (وهي مؤسسة بحثية حديثة العهد نسبيًا، احتضنت مختلف الجنرالات المتقاعدين من الجيش أو الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وعددًا كبيرًا من "خبراء" الصراع والأساتذة الجامعيين، وأقامت لها "مركزًا لدراسة الإرهاب"، وباتت من أهم المراكز البحثية هنا، في تطلع واضح للتأثير على صانعي القرار في إسرائيل)، إلى عقد مؤتمر دراسي-سياسي بتطلعاته تحت عنوان "ميزان المناعة والأمن القومي"، بمشاركة مجموعة كبيرة من الشخصيات السياسية والأمنية والأكاديمية (صدرت تلخيصات المؤتمر عن "مدار" ضمن أوراق اسرائيلية رقم 5 ) – ("عرب 48" ينشر هذه التلخيصات في باب الوثائق الاسرائيلية)، وأمام عدد كبير من قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين (من شارون وبيرس وباراك، مرورًا بنتنياهو وموفاز، وانتهاءً بأفرايم هليفي رئيس "الموساد")، أطلق سوفير تحذيراته السافرة، من أن "الساعة الديموغرافية حول إسرائيل تتسارع بوتيرة الفهد، بينما يتسارع اتخاذ القرارات القومية بوتيرة السلحفاة، في أحسن الأحوال"!
بين "فهد" و"سلحفاة"، تحتفظ "الساعة الديموغرافية" في عرف سوفير بمعنى واحد: تزايد نسبة المواليد العرب في إسرائيل وفي أراضي الدولة الفلسطينية، أو في "أرض إسرائيل الغربية"، إن شئتم، لذلك استنتج ما يلي: "بإمكان النزاع أن يتواصل، لكننا نتناقص مع المزولة (الساعة الرملية) الديموغرافية، لذلك يجب على إسرائيل اتخاذ قرار شجاع وصعب للغاية، والمبادرة بفصل احادي الجانب".
الفصل كشرط لـ"إدارة الصراع"
تحتفظ خريطة الفصل، حسب سوفير، بحوالي 40% من أراضي الدولة الفلسطينية تحت السلطة الإسرائيلية، "حتى يوافق الفلسطينيون على العودة الى المفاوضات من دون إطلاق نار". يبدو أن الانتفاضة "اقنعته" بأنه "من السابق لأوانه التخلي عن غور الأردن، في ضوء ما يتهدد إسرائيل من مخاطر المجابهة الاقليمية". لذلك يقترح ترسيم خريطة الفصل مراعاة للمصالح الإسرائيلية، "تمامًا كما نحافظ على مجال إسرائيل الجوي الحيوي". القدس الكبرى ، بموجب هذه الخريطة، باقية داخل الخط الإسرائيلي.
لكن "المطبّ" الرئيسي في خطة سوفير كامن في اقتراحه تفكيك قرابة أربعين مستوطنة معزولة، وبضمنها مستوطنات مركزية لحركة "غوش أمونيم" الاستيطانية في الضفة، مثل بيت ايل، عوفره، بساغوت، والون موريه (منعًا لوقوع مجابهة مع المستوطنين، يقترح سوفير الاتفاق مع قياداتهم لإتمام عملية التفكيك). من شأن هذه الفكرة أن تغضب اليمين الإسرائيلي بالتأكيد. أما اليسار الصهيوني فسيجد صعوبة في هضم اقتراح سوفير اجراء "تبادل" في السكان (ترانسفير، يعني!)، ينتقل المثلث بموجبه الى المجال الفلسطيني! هناك اكتظاظ سكاني خانق في المثلث المركزي بموجب سوفير، في منطقة أم الفحم بالذات، تدل استنتاجاته على وجوب "التخفيف" منه. (واضح طبعًا كيف ان سوفير يطرح أفكاره، ويصبها في مناخٍ مشبع بالعنصرية، دون أن يسأل أحدًا من العرب القاطنين فيه عن رأيهم في أفكاره، أو كيف سيكون رد فعلهم على هذه الأفكار الترانسفيرية الجهنمية).
حتى الآن، لم يبدأ النقاش في موضوع الانفصال عن الفلسطينيين بالطريقة التي يعرضها هذا الأستاذ الجامعي "الوطني"، الذي "عبّر الخطوط"، وخرج منافحًا عن "مصلحة القبيلة". حاليًا، يرفض شارون وبيرس وبن اليعازر الفكرة بشدة، باعتبارها "فكرة غير عملية وضارة"، ولكل واحد أسبابه. فالأول رغب بالاحتفاظ بالمستوطنات كلها في أماكنها، بينما يريد بيرس التوصل الى تسويات مع حدود مفتوحة، مكتفيًا من جانبه بـ"ادارة الصراع"، انسجامًا مع أفكاره المحلقة حول "المتوسط الجديد"، أما يوسي بيلين، أحد "العقلاء" القلة المتبقين في معسكر اليسار الصهيوني، فيعارض الفصل، محذرًا من أن الأراضي التي ستضمها إسرائيل اليها بعد انتزاعها من مناطق القدس والضفة، قد تتحول الى جوهر الخلاف مع الفلسطينيين والمجموعة الدولية، وتصبح سببًا لاستمرار الصدامات.
بين هذا وذاك، تبنّى أنصار الفصل هذا الاستاذ الجامعي بحرارة، وهم يقتبسون "أرقامه السحرية" باعتبارها "تبريرا فورياً ولازمًا لمفاهيمهم" (الوف بن، "هآرتس" 8/19)، مؤملين التوصل الى الانجازات التالية: بعد الفصل ستتمكن إسرائيل من الدفاع عن الخط الجديد، ومنع تسلل الفلسطينيين اليها، والأهم من ذلك كله: وقف الزحف الديموغرافي في المناطق الحدودية(خطوط الرابع من حزيران 67)، الذي يشطب الفواصل بين فلسطينيي الضفة الغربية وعرب المثلث والجليل.
---------------------
العلاقة الطردية بين الفصل و"الفوضى"
لم يكن ارنون سوفير وحيداً في طرح فكرة الفصل، ويمكن القول أن تطور الواقع الديموغرافي السياسي في البلاد، خلافًا لتطلعات المشروع الصهيوني، عمّق المخاوف من الزحف العربي على الدولة اليهودية، بعد أن تبلورت تجمعات سكانية عربية فلسطينية في مناطق التّماس بالتحديد، محولة بعض التجمعات السكنية اليهودية الى جزر صغيرة في محيط عربي كبير، تمامًا كما هو الحال اليوم مع المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، ذلك ناجم بالطبع عن سياسة زرع الاستيطان اليهودي في كل مكان، في الخليل كما في الجليل، في عجز فاضح عن رؤية "المولود" على حقيقته المؤسية!
ومع أن التدهور الأمني الناجم عن جمود سياسي قاتل على مسار التسوية بين اسرائيل وفلسطين كان سببًا مباشرًا في العودة المتجددة للفكرة، لا يمكن القول أنه السبب الوحيد في هذا الدفع الذي اكتسبته مؤخرًا، مع ذلك، يظل من المعقول الافتراض أن غياب أفق سياسي للحل مع حكومة اسرائيلية يمينية يقودها شارون، يجعل من الواقع الديموغرافي المركّب سببًا رئيسيًا في اللجوء إلى فكرة الفصل، كنوع من الحل المؤقت لهذا التدهور السريع وهذه "الفوضى" المنتشرة في مختلف الاتجاهات.
ومن المؤكّد أن "الآباء المؤسسين" للصهيونية لم يحلموا بواقع "فوضوي-مختلط" كهذا، وهناك شهادات ووثائق تدل على أنهم حرصوا كثيرًا على تجنبه. قبل أكثر من نصف قرن امتنع دافيد بن غوريون مؤسِس الدولة اليهودية عن ضم العرب الفلسطينيين المتبقين في وطنهم بعد عمليات الترحيل في السنوات 48-49، خشية حصول دمج بين مناطق الدولة اليهودية والتجمعات العربية الكبيرة. ويشير الاستاذ الجامعي الاسرائيلي دان شيفطان، في كتابه "حتمية الفصل" (جامعة حيفا، 1999)، الى أن بن غوريون "في أواخر" حرب الاستقلال، امتنع عن احتلال البلاد كلها مع أن القوة العسكرية كانت تسمح بذلك، وقد دلّ هذا القرار التاريخي على الأهمية التي أولاها لتجنب نهش ما لا يمكن ابتلاعه، ومدى الخطورة الكامنة في تجربة ابتلاع ما لا يمكن هضمه من الأساس" (شيفطان، 12). (بنظرة للوراء، يبدو أن عدوان الخامس من حزيران 1967 "فتح شهية" حكومة إسرائيل على الابتلاع، وجعلها تحصل على أكثر من مليوني فلسطيني اضافي في أرض اسرائيل الغربية"، في تمرد سافر على رغبة هؤلاء "الآباء"!)
وفي هذا المأزق السياسي-الأمني الدامي، تأتي العودة الى الفكرة اليوم بعد أن علق الجميع في هذا الواقع المختلط، المزدوج، وفشلوا في الحيلولة دونه، وتقف فيه العلاقات الفلسطينية-الإسرائيلية أمام امتحان الحسم التاريخي الذي من شأنه أن يحسم مصير الشعبين لفترة طويلة. وهي تُطرح في وقت تستعر فيه الأصوات المطالبة بضرب الفلسطينيين واسكات انتفاضتهم بالقوة العسكرية، وربما العودة الى اتفاقات "هدنة" (لا اتفاقات فصل أو "حل دائم") على طريقة شارون، الذي لا يزال يستخدم مصطلحات الصراع التي تعود لخمسين سنة، عالقًا في أسر مشروعه الاستيطاني الكبير، فوق كل تلة خالية من العرب، حتى لو كان الثمن استحالة الفصل الى الأبد!
ما هو غريب حقًا، أنّ الفكرة تكسب لها انصارًا في الولايات المتحدة، التي تجد فيها على ما يبدو مخرجًا من "ورطة" رعايتها لعملية السلام، التي اسندت اليها بموجب اوسلو، مع أنها تفشل كل الوقت في ممارسة هذا الدور بالشكل المطلوب. وقد نشرت "واشنطن بوست" مؤخرًا سلسلة مقالات مؤيدة للفصل، كُتب بعضها بأقلام عدد من العرب الأميركان. كذلك نشر كاتبان مقربان من نتنياهو واليمين الإسرائيلي (تشارلز كراوتهامر وجورج فايل)، مقالاً مشتركًا يدعوان فيه اسرائيل الى تنفيذ فصل من جانب واحد، "بعد أن تكون قد انتهت من توجيه ضربة مؤلمة للفلسطينيين"، بموجب السيناريو الرهيب التالي: توجيه ضربة عسكرية مؤلمة للسلطة الفلسطينية وياسر عرفات، يليها انسحاب ثم فصل، تفكك إسرائيل في نطاقه مستوطناتها المعزولة.
لكن مشكلة اسرائيل والولايات المتحدة من بعدها أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن التوسع والاستيطان، ولا شعارات "الدولة اليهودية" (ليس مهمًا اليوم الى أي حد هي ديموقراطية!) لأنّ من يرغب بالاحتفاظ بالأرض ولا يستطيع ترحيل ساكنيها، ويواصل زرع المزيد من المستوطنات فوقها، ويمارس في سبيل ذلك مختلف أساليب البطش والقوة، لا يمكن أن يكون "يهوديًا أو "ديموقراطيًا"، ومؤكد أنه سيفشل في إقامة "الفاصل الاستراتيجي" اللازم والمطلوب في مواجهة "الجبهة الشرقية". وما دامت اسرائيل لا تحسم في مسألة حدودها، ولا تتصالح مع نفسها في موضوع التسوية الاقليمية مع العرب، كمقدمة لتسوية مكانتها بين دول المنطقة، فإنها لن تحصل من وراء هذه الأفكار سوى على مزيد من "الفوضى" الديموغرافية، التي لا تملك سوى التلويح بالترانسفير للالتفاف عليها أو التخفيف من حدتها على الأقل. وليس من الواضح أي المناطق سيطالها هذا الترانسفير، الواضح منذُ اليوم أنه شبح يتهدد جميع العرب الفلسطينيين القاطنين في هذه البلاد، وليس مهمًا في أي جانب من خطوط التماس يعيشون. لهذه الأسباب مجتمعة أجدنا مطالبين بالتركيز على سلبيات الفصل واثاره المدمرة، التي لا تعكس سوى حقيقة واحدة ووحيدة: ان اسرائيل، بساستها ومجتمعها واقتصادها وأكاديمييها وكتابها ومفكريها، ما زالت تتخبط في مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، وهو تخبط يزداد حدة كلما اقتربت ساعة الحقيقة، وأصبح على اليهود أن يقرروا في الاتجاه السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يريدون لمشروعهم القومي ان يمضي فيه.
العودة الى فكرة الفصل في أيامنا هي اذن عود على بدء، لكنه "عود أسوأ" هذه المرة، لأنّ الجميع، كما يخيل لي، يتخبطون في هذه المرحلة التاريخية المفصلية في تحديد الاتجاه. وفي ذلك ليس مهمًا بأية وتيرة يتسارع هذا التخبط السياسي-الديموغرافي: وتيرة "الفهد" أم وتيرة السلحفاة!
وثيقة سوفير - نظرة عامة
.jpg)
رسم1:زيادة سكانية سريعة
يبلغ عدد سكان الكرة الأرضية ستة مليارات نسمة، منهم مليار نسمة تقريبًا يعيشون في الدول التابعة للعالم الغربي المتطور. يكاد عدد السكان في هذه البلاد يكون ثابتًا، وفي بعضها- أوروبا مثلاً- فإنه في انخفاض، حوالي خمسة مليارات نسمة يعيشون في بلدان نامية، نسبة الزيادة الطبيعية فيها مرتفعة وستظل كذلك لسنوات طويلة أخرى. من المنتظر أن يضاعف سكان العالم النامي عددهم خلال 28-35 سنة (راجع رسم رقم 1). هذه المعطيات هي المفتاح لمستقبل العالم كله، ومن شأنها أن تتسبب بتغييرات .في طابع الكرة الأرضية، وبحركات هجرة، وجوع وأمراض، وتجارة عابرة للحدود وحروب
يتميز الشرق الأوسط بزيارة طبيعية عالية، تبرز بشكل خاص في سورية، والأردن والعراق و"أرض اسرائيل الغربية". تُعدّ الزيادة الطبيعية لدى هذه المجموعات السكانية، التي تقف عند 5.3-5%، أعلى النسب في العالم! وذلك يعني من الناحية العملية مضاعفة عدد سكان المنطقة خلال 20-25 سنة (راجع رسم 2)، وتقف الزيادة الطبيعية في مصر عند حدود الـ 2% سنويًا، وهو ما يعني مضاعفة عدد السكان خلال 30-40 سنة. ومن الصعب أن نصدّق أنّ هذه الفترة الزمنية ستكفي هذه الدول لمضاعفة بُناها التحتية بما يلائم هذا العدد المضاعف للسكان بالقياس لما هو عليه اليوم. لنتذكر أنّ ذلك يشمل المستشفيات، والمدارس والمياه والصرف الصحي وتوسيع مناطق الزراعة وتوفير المواصلات العامة، وبقية المتطلبات الانسانية في مجتمع عصري. واذا كانت هذه الدول ستعجز عن الصمود في مهمة مضاعفة البنى التحتية، فلا بدّ أن نتوقع هبوطًا في مستوى الحياة واستسلامًا لليأس. مثل هذه المجموعات السكانية التي ذاقت طعم المرارة، تعد مصدر خطر، وطبيعي جدًا أن تتحول الى أعمال الاحتجاج المتطرفة، بدءًا بالإرهاب، ووصولاً إلى حرب الجهاد الإسلامي المقدّس.
وتدرك دول العالم الغنية احتمالات نشوء وضع كهذا، وهي تبذل اليوم كل ما تستطيع لمساعدة هذه البلدان في جهودها للتقليل من الولادات الجديدة ومن أجل مضاعفة التطوير.
نعتزم في هذه الدراسة تحليل المخاطر التي قد تقف أمامها دولة إسرائيل في العقدين القادمين نتيجة التوقعات الديموغرافية أعلاه. ويعرض الرسم رقم (2) تصورات عامة لهذه المخاطر. وسنقوم بتفصيلها في سياق الدراسة وعرض الحلول الملائمة.
رسم 2: مخاطر على اسرائيل بسبب التغييرات الديموغرافية السريعة المتوقعة في العقدين القريبين
.jpg)
اننا ندرك أنّ توقعات كهذه، مثل أية توقعات، تنطوي على عنصر التكهن واحتمالات الخطأ. والذي وضع تصورات في سنة 1930 لمستقبل الشعب اليهودي خلال عقدين قريبين لم يتمكن من توقع الكارثة التي حلت بالشعب اليهودي، كذلك كان من الصعب توقّع قيام دولة يهودية بعد الكارثة بثلاث سنوات، ولا تنقصنا الأمثلة على أخطاء في التوقعات.
مع ذلك، واضح لنا أن التوقعات ضرورية للمجتمع بشكلٍ عام ولأصحاب القرار بشكلٍ خاص، لكي يصبح بالإمكان الاستعداد لمواجهة المستقبل في المجالات التي لا يمكن الانتهاء فيها من أي اجراء بين عشية وضحاها، والتي تتطلب إعدادًا قد يستغرق سنوات، ذلك صحيح مثلاً في إقامة المدارس وتأهيل المعلمين وإعداد الجيش والشرطة وتزويد مصادر المياه وبناء شبكة مواصلات أو مصادر الطاقة، وتتراوح الفترة الزمنية المتعارف عليها للتوقعات بين 15-20 سنة (منظمة الأمم المتحدة تحضّر توقعاتها لفترات أطول، كما هو مبيّن في رسم رقم 1).
هناك سلسلة من المجالات - الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والجغرافية والبيئية- ليس بمقدورنا الفصل فيها بين ما يجري في داخل اسرائيل، وما يجري في قطاع غزة ويهودا والسامرة، لذلك سنتطرق بموازاة ذلك الى الديموغرافيا في إسرائيل فقط، والديموغرافيا في أرض اسرائيل بشكلٍ عام.
صعوبات في إدخال موضوع الديموغرافيا للجمهور العريض، وفي أوساط أصحاب القرار بوجه الخصوص
اقتباس من أقوال البروفسور سنجي: "العوامل الأساسية التي تهدد المنطقة لا تأتي في أيامنا من احداث دراماتيكية بل من عمليات بطيئة وتدريجية، لا نلتفت لوجودها بشكلٍ عام". لو سحبنا هذه المقولة على المجتمع الإسرائيلي لحصلنا على ما يلي: "ما ليس مشتعلاً، لن يدخل أبدًا في الأجندة القومية، لذلك فإنه لا يحتل أية مكانة على جدول أعمال حكومات اسرائيل المتعاقبة".
هذه المقولة صحيحة بالنسبة لكل مجال وقضية، فكم بالحري بالنسبة للمشكلة الديموغرافية. المزولة الديموغرافية تعمل ضد يهود اسرائيل بسرعة كبيرة، ومن المفاجىء اننا لا نشهد في المجتمع الإسرائيلي أي نقاش جاد في هذه القضية. قد تكون هناك أسباب مختلفة لذلك: صعوبة في هضم المعطيات الاحصائية المجردة، والنفور من الوجه العنصري، ظاهراتيًا، للموضوع، والإحساس بأنّ الأمر متعلق بعملية بطيئة لا تنطوي على تهديد، أو ربما العكس، والميل الى تغييب الموضوع جراء ما ينطوي عليه من تهديد كبير، لا بدّ أن تترتب عليه قرارات صعبة.
---------------------
ارنون سوفير
في سنة 1988، نشرتُ وثيقة بعنوان "الجغرافيا والديموغرافيا، أهي نهاية الحلم الصهيوني؟" (منشورات غستليت، حيفا). في هذه الوثيقة حللت دلالات التطور الجغرافي المتوقعة في البلاد وحذرت من خطر اختفاء الدولة اليهودية-الصهيونية.
بنظرة للوراء، يتضح أنني ارتكبت في تلك الوثيقة خطأين: الأول، انني لم اتوقع هجرة يهود الاتحاد السوفييتي والثاني، انني توقعت هبوطًا في الزيادة الطبيعية لدى عرب اسرائيل.
المخاطر التي حذرت منها انذاك ما زالت سارية وقائمة في الحاضر، بل انها أكبر منها في الماضي. بعد نشر تلك الدراسة بثلاثة عشر عامًا، ورغم هجرة قرابة المليون يهودي للبلاد، يتبين أنّ التهديد الديموغرافي، ليس انه لم يقل أو يتبدد فحسب، وانما هو آخذ بالتحقق أمام أعيننا، أسرع من التوقعات، وهو يمس منذُ اليوم مجالات كثيرة في حياتنا.
تصف هذه الدراسة الأوضاع في الحاضر وتقدم توقعات للسنوات العشرين التالية، وهي توضّح أن استمرار الوجود اليهودي-الصهيوني، ليس مفهومًا ضمنًا، ومن شأنه أن ينتهي اذا لم يتم اتخاذ خطوات وقائية.
المادة المدرجة هنا تبلورت من خلال عرضها أمام هيئات محترمة مختلفة- مؤتمر قسم الميزانيات في وزارة المالية، مؤتمر هرتسليا الذي بحث في ميزان المناعة والأمن القومي، هيئة المسؤولية القومية (من طرف مركز رابين)، مجلس الأمن القومي، ادارة الوكالة اليهودية، المجلس الصهيوني، وفي أوساط أخرى من أصحاب القرار على المستويات القومية المختلفة. وتكمن المشكلة الأساسية في أنه في ضوء هذه المخاطر تقف السلطة الإسرائيلية كمن أصابتها ضربة عفريت، وهي تبدي عجزًا تامًا حيال ذلك. حكومات إسرائيل الأخيرة، وكذلك الكنيست كلها، لا تبحث في اتخاذ القرارات على الصعيد القومي، بل إنها منشغلة بالصراعات الإعلامية، وعلى مستوى من الاداء الذي يناسب لجنة يهودية في بلدة يهودية صغيرة في بولونيا أو مراكش.
في ضوء هذا العجز، فإنّ حركة مدنية واسعة وواعية للمعطيات والمخاطر، قد تكون قادرة على الضغط على الحكومة لتبادر وتتخذ قرارات قومية مؤلمة، في اطار اتحاد قومي، في سبيل مجابهة الخطر القادم.
---------------------
اذار 2001