مؤتمر فلسطين
المقترحات المقدمة على إثر المناقشات بين مندوب حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة ومندوبو حكومة الولايات المتحدة 1946
مذكرة مندوبي المملكة المتحدة
أتم مندوبو حكومة جلالة الملك ومندوبو حكومة الولايات المتحدة، الذين سأصفهم بالمندوبين الخبراء، فحص التوصيات الواردة في تقرير اللجنة الانجليزية الأمريكية للبحث في مشاكل اليهود في أوروبا ومشاكل فلسطين وقد وضع الخبراء توصيات إجماعية عن السياسة التي يجب أن تتبع بخصوص كل المسائل التي عالجها تقرير اللجنة الانجليزية الأمريكية. ورأى لزاماً علي أن أوضح ببعض الإسهاب الأوجه الرئيسية لمقترحاتهم:
ابتدأ المندوبون الخبراء بمعالجة توصيات اللجنة الانجليزية الأمريكية بالنسبة لمركز اليهود في أوروبا، فإن حوادث السنوات الأخيرة التي تلت اعتلاء هتلر لمنصة الحكم أعطت أهمية خاصة لمعنى الوطن القومي لليهود كمأوى لمن يتمكن من الالتجاء إليه من البقية الباقية من يهود أوروبا، وما زاد صعوبات المشكلة الفلسطينية استحكاماً وتعقيداً إلا ضغط المهاجرة من أوروبا.
وقد أدركت اللجنة الانجليزية الأمريكية أن فلسطين وحدها لا تتمكن من القيام بحاجيات هجرة الضحايا اليهود للاضطهاد النازي والفاشي فأوصت حكومتنا بالتعاون مع البلاد الأخرى، حيث أن العالم أجمع يشترك في المسؤولية، أن يسعيا في الحال لإيجاد مواطن جديدة لجميع الأشخاص الذين لا مأوى لهم بدون تفرقة بين العقيدة أو الجنسية.
وقد اقترح المندوبون الخبراء أن تتخذ الحكومتان الوسائل الآتية لتمكنهما من القيام في الحال بنصيبها في حل هذه المشكلة:
أولاً- تحاول الحكومتان أن تهيئا أحوالاً مناسبة لاستيطان عدد وافر من الأشخاص الذين لا مأوى لهم في أوروبا حيث قد اتضح أن الأغلبية الساحقة ستستمر في المعيشة هناك، وتبذل الحكومتان الآن أقصى جهديهما في المنطقتين البريطانية والأمريكية في ألمانيا والنمسا في المساعدة على استيطان هؤلاء الأشخاص وعلى استئصال جذور المبادئ المضادة للسامية، وفي إيطاليا والدول التي كانت موالية للعدو ستطالب السلطات بموجب معاهدات الصلح بأن تضمن لجميع الأشخاص الذين تحت حكمهم الحقوق البشرية والحريات الأساسية وعلاوة على ذلك يتحتم علينا في مساعينا لاستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي في أوروبا أن نستمر في القيام بنصيبنا في إرجاع تلك الحالات السياسية التي تمكن من لم شعث عدد وافر من الأشخاص الذين لا مأوى لهم بما فيهم يهود أوروبا.
وبعد الانتهاء من إنجاز كل ما يمكن عمله في أوروبا يتحتم علينا أيضا إيجاد مواطن جديدة فيما وراء البحار لكثيرين من أولئك الذين انفصمت عرا علاقاتهم بجالياتهم السابقة بشكل لا يمكن إصلاحه.
وقد وضع المندوبون الخبراء التدابير الآتية – وبعضها في دور التنفيذ الآن – بقصد تنشيط هذا المشروع:
أولاً: يتحتم علينا البحث في إنشاء هيئة دولية للاجئين مهمتها معالجة مشكلة اللاجئين والأشخاص الذين لا مأوى لهم عموماً بشكل فعال.
ثانياً: يتحتم علينا في مجلس الجمعية العمومية للأمم المتحدة أن نعضد ونحث بقوة جميع الحكومات الأعضاء لقبول نسبة معينة من الأشخاص الذين لا مأوى لهم في أوروبا – بما فيهم اليهود – في الأراضي التي تحت إدارتهم، وأود أن اذكر في هذا الصدد أن حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة قد سبقت فشقت الطريق بقبولها تعهداً بتشجيع استيطان نحو 235.000 من الجنود البولنديين وتوابعهم، وهذا بالطبع بالإضافة إلى اللاجئين السابق قبولهم أثناء الاضطهاد النازي ويقرب ما هو باق منهم في المملكة المتحدة من 70.000 يهودي.
ولقد سبق أن أخطرت حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة سائر حكومات الدومنيون عما قامت به من أعمال، وتأمل أن تعضد هذه الحكومات النداء الذي ستوجهه حكومة جلالة الملك على الحكومات الأعضاء في جمعية الأمم المتحدة وهو نداء إليهم ليقبلوا عدداً من الأشخاص المبعدين في الأراضي التابعة لحكمهم. وإني أعلم أيضا أن الولايات المتحدة – حيث استوطن في نفس الوقت بشكل دائم نحو 275.000 لاجئ، منهم 180.000 يهودي – قد عادت إلى قبول المهاجرة العادية وينتظر أن تقبل نحو 53.000 مهاجر سنوياً من البلاد الأوروبية التي يؤخذ منها الأشخاص الذين بدون مأوى، وسنستمر ريثما يتم تأسيس هيئة دولية للاجئين في التعاون مع حكومة الولايات المتحدة على تنشيط استيطان اللاجئين والأشخاص الذين لا مأوى لهم، وذلك بمساعدة اللجنة الحكومية المختصة بتحضير الخطط لاستيطان عدد كبير من الذين لا مأوى لهم في البرازيل وغيرها من بلاد أمريكا الجنوبية.
فيتضح مما تقدم أن الأوجه الرئيسية لمشكلة اللاجئين والأشخاص الذين لا مأوى لهم لم تغفل، وكذا إصلاح الأحوال في أوروبا بشكل يسمح بإعادة استيطان أكبر عدد من الأشخاص الذين لا مأوى لهم، ممن أرادوا البقاء في تلك القارة، بما فيهم اليهود، فإن هناك احتياجاً إلى الانتفاع بمقدرة ومواهب اليهود وغيرهم في القيام بأعباء أعمال التعمير الجسيمة التي تواجهنا ونحن في نفس الوقت قائمون بدون توان في اتخاذ خطوات عملية لضمان مساهمة بلاد أخرى بما فيها فلسطين في استيطان أولئك الأشخاص المبعدين، ومنهم اليهود، المضطرين على التطلع إلى بلاد غير الأقطار الأوروبية للتوطن فيها بشكل دائم.
وعندما صاغ المندوبون الخبراء سياسة جديدة لفلسطين قبلوا كأساس المبادئ الواردة في التوصية الثالثة للجنة الانجليزية الأمريكية وهي أن فلسطين في مجموعها لا يمكن أن تكون دولة يهودية ولا دولة عربية وأن لا حق لإحدى الجاليتين في فلسطين أن تسيطر على الأخرى، كما يجب أن تشكل الحكومة بحيث تضمن مصالح المسيحية والديانتين الإسلامية واليهودية في البلاد المقدسة.
والمندوبون الخبراء يبنون حجتهم على ما يأتي:
لا يمكن بأي وجه من الوجوه التوفيق بين المطامع السياسية للفريقين في فلسطين فالنزاع الذي أثارته هذه المطامح حاد لدرجة تترك قليلاً من الأمل في الوصول في وقت معقول إلى ذلك الحد من التعاون بين العرب واليهود الذي يساعد على تكوين حكومة موحدة في فلسطين تتفق مع هذه المبادئ التي لعب فيها كل من شعبيها دوره.
ويظهر أن الأمل الوحيد في السلام وفي اتجاه سريع نحو أنظمة الحكم الذاتي ينحصر في صياغة دستور البلاد بشكل يعطي كلا من الفريقين أعظم قسط ممكن من السلطة لإدارة شؤونه الخاصة.
ويعتقد المندوبون الخبراء أن الطريقة المثلى في الظروف الحالية لتحقيق ذلك هي إنشاء مناطق عربية ويهودية تتمتع بقسط وافر من الحكم الذاتي تحت إشراف حكومة مركزية، ويقترحون لهذا الغرض تقسيم فلسطين إلى أربع مناطق:
منطقة عربية، ومنطقة يهودية، ومقاطعة للقدس وأخرى في النقب.
وتشمل مقاطعة القدس مدينة أورشليم وبيت لحم وضواحيهما المباشرة.
وتؤلف مقاطعة النقب من مثلث الأرض الفضاء غير المسكونة الكائن جنوبي فلسطين عبر الحدود الحالية للأرض المنزرعة، أما المنطقة العربية فتشمل باقي فلسطين وتكون بذلك في الغالب عربية محضة من ناحيتي الأرض والسكان.
أما حدود هذه المناطق فتكون حدوداً إدارية بحتة تعين المنطقة التي يقع في داخلها مجلس نيابي محلي مخول له سن القوانين في أمور معينة، وهيئة تنفيذية تقوم بتطبيق هذه القوانين، ولن يكون لهذه الحدود أية أهمية من ناحية الدفاع أو الجمارك أو المواصلات، وإنما لإعطائها صبغة نهائية فإنها بمجرد تقريرها تصبح غير قابلة لأي تغيير إلا باتفاق بين المنطقتين المختصتين، ويدمج نص بهذا المعنى في صلب اتفاقات الوصاية وكذا في الوثيقة التنفيذية لهذا المشروع وتخول الحكومات الإقليمية سلطة التشريع والإدارة داخل مقاطعاتها في نطاق واسع من المسائل ذات الصبغة الإقليمية المحضة، وتخول هذه الحكومات أيضاً السلطة لتحديد عدد الأشخاص الراغبين في الإقامة الدائمة في أراضيها وتقرير مؤهلاتهم لهذه الإقامة بعد عرض هذا المشروع، ويطلب من هذه الحكومة بواسطة الهيئات التي تسن القانون الأساسي أن تتخذ الطرق اللازمة لضمان الحقوق المدنية والمساواة لجميع السكان أمام القانون وكذلك لضمان حرية الانتقال والتجارة بين المناطق وتخول هذه الحكومة أيضاً السلطة لجمع الأموال اللازمة للقيام بوظائفها.
وتنفرد الحكومة المركزية بالسلطة في وسائل الدفاع والعلاقات الخارجية والجمارك والضرائب، وكذا يحتفظ لها في البداية بنفس السلطة في تطبيق القوانين والمحافظة على النظام بما فيه البوليس والمحاكم وعدد معين من الأمور التي تهم فلسطين بأجمعها.
وتستأثر الحكومة المركزية أيضاً بالسلطات التي لم ينص على منحها للمناطق في إدارة الحكم فينتخب مجلس نيابي لكل منطقة وكذا يعين المندوب السامي من بين أعضاء المجلس النيابي هيئة تنفيذية مؤلفة من وزير ورئيس ومجلس وزراء بعد استشارة الزعماء. وتتطلب القوانين التي تقرها المجالس النيابية مصادقة المندوب السامي وهذه المصادقة لا تمنع إلا في حالة تنافي القانون المختص مع أداة الحكم وهو شرط يؤدي لضمان السلام في فلسطين وحفظ حقوق الأقليات.
كما أنه من الضروري أن يحتفظ للمندوب السامي في حالة الطوارئ بحق التدخل عند عجز أي حكومة إقليمية عن القيام بتأدية وظائفها الأصلية أو في حالة تجاوزها هذه الوظائف. ويقوم المندوب السامي في البداية يعاونه في ذلك مجلس تنفيذي معين من قبله، بممارسة الوظائف التنفيذية والتشريعية للحكومة المركزية وقد يرأس الفلسطينيون بعض أقسام الحكومة المركزية إذا اعتبر المندوب السامي أن ذلك أصبح في حيز الإمكان.
وينشى المندوب السامي مجلساً لمشروعات التقدم والعمران ومجلساً لتحديد السعار مؤلفين من مندوبي الحكومة المركزية وممثل المناطق، وكذلك ينشأ في منطقة القدس مجلس يتمتع بسلطات تماثل سلطات المجالس البلدية ويجري انتخاب أعضاء هذا المجلس ما عدا عدداً معلوماً يعينه المندوب السامي أما منطقة النقب فتكون تحت إدارة الحكومة المركزية في الوقت الحاضر.
هذا المشروع لمنح الحكم الذاتي للأقاليم يحفظ إلى حد كبير من تعقيد مشكلة الهجرة اليهودية إلى فلسطين ومع أن الرقابة اليهودية على الهجرة تبقى من خصائص الحكومة المركزية غير أنها يجب أن تمارس على أساس توصيات الحكومات الإقليمية وطالما لا يحدث تجاوز لطاقة التشبع الاقتصادي لأية منطقة فالحكومة المركزية ترخص بالمهاجرة التي ترغب فيها الحكومة الإقليمية لتلك المنطقة غير أنها لا تملك حق الترخيص بالمهاجرة بشكل يتجاوز الحد الذي تقترحه الحكومة الإقليمية. بناءً على ذلك سيكون لحكومة المنطقة العربية حق التمتع بدورها بالسلطة التامة لمنع مهاجرة اليهود إلى منطقتها غير أن المنطقة اليهودية تتمتع بدورها بحق قبول أي عدد من المهاجرين ترغب فيه حكومتها.
ويقترح الخبراء، كجزء من هذا المشروع، أن يصبح في حيز الإمكان قبول توصيات اللجنة الانجليزية – الأمريكية القائلة بإدخال 100.000 مهاجر يهودي في الحال إلى فلسطين وباستمرار حركة المهاجرة بعد ذلك. وقد جهز الخبراء مشروعا بنقل 100.000 يهودي من أوروبا إلى المنطقة اليهودية في فلسطين، وسيبدأ بهذا المشروع إذا تقرر تنفيذه بأكمله. فتمنح شهادات المهاجرة بأسرع ما يمكن ويبذل كل مجهود لاستكمال عملية الانتقال في مدة اثني عشر شهراً من تاريخ بدء المهاجرة.
ويختار المهاجرون بادئ ذي بدء من بين اليهود في ألمانيا والنمسا وايطاليا وتمنح الأولوية لمن سبق وصرف ردحا من الزمن في مراكز الإقامة في تلك البلاد ولمن أطلق سراحهم من هذه المراكز ولا يزالون في ألمانيا والنمسا.
وتمنح الأولوية من بين هذه الجماعات للصناع الماهرين في البناء والزراع والأطفال وذوي العاهات والطاعنين في السن، ويسحب السواد الأعظم من المائة ألف مهاجر من ألمانيا والنمسا وايطاليا، ولا تصرف الشهادات الممكن الحصول عليها لمهاجرة اليهود الموجودين في أي بلد آخر من بلاد شرق وجنوب أوروبا غلا الأطفال الأيتام فقط. ويسرع في نقل المهاجرين بأقصى درجة تتناسب مع سرعة إخلاء معسكرات الانتقال في فلسطين المعدة لإقامتهم مؤقتا حتى يمكن استيعابهم.
وينص هذا المشروع على دعوة حكومة الولايات المتحدة لتتحمل وحدها مسؤولية نقل المهاجرين الذين نوهت عنهم من أوروبا على فلسطين فتقدم البواخر اللازمة لذلك وتقوم بدفع مصاريف الانتقال وتقوم أيضاً بتقديم الطعام لهؤلاء المهاجرين لمدة الشهرين الأولين من وقت وصولهم على فلسطين.
ولا شك أن مصاريف نقل وإسكان هذا العدد في فلسطين ستكون جسيمة ولما كانت الهيئات اليهودية قد أخذت على نفسها المسؤولية المالية فلا يرى الخبراء أي مبرر لعدم الحصول على الأموال المطلوبة من التعويضات واكتتابات اليهود في أنحاء العالم وبواسطة الاقتراض.
وقد قبل الخبراء توصيات اللجنة الانجليزية – الأمريكية بأن إصلاح شؤون العرب الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين هو من الأمور المرغوب فيها وتشمل اقتراحاتهم في فلسطين في هذا الصدد إنشاء مصلحة للصحة تضارع ما هو موجود الآن لليهود، وتوسيع نطاق وسائل التعليم، وتسهيل قروض بفائدة بسيطة للعرب المزارعين واتخاذ طرق أخرى تؤدي إلى زيادة إنتاج الأرض، بتنشيط الحركة التعاونية والصناعات الخفيفة وتحسين طرق المعيشة في المدن والريف.
ولقد لفت المندوبون الخبراء النظر إلى إنجاز هذه المشروعات وغيرها لتحسين القروض الاقتصادية ومستوى المعيشة في فلسطين سيتطلب في إبان السنين القليلة الأولى رؤوس أموال جسيمة لا يمكن الحصول عليها عن طريق القروض مما يجعل منها عبئاً ثقيلاً على مالية البلاد. كما أن تكوين النظام الإقليمي سيؤدي إلى عجز في ميزانية المنطقة العربية تتطلب تغطيته إعانة من قبل الحكومة المركزية. وعلاوة على ذلك ستحتاج فلسطين إلى مساعدة مالية أخرى في حالة تنفيذ المشروع في مجموعه.
وقد رأى الخبراء لمواجهة هذه الحالة أن يطلب إلى الولايات المتحدة أن تقدم منحة وافرة إلى حكومة فلسطين للاستعانة بها خصيصاً لتمويل مشاريع التحسين التي لا تصلح لنظام قروض الاستهلاك وللمساعدة في تغطية المصروفات الاستثنائية أثناء فترة الانتقال، وأن تطالب الحكومة البريطانية بأن تأخذ على عاتقها المسؤولية النهائية لمقابلة العجز السنوي في ميزانية فلسطين إلى ذلك الوقت الذي تصل فيه إيرادات البلاد إلى درجة تجعل ذلك أمراً غير ضروري.
ويعتقد الخبراء أن احتياج فلسطين إلى التقدم الاقتصادي يجب أن يعالج على ضوء احتياجات الشرق الأوسط على العموم من هذه الناحية فهم يعلمون أن حكومات الدول الممثلة في الجامعة العربية تدرس الآن وسائل التقدم الاقتصادي في بلادهم فلذلك يقترحون في حالة ملاقاتهم أية صعوبة في سبيل حصولهم على قروض دولية لهذا الغرض أن ترخص الولايات المتحدة بعقد قروض على نطاق واسع للمساعدة على تنفيذ هذه المشاريع وتعقد هذه القروض بواسطة هيئة لائقة للقيام بتقدم شؤون الشرق الأوسط بما فيه فلسطين ومن الضروري معاونة شرق الأردن، وإذا أمكن سوريا ولبنان، في القيام بأغلب المشروعات الكبيرة التي يمكن استفادة فلسطين منها.
ويقترح الخبراء في هذا الصدد، بشرط موافقة شرق الأردن، أن يقوم مهندسون خبراء بأسرع ما يمكن بمعاينة موارد المياه المشتركة بين فلسطين وشرق الأردن تحت إشراف الحكومة.
وهنا أكون قد أتممت فحوى توصيات المندوبين الخبراء. وبما أن حكومة جلالة الملك تعتقد بأن هذه التوصيات هي الوسيلة المثلى للوصول إلى حل هذه المشكلة فقد أخطرنا حكومة الولايات المتحدة باستعدادنا لقبول هذه التوصيات كأساس للمفاوضات وكان أملنا أن تصلنا موافقة الرئيس ترومان قبل البدء في المناقشة ولكن علمنا بأنه قرر نظراً لتعقد هذه المسألة أن يناقش المندوبون الخبراء الأمريكيين بالتفصيل فيها وهم الآن في طريقهم إلى واشنطن لهذا الغرض. فيتضح من هذا أن الرئيس ترومان ينوي أن يستوفي البحث في هذه المسالة وأملنا أن يصل إلينا رد منه بالتالي في الوقت المناسب.
وفي نفس الوقت حيث أن الحالة في فلسطين لا تحتمل أي تأخير فقد دعونا مندوبي اليهود والعرب لمقابلتنا لبحث هذه المسائل ونأمل أن نضع أمامهم مشروع المندوبين الخبراء كأساس لهذه المفاوضات.
فإذا صادف منهم قبولاً فإننا ننوي أن ندمجه في أية اتفاقية وصاية على فلسطين وعلى كل حال أود أن أوضح بجلاء أننا نقصد الاستمرار في مباحثة العرب واليهود في مشروع دستوري على هذا الأساس، لأننا نعتقد أنه يحتوي على مزايا عديدة لكلا الفريقين في فلسطين.
وسيكون اليهود أحراراً في ممارسة قسط وافر من مراقبة الهجرة إلى منطقتهم الخاصة وكذلك في السعي لتقدم مشروع الوطن القومي اليهودي في تلك المنطقة فتلغي قوانين نقل الأراضي وتصبح في نفس الوقت حكومة المنطقة العربية حرة في السماح أو الرفض لليهود في شراء الأراضي في منطقتها إلا أن مساحة المنطقة اليهودية ستكون أوسع من التي لهم الحرية أن يبتاعوا منها الآن.
وربح العرب هنا ينحصر في تخلص الأغلبية العظمى منهم نهائياً من شبح السيطرة اليهودية وتمتعهم في الحال بقسط وافر من الحكم الذاتي مصحوبا بضمانات قوية لصيانة حقوق الأقلية العربية في المنطقة اليهودية.
ويفسح هذا المشروع الأمل لكلا الفريقين في رقي يكاد ألا يكون لهم أمل فيه إذا أصبحت فلسطين دولة موحدة.
ولو أن الأمر لا يظهر جلياً الآن، فلا شك أن المشروع يترك الطريق مفتوحاً للوصول إلى تقدم سلمي وتطور دستوري، أما نحو التقسيم أو نحو وحدة اتحادية (فدرالية) بمعنى أن يشترك ممثلو الطرفين في إدارة الشؤون المركزية فهناك احتمال أن هذا يؤدي في النهاية إلى دستور اتحادي ناضج كل النضوج وإن اتضح أن عوامل التباعد أشد من أن تقهر، فالطريق مفتوح إلى التقسيم.
ومقترحاتنا لا تمس في كلتا الحالتين هذه النتيجة بأي وجه من الوجوه لأننا نعتقد أن هذا المشروع أعدل وأصوب تسوية بين مطالب العرب واليهود يمكن الوصول إليها وأنه أمثل وسيلة للتوفيق بين مصالح الفريقين المتضاربة وإنما يتحتم علينا جلاء هذا الأمر ويتوقف التنفيذ الكامل لمشروع الخبراء في مجموعه على تعاون الولايات المتحدة وآمل أن يكون ذلك قريب التحقيق، فإن لم يتم فلا مندوحة لنا من إعادة النظر في الحالة، وبالأخص فيما يتعلق بالتعقيدات المالية والاقتصادية مما من شأنه التأثير على سير وقف المهاجرة ومداها وتقدم البلاد.
خطاب المستر اتلي في حفل افتتاح مؤتمر فلسطين بلندن المنعقد في 10 سبتمبر 1946
إنه ليسرني كل السرور أن أرحب في هذا المؤتمر بوفود البلاد العربية في الشرق الأوسط التي ظلت الحكومات البريطانية المتعاقبة خلال ربع قرن ترقب بعين العطف والاهتمام تقدم النهضة القومية فيها. وإني واثق أنكم ستوافقون على أنه لولا أن طوحت الجيوش البريطانية بالسلطان العثماني في الأجزاء العربية من آسيا في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) لكان تقدم هذه النهضة أبطأ بكثير عما هو عليه الآن.
وفي نهاية تلك الحرب أخذت بريطانيا على عاتقها مسؤولية النهضة السياسية في العراق وفلسطين وشرق الأردن وكان معنى هذه المسؤولية بالنسبة لنا التزامنا أولاً بتدعيم أسس إدارة مستقرة ناهضة ثم إزالة جميع العوائق في سبيل الوصول إلى الحكم الذاتي بأسرع ما يستطاع وتمشياً مع هذه السياسة صارت العراق في عام 1930 دولة مستقلة استقلالاً تاماً ذات سيادة واكتسبت شرق الأردن اليوم نفس هذه الصفة ولم تكن العقبات التي صادفها طلب شرق الأردن الأول للانخراط في سلك الأمم المتحدة نتيجة تقصير من بريطانيا في تعضيدها التعضيد الكافي كما أني على ما أظن محق في القول بأن انضمام سوريا ولبنان إلى جمعية الأمم المتحدة يعود إلى تشجيع وتعضيد بريطانيا لهما.
أما في فلسطين، لأسباب سنبحثها سويا حول هذه المائدة، فقد تضاربت مبادئ السياسة البريطانية مع مطامح العرب، وما قلته الآن يوضحه الفرق بين تكوين هذا المؤتمر وتكوين الهيئة التي اجتمعت لنفس هذا الغرض في قصر سان جيمس عام 1939.
وأود هنا أن أضيف إلى ما قلت كلمة ترحيب لأعضاء وفود الدولة العربية التي لم تكن ممثلة في مؤتمر علم 1939 – لبنان وسوريا – وللأمين العام لجامعة الدول العربية.
ولي كلمة أخرى أتقدم بها على سبيل التمهيد وهي أن أية نهضة قومية لا تعد كاملة لمجرد الحصول على الاستقلال السياسي. وأعتقد أن الفرصة سانحة الآن للدول العربية للإقدام على مشروعات اقتصادية هامة تعود بفوائد جزيلة على سواد الشعوب العربية وتزيد من مكانة واستقرار هذه البلاد.
وإنه ليسعدني أن أرى التعاون في مشروعات كهذه من أهم أغراض الجامعة العربية وإني أؤكد لكم أن حكومة جلالة الملك ستبذل كل ما في استطاعتها للمساعدة في توسيع نهضتكم الاقتصادية وتقدمكم الاجتماعي إذا طلب إليها ذلك.
ولنتحول الآن إلى الموضوع الذي اجتمعنا من أجله. إنكم تعلمون أن نوايا الحكومة البريطانية كانت دائما متجهة نحو دعوة حكومات الدول العربية للتشاور معها قبل البت نهائيا في أي حل لمسألة مستقبل فلسطين وعملاً بهذا المبدأ لم تتوان في قبول اقتراح الدول الأعضاء في الجامعة العربية للمفاوضة معهم في هذا الشأن، ولي وطيد الأمل أن تكون نتيجة هذا المؤتمر الذي يبدأ أعماله اليوم جلاء الطريق للوصول إلى حل مقبول لهذه المشكلة.
وإني لآسف شديد الأسف لقرار عرب فلسطين بعدم إرسال مندوبين لتمثيلهم في هذا المؤتمر، ولما كنت أعلم ما لمشكلة فلسطين من عظيم مكانة في قلوب البلاد العربية المجاورة لها فغني مقتنع كل الاقتناع بأن الجمع الحاضر يمثل وجهة النظر العربية تمثيلاً وافياً رغماً عن عدم وجود الوفد الفلسطيني.
وأكاد أن أكون في غير حاجة لذكر ما تشعر به حكومة جلالة الملك من الأسف الشديد لحالة القلق والاضطراب التي غاصت فيها فلسطين مما أضر بمصالح وهناء كل جالية بل وكل فرد من أفراد الشعب في تلك البلاد وهي حالة لا يمكن السماح باستمرارها. وأنه لمن المحتم علينا أن نبذل كل مجهود في سبيل الوصول إلى تسوية لنقط الخلاف المسببة لهذه الحالة بشكل يعيد إلى تلك البلاد سلامها ورخاءها. وما عقد هذا المؤتمر إلا للوصول إلى هذا الغرض. وإني لا أعتقد كما يقال أحياناً أنها مشكلة لا يمكن إيجاد حل لها لأنني مقتنع بأنها إذا عولجت بروح التفاهم والتسليم بحقائق الأمور فلا شك أننا واصلون إلى هذا الحل.
ولكن اكتشاف حل كهذا سيتطلب مجهوداً جباراً من الحنكة السياسية ولا أرى ظرفاً أضمن للنجاح أسعد من اجتماع هذا العدد الكبير من الساسة المحنكين وهم على استعداد لتكريس أنفسهم لمكافحة الصعوبات التي نعلم جميعاً أنها ستلاحق أي مشروع يقترح لحل هذه المشكلة.
ولا مجال هنا لمناقشة التفاصيل كما إني لا أنوي محاولة سرد الصعوبات التي نوهت عنها أو الإفاضة فيها لأن حكومة جلالة الملك قد وضعت مشروعاً ترى أنه عني بالنظر فيه.
وستكون مناقشة هذا المشروع أول مسألة في جدول أعمال هذا المؤتمر كما أني أود أن أؤكد لكم بأننا لم نتخذ أي قرار بشان المشروع قبل مناقشته معكم، فها هو الاقتراح نقدمه لكم للنظر فيه ولكل وفد الحرية المطلقة لاقتراح أية تعديلات يرتئيها أو لعرض أية مشروعات أخرى للوصول إلى تسوية بطرق مختلفة.
وأعظم أمنية لنا هي أن تدور المناقشات على أوسع نطاق مستطاع في جو مشبع بأوفر قسط من الصراحة والحرية لأن تبادل الآراء على هذا الشكل أنجع وسيلة يحتمل الوصول بها إلى حل مقبول.
ومن البديهي أنه ليس في نيتي مطلقاً محاولة إملاء طريقة سير المداولات ولكني أود أن أرجوكم بإخلاص أن تضعوا نصب أعينكم الأمور الثلاثة الآتية:
أولاً: أقترح عدم الإسراف في الوقت في مناقشة الماضي لأننا نعيش في عالم دائم التقلب، وسيتحتم علينا مواجهة الحقائق كما هي اليوم فأي مشروع مهما رسخ أساسه في الماضي وقصر في تقدير خطورة الحالة الحاضرة لن يصلح لإيجاد حل لصعوباتنا.
ثانيا: أود أن أحث على أن يكون رائدنا في جميع أعمالنا وانعقاد هذا المؤتمر الاعتراف بأنه لا يمكن الوصول إلى أية تسوية في فلسطين ما لم يظهر كل من الفريقين استعداده لمراعاة مصالح الفريق الآخر ولمنح كل ما يتطلبه حفظ السلام في البلاد من ضمانات. فانتم ساسة محنكون وتعلمون أن من الصعب لي مؤتمر أن يصل لأية نتيجة إذا وطد أعضاؤه العزم قبل حضورهم إليه على السير على خطة مرسومة وأصروا على التشبث بآراء سبق أن أقروها ولا شك أنكم توافقون في أن مسألة كهذه تتضارب فيها المصالح بشدة عنيفة يتحتم فيها الأخذ والعطاء لأنه لا أمل في الوصول إلى النور إلا عن طريق هذا السبيل، سبيل المفاوضات، حيث تحترم، وتوزن وتقدر جميع الآراء. وفي النهاية يجب أن نتذكر أنه لا يمكننا معالجة المسألة الفلسطينية في جو من العزلة بل يجب أن تعالج على ضوء التزامات السياسة العالمية الأوسع مدى. نعم إن فلسطين بلد صغير غير أن لكل ما يحدث فيها صداه في أفق أوسع بمراحل من افقها. فوضع أي مشروع لها مع تجاهل هذا الصدى معناه تعامينا عن حقائق الأمور. فقد يلوح لنا البناء متيناً إلا أن أساساته هشة منهارة.
إنه لسديد أن نجتمع هنا للإشراف بروح الصداقة على هذا الميدان الواسع الأرجاء لأن أي شيء يمس الشعوب العربية له أهميته عند الشعب البريطاني وإني بالمثل أعتقد أن مصير بريطانيا له أهميته أيضاً عند الشعوب العربية فنحن صحبة تضمنا رابطة طبيعية وقد يلوح في بعض الأحيان أن صدمات الحوادث في فلسطين تهدد عرا هذه الرابطة بالانفصام، فرجائي الحار لدرء هذا الخطر أن نتكاتف في معالجة ما نحن فيه من صعاب بصراحة وإخلاص وان نبحث سوياً عن حل شريف مقبول لكلا الطرفين.
حقيقة أن المشكلة التي تواجهكم هي مشكلة غاية في التعقيد، وعبء المسؤولية في معالجتها لا شك ثقيل وإنما من المحتم إيجاد حل لها، وأني لواثق كل الوثوق أنكم ستباشرون مهمتكم بسداد وحكمة مقدرين تمام التقدير الفوائد التي ستتدفق ليس على بلدان الشرق الأوسط فحسب بل على أماكن أخرى أيضا على اثر إيجاد حل عادل دائم لهذه المشكلة.
وإني آسف لعدم تمكني شخصيا من الاشتراك في مداولاتكم لأن عبء واجبات رئيس الوزراء ثقيل لدرجة تجبرني أن أترك السير في هذه المناقشات لزملائي من أعضاء وفد المملكة المتحدة ولكني أؤكد لكم بأني سأتتبع سيرها بأشد الاهتمام وسأعمل كل ما في وسعي للوصول بها على النجاح.
وإني أتمنى أن يكون البدء في هذا المؤتمر فاتحة عهد جديد اسعد مما تقدمه من العهود في تاريخ فلسطين فغني أتوقع نتائج عظيمة من الاتصالات الشخصية الجاري تأسيسها الآن. واجتماعنا بهذه الكيفية اليوم دليل على مدى اعتراف حكومة جلالة الملك بأن فلسطين موضوع ذو أهمية وفيه مصلحة شرعية للشعوب العربية وآمل أن مجيئكم لمقابلتنا اليوم يقيم دليلاً آخر على روابط الصداقة التي تربطكم وتربط شعوبكم بنا وبشعوب الإمبراطورية البريطانية.
خطاب دولة فارس بك الخوري رداً على خطاب مستر اتلي في مؤتمر لندن 11 سبتمبر سنة 1946
حضرات أصحاب السمو الأمراء، حضرات السادة:
ألقى مستر اتلي خطابه الافتتاحي لهذا المؤتمر وقد وعدنا برد الوفود العربية عليه اليوم، وإني اغتنم الفرصة لتكرار الشكر باسمهم على كريم وفادة الحكومة البريطانية والمجهود الذي تبذله لتيسير إقامتنا وعملنا كما أتلو باسمهم هذا الرد:
لقد شهد ربع القرن الأخير من الشعوب العربية كافة جهوداً متصلة في سبيل استقلالها وحريتها وكرامتها القومية والمساهمة بنصيب موفور في سير المدنية الإنسانية، ولقد وفقت إلى كثير مما جاهدت في سبيله رغم ما لقيته في طريقها من عقبات، ولعله من الحق أن نذكر في هذا الصدد.. لبريطانيا العظمى ما أبدته في كثير من المناسبات عن رغبة صادقة في مسايرة النهضة العربية ومعاونة بعض الشعوب العربية لتحقيق أهدافها في الحرية والاستقلال، ولقد توثقت العلاقات على وجه الخصوص بين بريطانيا والشعوب العربية المنسلخة عن الإمبراطورية العثمانية نتيجة للتعاون الذي ابتدأ في الحرب العالمية الأولى، والذي نهض فيه العرب لتحرير أنفسهم في ثورتهم الكبرى وأدوا نصيبهم في سبيل النصر المشترك.
على أننا إذ نذكر ما صادفته سائر الدول العربية من نجاح سياسي لا يسعنا إلا أن نأسف اشد الأسف لما أصاب فلسطين الشقيقة من عائق أثقل جناحيها عن اللحاق بأخواتها فهي في الجهاد شريكة لسوريا ولبنان وفي الأردن والعراق. كانت لهؤلاء زميلة في موقفها تجاه الدولة العثمانية، ثم هي لهؤلاء صنو في مركزها الاجتماعي والثقافي ومع هذا كله تخلفت عنها في تحقيق أمانيها السياسية لسباب خارجة عن إرادتها وإرادة العرب جميعاً.
لقد طولبت فلسطين بعمل المستحيل، إذ أريد منها وحدها أن تحقق أحلام الصهيونية السياسية وأطماعها فألقي بذلك على عاتقها عبء ثقيل انقض ظهرها فكأنما أريد لها أن تقتلع جذورهم من بلادهم اقتلاعا ليحل غيرهم مكانهم، ولقد كان للخلط بين مشاكل اليهود العالمية وفلسطين أسوا الآثار.
فمشاكل اليهود عالمية ولا بد لها من حل عالمي ولا شأن لفلسطين بها ولا حل لها فيها وينبغي أن يعنى بها العالم كله.
أنا بغير شك نؤيد مستر اتلي في رغبته الصادقة نحو رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي في جميع الشعوب العربية، وهذا هو بعض ما حدا بنا إلى إنشاء الجامعة العربية ونرحب بكل تعاون اقتصادي مع بريطانيا يكون فيه مصلحة الفريقين ولكننا على ثقة تامة من أن هذا التعاون مهما كان كبيرا لا يؤدي إلى نتيجة إذا اعترف لليهود في فلسطين بأي نوع من أنواع الكيان السياسي المستقل – كما أننا على ثقة أن في ذلك خطرا عظيما يهدد حياتنا الاقتصادية وتؤمل أن لا يدور في خلد أحد أن فائدة التعاون الاقتصادي تحملنا على التساهل في قضية فلسطين.
إنها لفرصة ثمينة حقاً أن تجتمع الدول العربية في هذا المؤتمر لتعبر عن آمال العرب في المسالة الفلسطينية ولتنهض دليلا حياً على أن الدول العربية في صميمها شعب واحد اتحدت آماله وآلامه. ولئن أسفنا لشيء.. فهو أن نتلفت فلا نرى بيننا من يمثل فلسطين من أبنائها، ومع ذلك فالعالم العربي كله حينما يقف بجانب فلسطين في محنتها فغنما يذود عن قطر من أقطاره وعن كيانه القومي وسلمه.
إننا نشارك مستر اتلي الرأي بان مشكلة فلسطين ليس من المستحيل حلها، فإن بدا عليها شيء من الاستحالة فعله ذلك أننا نرى الحل الطبيعي سبيله واضح فندير له ظهورنا لنفكر في حلول مصطنعة. والحل الطبيعي الذي تمليه البداهة أن نعترف لهل فلسطين بحق العيش في أرضهم آمنين وحق تقرير مصيرهم، كما يعترف بذلك لكل أمة من أمم الأرض، وألا ننكر على الفلسطينيين تطبيق المبادئ الديمقراطية في وطنهم تلك المبادئ التي بذلت الأمم الحرة في سبيلها ملايين الضحايا وأقامت عليها نظام الأمم المتحدة وضمنته المعالي السامية في ميثاق الأطلنطي والحريات الأربع.
تلك هي النظرة الطبيعية للموقف إن خلصت النية وصح العزم على الوصول إلى النتيجة الصحيحة. إن طبيعة الأشياء هي أن تكون فلسطين لأهلها ينعمون بالحياة الحرة الآمنة المطمئنة فيها على اختلاف أديانهم. وفي سبيل الوصول إلى حل عادل مستقيم مع الأصول الديمقراطية لا يهمنا أن نرجع إلى الماضي أو إلى التاريخ أو إلى أي جدل نظري إلا بالقدر اللازم لظهور الحق ووضع الأمور في نصابها وضعاً يتيسر به الحل العملي. والذي يهمنا من الأمر هو ألا يفقد العرب في فلسطين حقهم التاريخي الخالد وأن يعترف لفلسطين بحقها كأخواتها الدول العربية وأن لا يقتطع شيء منها ليكون وطنا أو دولة لمجموعة من المهاجرين المنتسبين إلى أقوام شتى وأن اتفقوا في الدين.
وعلى هذا الوضع وفي هذه الحدود جئنا نبادل الرأي والمشورة في روح من الصداقة والتعاون مع بريطانيا العظمى لعلنا نهتدي وإياها سواء السبيل فينشر السلام لواءه على العالم العربي ثم على أنحاء الأرض جميعاً غذ السلام كما قيل كل لا يتجزأ ولقد أشار مستر اتلي إلى اضطراب الأمن في فلسطين ونحن نشاركه الأسف على وصول هذه الحالة إلى قدر عظيم من الخطورة والسوء. لقد بلغ التسلح الصهيوني حداً كبيرا والإرهاب الشنيع الذي تقوم به العصابات الصهيونية يعرض باستمرار حياة السكان وأمنهم لخطر دائم، فإذا لم تنهض الدولة المنتدبة بواجبها في حزم سريع فغننا نخشى أن تتطور الأمور إلى أسوأ مما هي عليه الآن مما قد يضطر الأهالي الالتجاء إلى وسائلهم الخاصة للدفاع عن أنفسهم.
ولقد كان يسرنا كل السرور لو مكنت الظروف مستر اتلي من الاستمرار معنا في أعمال المؤتمر فله الشكر على اهتمامه بافتتاح المؤتمر ومشاركته في السيرة.
إننا نتقدم غليكم واثقين من أنفسنا مطمئنين إلى عدالة حقنا الذي لا ينازعنا فيه منصف.
خطاب معالي الدكتور فاضل الجمالي (المملكة العراقية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
أود قبل كل شيء أن أتوجه بالشكر إلى جناب المستر بيفن لطرحه أوراقه مكشوفة على المائدة، واحسب أن هذا هو أفضل طريق لبلوغ التفاهم الكامل المتبادل، كذلك أحب أن أسجل هنا، إننا قد قابلنا بسرور عظيم في العراق، بيان المستر بيفن، الذي أعلن فيه مصادقة العالم العربي، أعظم أهمية لبريطانيا العظمى من جيوش ترابط وتعسكر في الشرق الأوسط. ونحن نرى على التحقيق أن الصداقة المبادلة بين شعبينا، هي أمر ذو أهمية حيوية لنا جميعاً، وأخشى أن تتسبب المشكلة الفلسطينية في إفساد تلك الصداقة.
وأحب أن أعلن هنا، إننا في العراق نبدي اهتماما عميقا بمشكلة فلسطين فهي تعتبر عندنا إحدى مسائلنا الداخلية، فضلا عن دلالتها الوطنية والدولية، لن سلامتنا واستقرارنا يتأثران تأثرا مباشرا بحوادث فلسطين ويوجد في العراق زهاء 120 ألف يهودي، عاشوا بها منذ قرون في سلام وانسجام كاملين جنبا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين والمسيحيين. ولم يكن في الجو السياسي شيء يبعث على إثارة الاضطراب وتعكير صفو ذلك الأمن والانسجام، على أن وفدت الصهيونية على فلسطين. وعندئذ بدا اليهود في العراق يجدون أنفسهم على الرغم منهم قد أساءت غليهم الصهيونية إساءة بالغة، وإن الحكومة لتبذل أقصى جهدها للحيلولة دون وقوع أي اضطهاد من شانه أن يؤدي على إثارة القلاقل والمتاعب بين الأفراد الذين يعتنقون عقائد مختلفة.
وقبل أن أتصدى لمناقشة مشروع موريسون، أود أن أثير نقطا قليلة، لها في رأيي – اثر مباشر في أية تسوية مقبلة لمشكلة فلسطين.
- النقطة الأولى هي أن العرب يرغبون في تحقيق السلام وكفالة الأمن. والواقع أن السلام والأمن قد اضطرب حبلهما نتيجة لحركات الصهيونية السياسية، وكان العرب على الدوام يفصحون عن آلامهم ويرسلون صوتهم مطالبين بحقوقهم، وهم يسعون إلى تحقيق تسوية نهائية لقضيتهم العادلة. غير أن اليأس قد بلغ بهم مداه. فقد فقدوا إيمانهم وثقتهم باللجان وبالبيانات الرسمية، لأنهم يرون حتى الآن أن كل قرار ينطوي على احترام حقوقهم قد أغفل وأهمل، في حين أن القرارات الموضوعة لصالح المهاجرين المتطفلين قد أجري تطبيقها وإني أناشدكم جاداً باسم السلام والعدالة أن يمنح السلم والعدل للعرب في فلسطين.
- وثمة نقطة هامة جدا لا بد من حسمها مرة واحدة وإلى الأبد ألا وهي أن فلسطين بلد خلو من كل جاذبية وسحر. فهي جزء يسير من أمة لها طاقتها الطبيعية والمادية. وليس هنالك شيء غامض يتعلق بطاقتها ومقدرتها كما أنها لا تنطوي على أية مقدرة أو قوى خارقة للعادة. وهي ككل بلد آخر غيرها، يقطنها شعب من الشعوب. أما كونها تضم بين ربوعها الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة العظمى فأمر لا يضيف شيئا جديدا لطاقتها الطبيعية، كما أنه ليس جديرا بان يثير المشاكل والتعقيدات السياسية. أما الدافع الوهمي الذي يحمل الصهيونيين على المطالبة بفلسطين، فهو خرافة ليس إلا، وينبغي استئصالها بتاتا، فالصهيونية أولا وقبل كل شيء، ليست حركة دينية وغنما هي فكرة سياسية عارضة. ولو أننا قبلنا ثانياً سابقة الصلات والعلاقات الوهمية والخرافية ببلاد الشعوب الأخرى. فقد نجد أنفسنا مواجهين بقضية جديدة تثير النزاع في مختلف بلاد المعمورة، ذلك أن أية امة معتدية قد يسعها أن تختلق صلات وهمية خرافية ببلاد شعب آخر. ومن ثم فغنه يبدو لي أن المشكلة الفلسطينية حقيقة بأن تعالج استناداً إلى الأسس والقواعد الطبيعية والإنسانية، بدون أي تقدير للمسائل الخرافية (الميثولوجية).
- ويبدو لي أن أساس كل المتاعب القائمة في فلسطين ينحصر في طبيعة الصهيونية السياسية. ذلك أن الصهيونية السياسية حركة عدوانية. ونحن لا نعرف لأهدافها ومطامعها حدوداً. وإن فكرتها الأساسية المشتملة على العنصرية والدين والقومية، لتلتقي في كثير مع الفكرة الأساسية للنازية. فنفس الفكرة القائلة بالشعب المختار، وأرض الميعاد، لا تختلف كثيرا عن المبدأ النازي. "الشعب المختار" لعله أرض الميعاد..؟ أية أرض. ؟ أي أرض تلك هي الأرض الموعودة..؟ أهي جزء من فلسطين..؟ أهي كل فلسطين ؟ أهي فلسطين وشرق الأردن ؟ أهي فلسطين وشرق الأردن ومصر وسوريا ولبنان والعراق ؟ هذه هي الأسئلة التي أجيب عنها بإجابات مختلفة ونحن نعرف جيداً أن الصهيونيين ليسوا من الغباء والحمق بحيث ينفقون الملايين بل مئات الملايين من الجنيهات، من أجل بلاد قاحلة ضيقة. لقد وفدوا إليها في الواقع وهم يحملون بين جوانحهم مطامع واسعة، ترمي على السيطرة، اقتصادياً على الأقل، على العالم العربي بأسره. بل على الشرق الأوسط جميعه والأمر المحقق أن العرب لا يستطيعون أن يبدو عدم الاكتراث بمثل هذه النوايا العدوانية.
ولقد اثبت الصهيونيون بخططهم التي اصطنعوها: أنهم أعظم شراً ووبالاً من النازيين. ذلك أنهم يستخدمون وسائل في التسلل واقتناص الشعوب وانتزاع أراضيها وتجارتها، مما لم يحاول النازيون قط تطبيقه وهم في وسائلهم القتالة وفي أعمالهم الإرهابية لا يقلون مقدرة وكفاءة عن النازيين إن لم يبزوهم. والمسألة التي أحب أن أطرحها على الحكومة البريطانية هي أن العرب يواجهون خطراً وبيلاً. فهم يواجهون غزواً عاماً، لأن الصهيونيين لا يقومون بشيء أقل من غزو فلسطين. وهذا الغزو العدواني يجب أن يعلم أمره قاطبة كما يجب أن يعلم العالم شيئاً عن هذه العقيدة العدوانية وعن الخطط التي تصطنعها ونحن نرجو من الحكومة البريطانية التي تقدر قلبياً صداقة العرب، أن تعطف على العرب وتقرر وضع حد نهائي لهذا الخطر.
وأود أن أتوجه بالسؤال للمستر بيفن عما إذا كان يرحب بخمسمائة ألف نازي يجلبون على انجلترا بقصد تشييد أركان وطن قومي نازي، غني لواثق كل الثقة من أنه سيعارض هذا الاتجاه وأنه سيناضل دونه، بيد أن ذلك هو ما يقع فعلا للعرب في الشرق الأوسط ولا يزال الخطر في اطراد ونمو مستمر.
- أما فيما يختص بتدخل الولايات المتحدة في مسالة فلسطين فلدي ملاحظتان أود الإشارة إليهما. الأولى هي أنني واثق من أن الشعب الأمريكي العظيم الذي لم أشك قط في إخلاصه في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة قد استغلته الدعاية الصهيونية القوية. وإني لمتأكد من انه متى اطلع الأمريكيون على حقائق القضية العربية وأدركوا عدالتها، وعرفوا الخطر الذي ينذر بالإساءة إلى علاقاتهم الودية بالعالم العربي، فغنهم لن يترددوا في الكف عن تأييدهم للصهيونية. والملاحظة الثانية هي أننا إذا قبلنا التدخل الأمريكي فينبغي علينا حينذاك أن نمنح الحق في مثل هذا التدخل لأمم أخرى. من أجل هذا نشعر أن تسوية المسالة الفلسطينية، ينبغي أن يقتصر أمرها على العرب والحكومة البريطانية. أما فيما يتعلق بالصهيونيين فليست لهم حقوق أساسية. فقد منحتهم بريطانيا امتيازا أساءوا تفسيره كما أساءوا استخدامه.
ومن الحقائق الجوهرية التي ينبغي الاعتراف بها وتقديرها، هي أن العرب واليهود في فلسطين لم يكونوا قط في موقف متعادل متكافئ. فالعرب هم أصحاب البلاد الشرعيون في حين أن الصهيونيين غزاة معتدون، فالمسألة إذاً ليست مسألة حق يواجه حقا وإنما هي حق يواجه باطلاً.
- وواجب علينا أن نفصل – فصلا نهائياً – بين مشكلة اليهودية العالمية والمسالة الفلسطينية، فالمشكلة اليهودية يجب أن تعالج في أوروبا، لن أوروبا تحتاج إلى معمرين ومنشئين يستطيعون إصلاح الدمار الذي أنزله بها النازيون، ونحن لا نستطيع أن ندعي أننا كسبنا الحرب إذا استمرت جذور النازية متغلغلة في أوروبا، وإذا واصلنا حرمان أتباع الدين اليهودي في أوروبا من التمتع بكافة حقوقهم الدينية والمدنية الكاملة. وحقيقة الأمر هي أن الخطط الصهيونية المؤذية قد طبقت لتوهين الروابط القومية ليهود أوروبا، وجعلهم يؤمنون بأنهم لا يمتون بصلة للبلدان التي يعيشون فيها، وإنه ينبغي لهم أن يقصدوا إلى فلسطين ولا يستطيع العرب أن يعتبروا أنفسهم مسئولين عن مثل هذه الخطط المنافية للإنسانية.
- هل المبادئ الديمقراطية التي ينطوي عليها ميثاق هيئة الأمم المتحدة وميثاق الأطلنطي، والحريات الأربع، ستطبق على شعب فلسطين أو هل شعب فلسطين سيصبح فريسة لخطط ومشاكل ليس هو مسؤول عنها ؟ ولم يا ترى يعاقب عرب فلسطين، دون ما ذنب اقترفوه، بحرمانهم من قيام حكومة ذاتية ومن حق تقرير مصيرهم، لمجرد أن الحالمين ذوي المطامع الاشعبية يعتزمون إنشاء حكومة أجنبية في بلد عربي ؟ .
- لقد أعلنت الحكومة البريطانية في حزم، في أكثر من مناسبة أنها لا تعني أن يصبح الوطن القومي اليهودي دولة يهودية، وإن وعد بلفور لم يرم على الإجحاف بحقوق العرب وامتيازاتهم في وطنهم. وأود أن أعرف ما إذا كانت الحكومة البريطانية لا تزال تقف هذا الموقف، فإذا أصبح ذلك فنحن نأمل أن تضع حدا نهائيا وسريعا لأهداف الصهيونية ومطامعها وأن تحقق من أن المشروع المقترح لفلسطين لن يؤدي على إقامة دولة يهودية.
- وإني لعلى ثقة من أنه لو كان اللورد بلفور لا يزال على قيد الحياة لأعرب عن أسفه من أجل الوعد الذي ارتبط به. والظاهر أن ذلك الفيلسوف العظيم قد تورط وقبل له أن فلسطين بلد لا يكاد يقطنه أحد من السكان، أو يقطنه على الأقل أناس بدائيون ليست لهم أية مثل عليا أو أهداف ينشدونها أما الآن وقد طبقت التجربة ربع قرن من الزمان، فغنه لمن النبل والعظمة الاعتراف بان مثل هذه الخطة لم تكن حقا، وإنها لا يمكن أن تؤدي إلى الحق. ولقد آن الأوان لاتخاذ قرارات عظيمة وتصحيح أخطاء الماضي أو وقفها على الأقل. إن العالم يحتاج إلى إعادة أموره وقواعده على أسس من المبادئ لا على سند غير مشروع. وينبغي أن ندرك أن حق الشعوب والأمم هو في أن تعيش حياتها في أوطانها وأن تتمتع بتقرير مصيرها، ولقد آن الأوان لأن نعترف بهذا الحق لعرب فلسطين.
- ومهما يكن من أمر الرأي الذي نراه بشان قيمة التاريخ وحق استخدامه، فإن العرب لا يستطيعون بحال أن يتنازلوا عن حقوقهم التاريخية والشرعية في فلسطين. فلا الوعود ولا التصريحات ولا البيانات التي تثبت هذه الحقوق مما يستطاع إنكاره أو نسيانه. فمكاتبات مكماهون وغيرها من المواثيق والعهود التي اتخذت إبان الحرب العالمية الأولى، والفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم التي صودق عليها في سان فرانسيسكو، والبيانات السياسية المختلفة التي أعلنتها حكومة جلالة الملك وكتاب تشرشل الأبيض الصادر في عام 1922، وكتاب باسفلد الصادر في سنة 1930، والكتاب الأبيض الصادر في عام 1939، هي سجل مواثيق وعهود بريطانيا وستظل معتبرة من جانب حكومة جلالة الملك مواثيق شرف تربطها وتقيدها في سبيل تحقيق الحقوق العربية.
وإن الحكومة العراقية، إذ تضع نصب عينيها النقط السابق الإشارة إليها لا تستطيع سوى أن ترفض مشروع موريس الاتحادي، أو المشروع الإقليمي كما يدعى الآن. وهذا المشروع يتناقض تناقضاً أكيداً من النقط التالية:
- سيؤدي المشروع على الأرجح إلى التقسيم. والعرب لن يوافقوا أبداً على التقسيم لأنهم هم الأم الحقيقية للطفل، إذا نحن تذكرنا قصة المرأتين اللتين احتكمتا إلى سليمان الحكيم.
- سيعني التقسيم قيام دولة يهودية، ولن يقبل العرب أبدا أي مشروع يؤدي إلى ذلك. فقيام دولة يهودية لن يكون بمثابة عمل ناشز في الشرق الأوسط فحسب وإنما هو خطر يتهدد جميع من يهمهم الأمر. والمؤكد انه سيؤدي على أكثر مما جال بخاطر الحكومة البريطانية أن تمنحه لليهود.
- سيجعل المشروع فريقا كبيرا من السكان العرب في حكم الأقلية داخل نطاق الدولة اليهودية وهذا ما نعارضه بقوة.
- وقد يؤدي المشروع إلى هجرة أخرى، وإلى ازدحام المنطقة اليهودية ازدحاماً مصطنعا، الأمر الذي قد يستند غليه الصهيونيين في استخدام كل وسيلة ممكنة للتسلل إلى البلاد العربية المجاورة واستغلالها.
- يشمل المشروع كافة العيوب التي ظهرت واضحة جلية في تقرير وودهد وهو لن يسفر عن نجاح عملي بعد مدة من تطبيقه.
- يحرم المشروع العرب من أفضل جزء في بلادهم ويجعلهم عاجزين عن أن يكفوا أنفسهم بأنفسهم من الناحية المالية، وأحب في هذا المقام أن أشير إلى نقطة موازنة الميزانية الفلسطينية بدون الأموال اليهودية وأحب أن أعلن أن الجانب الأعظم في الميزانية الفلسطينية ينفق على قوة البوليس من أجل صيانة الأمن الذي اضطرب حبله نتيجة لوجود الصهيونية ونشاطها.
- ونحن نعارض بشدة المشروع الذي يؤيد وجهة نظر لجنة التحقيق الانجليزية – الأمريكية في أن فلسطين ينبغي ألا تكون عربية أو يهودية وهذا افتئات على أبسط المبادئ البديهية.
- كذلك نعارض بشدة إشارة المشروع إلى الأموال التي ستنفق على العرب في فلسطين، وإلى القرض الذي سيمنح للدول العربية.. وربما كان مرد ذلك إلى نقص في إدراك طبيعة العرب وخلقهم. فلن يوافق العرب أبدا على التسليم بحقهم في وطنهم مقابل رشاوى أو مغانم مادية مهما كان مصدرها. فالعربي قد يؤثر الموت أو الجوع على أن يلوث شرفه أو تجرح كرامته. فالشرف الوطني والكرامة القومية يجعلاننا نرفض رفضا باتا مثل هذه المقترحات.
- لن يوافق العراق أبدا على إقامة معبر صهيوني في فلسطين ونحن نرى أنه لن تقوم للسلام قائمة في الشرق الأوسط إلا إذا انتزعت منه أغراض الصهيونية السياسية السامة.
تلك هي آراء بلادي بسطتها في اختصار. ولقد عرضتها في صراحة تامة. بل لعلني بسطتها في صورتها الحقيقية المجردة، بيد إنني أؤكد لكم في إخلاص أنني قد كشفت بدوري أوراقي على المائدة. وأود أن تقابل آرائي التي أوضحتها بروح المودة والعطف، لأننا بهذه الروح وحدها نستطيع أن نضع قواعد حل عادلة للمشكلة الفلسطينية.
خطاب صاحب السعادة كميل بك شمعون (الجمهورية اللبنانية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
صاحب السمو، أصحاب المعالي والسعادة، سادتي:
إن بياني سيتضمن دراسة الوفد اللبناني لمشروع المستر هربرت موريسون وكذلك بحث لتاريخ المسألة الفلسطينية والوثائق المتعلقة بها.
إن الوفد اللبناني قد درس بدقة مشروع الحكومة البريطانية لإنشاء نظام اتحادي في فلسطين وهو يحس بضرورة معارضة هذا المشروع الذي يناقض في رأيه حقوق سكان فلسطين العرب في بلادهم مناقضة صريحة.
إن الوفد اللبناني يهمه في المفاوضات الحالية نقطتين رئيسيتين:
(الأولى) المحافظة على حقوق العرب في فلسطين وعلى ما يصبو إليه من استقلال وتقدم لحياتهم القومية وكلها حقوق مشروعة.
(الثانية) المحافظة على الصداقة التقليدية التي تربط الأمم العربية والشعب البريطاني والزيادة في تدعيم هذه الصداقة.
وبالنسبة إلى هذه النقطة الأخيرة يرون أنهم يكونون قد تنكروا لهذه الصداقة إذا لم يؤكدوا أن
السياسة التي اتبعتها الحكومات البريطانية المتعاقبة في فلسطين قد أثارت للسف بين الشعوب العربية شعورا من المرارة العميقة لم تستطع هذه المقترحات الأخيرة أن تزيلها.
وإن الوفد اللبناني ليحس بأن عليه أن يؤكد الحقائق الآتية:
- إن مطالب سكان فلسطين العرب يبررها تراثهم التقليدي والأخلاقي وحقوقهم الثابتة كسكان البلاد الأصليين منذ بداية التاريخ.
إن ما حدث من أن اليهود سكنوا جزءا من هذه الأرض سنين متقطعة لقرون قليلة لا يبرر بشكل ما ادعاءاتهم الحالية ولا بما يقومون به من هجرات ضخمة إلى هذه البلاد.
ثم أن فلسطين كانت مهد الدين اليهودي وهذا لا يعطي اليهودية العالمية أي حقوق سياسية وكذلك لا يمكن القول بأنها تجعل للمسيحيين والمسلمين حقوقاً سياسية خاصة رغم أن الروابط الدينية التي تربطها بهذا البلد لا تقل دعامة وقوة عن هذه التي لليهود.
لقد كانت فلسطين ويجب أن تظل وحدة قومية مستقلة عن كل الاعتبارات الدينية. إن مستقبل تكوينها وعلاقتها مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة ستضمن لها الحرية الدينية المطلقة بما في ذلك حرية التعبد في الأماكن المقدسة والمحافظة على سلامتها.
- إن الوفد اللبناني لا يوافق بشكل ما على التفسيرات التي تقول أن فلسطين لم تضمن في المراسلات المتبادلة في 1915 و 1916 بين السير هنري ماكماهون وشريف مكة. بل هل يرون على النقيض أن هذه المراسلات وخاصة العبارات التي تشير إلى الأراضي التي تقع على الغرب من دمشق (خطاب 24 أكتوبر سنة 1915) بإخراجها هذه الأراضي نفسها من التقسيمات المستقلة تتضمن بالضرورة أن جنوب سوريا وبألفاظ أخرى فلسطين داخل في نطاق البلاد العربية التي وعدت بالاستقلال.
- إن الوفد يرى نفسه مرغماً على التذكير بالوثائق والتصريحات التي لا عداد لها التي قطعت فيها الحكومة البريطانية على نفسها المواثيق والعهود أن لا تتخذ قرارات خاصة بمستقبل فلسطين دون رضاء سكان هذه البلاد وبشكل يتفق مع مصالحهم الاقتصادية والسياسية.
(أ)- فيقول تصريح 7 يونية سنة 1918
"إن حكومة صاحب الجلالة ترغب وتود أن ترى الحكومات المستقبلة لهذه المناطق قائمة على مبدأ رضاء المحكومين وتعلن أن هذه السياسة نالت وتنال تأييد حكومة صاحب الجلالة".
(ب)- في حديث بين الجنرال السير ادموند اللنبي والأمير فيصل في أكتوبر 1918 جاء:
"ولقد ذكرت على الأمير فيصل أن الحلفاء ارتبطوا بوعود الشرف أن يسعوا ليصلوا إلى تسوية تتفق مع رغبات الشعوب التي يعنيها الأمر وسألته بإلحاح أن يضع كل ثقة في نياتهم الطيبة"
(ج)- التصريح الانجليزي الفرنسي في نوفمبر 1918:
"إن الغاية التي تسعى إليها فرنسا وبريطانيا العظمى في مقاومتهم في الشرق الأدنى للحرب التي أشعلت نيرانها المطامع الألمانية هي تحرير الشعوب التي حكمها الأتراك هذا المدى الطويل تحريرا شاملاً كاملاً وإقامة حكومات قومية تستمد سلطتها من سكانها الأصليين وحريتهم في الاختيار والسبق في العمل".
لقد أمعنت اللجنة البريطانية العربية التي أقيمت أثناء مؤتمر فلسطين في – 1939 النظر في الوثائق. وجاء في تقرير اللجنة:
"في رأي اللجنة انه من الواضح من هذه التصريحات أن حكومة صاحب الجلالة لم يكن لها حرية التصرف بفلسطين دون الأخذ بعين الاعتبار رغبات سكان فلسطين ومصالحهم وأنه يجب أن يعمل حساب كل هذه التصريحات في أية محاولة لتقدير المسؤوليات التي حملتها حكومة صاحب الجلالة نفسها – وذلك عند تفسير هذه المراسلات أمام سكان هذه البلاد كنتيجة لهذه المراسلات".
- إن الانتداب المفروض على فلسطين يقر حق سكان هذه البلاد في الاستقلال ويؤكد أن الهجرة اليهودية وإقامة وطن قومي يهودي لن يؤثر بشكل ما على حقوق عناصر السكان الأخرى أو مركزهم.
- المادة 22 من ميثاق جامعة الأمم تقول:
"إن بعض الطوائف التي كانت تنتسب سابقا للإمبراطورية العثمانية قد بلغت درجة من التقدم تجعل قيامها كأمم مستقلة مما يجوز الاعتراف به اعترافاً مقيدا بشرط هو أن توجه السلطة المنتدبة بالمساعدة والنصيحة إدارتها حتى يحين الوقت الذي تستطيع فيه أن تتولى حكم نفسها بنفسها".
- المادة 6 من الانتداب الخاصة بنمو الوطن القومي اليهودي تفصح عن احترام مماثل لحقوق السكان العرب فتقول:
"وبينما يعمل على تسهيل الهجرة اليهودية واستقرار اليهود يجب ضمان عناصر السكان الأخرى ومركزهم وعدم إحداث ما يؤثر فيها".
وإن الوفد اللبناني ليدرك تمام الإدراك أن ليس ثمة ما يمكن عمله الآن لإقامة نظام الحكم القومي في فلسطين أو البلوغ بهذا الاستقلال المستوى الذي بلغته البلاد العربية الأخرى التي تربطها بها روابط الدم والتقاليد الثقافية واللغوية المشتركة، والوفد يعلم أن ما حدث من أن فلسطين لم تحقق حريتها لا يرجع على أي تأخر يتصف به سكانها أو نقص في مستواهم العقلي أو الاجتماعي إذا ما قورنوا بالبلاد المستقلة الأخرى بل لهذا السيل المنظم الذي لا ينقطع من المهاجرين الذين صمموا على إحالة فلسطين دولة يهودية والذين يهددون بوجودهم بعدد ضخم دائم التزايد آمال فلسطين ووحدتها القومية.
والوفد يلاحظ بأسف مماثل أن الحكومة البريطانية لم تنفذ من كتابها الأبيض الذي نشرته في مايو سنة 1939 وحددت به سياستها في فلسطين إلا هذا الجانب الذي يساعد الهجرة اليهودية وأهملت الالتزامات التي أخذتها على نفسها للسكان العرب والاقتراحات الحالية من الناحية الأخرى التي تقسم فلسطين تقسيماً مبتسرا إلى مناطق أربع والتي تسمح بدخول أعداداً كبيرة من اليهود وجواز استمرار الهجرة في المستقبل هي بمثابة إنكار لكل هذه الالتزامات ونقض للانتداب الذي تقوم الحكومة البريطانية بمزاولة سلطتها في ظله.
- من الواضح من مقترحات الحكومة البريطانية وكذلك من توصيات لجنة التحقيق الانجليزية الأمريكية أن الحجة التي استخدمت لاستمرار الهجرة اليهودية هي مقدرة فلسطين على الاستيعاب الاقتصادي.
ونحن لا نرى في هذا وجهة نظر غاية في الضيق فقط بالنسبة للمسالة الفلسطينية وإنما عجز فاضح عن تفهم حقوق السكان العرب وآمالهم من الناحيتين الوطنية والاقتصادية على السواء. فإن عرب فلسطين ينظرون للمحافظة على حقوق بلادهم وتحقيق حريتهم وإقرار حياة قومية مشيدة الأركان كهدفهم الأسمى وهم في هذا مثل دول أوروبا التي ضحت بشبابها وثروتها ومنابع ثروتها الاقتصادية للمحافظة على استقلالها.
إن الحديث عن مقدرة فلسطين الاستيعابية في رأينا محض وهم يستخدمه الصهيونيون لتبرير الهجرة على نطاق واسع فيحققون بهذا غرضهم الحقيقي وهو ليس اقتصادياً بل سياسياً أي تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.
وليس علينا إلا الإشارة إلى الوثائق التي لا عداد لها والتصريحات التي سبق أن أوردناها حتى تدركوا أن العامل القومي هو العامل الأساسي الذي يجب أن نأخذه بعين الاعتبار حين نسعى لحل مشكلة فلسطين حلاً عادلاً.
إن كل الاتفاقيات التي وقعت قبل إعلان الانتداب تعلن أن العامل الموجه لسياسة الحكومة البريطانية يقوم على رضاء سكان فلسطين واحترام حقوقهم المدنية والسياسية. والنظام الانتدابي نفسه في مادته السادسة يحبذ قيام وطن يهودي قومي بشرط أن لا يتعارض هذا مع حقوق السكان المحليين ومركزهم.
ويتناول الكتاب الأبيض الذي نشر في سنة 1939 والذي يرسم السياسة البريطانية في فلسطين هذه المسألة بالعبارات الآتية:
"إذا أثرت الهجرة في مركز البلاد الاقتصادي تأثيرا مضادا حينذاك يجب فرض القيود عليها فرضاً واضحا. وكذلك إذا أفسدت موقف البلاد السياسي بشكل خطير حينذاك تصبح عاملاً لا يمكن تجاهله. ورغم أنه ليس من العسير القول بأن عدد المهاجرين اليهود الكبير الذين سمح لهم بالدخول حتى الآن قد استوعبوا اقتصاديا فغن مخاوف العرب من أن هذه الهجرة ستستمر دون توقف حتى يبلغ السكان اليهود مركزاً يسيطرون به عليهم قد أنتج آثارا خطيرة للغاية لليهود والعرب على السواء وخطيرة كذلك بالنسبة لسلم فلسطين ورفاهيتها.
فإذا سمح في هذه الظروف باتصال الهجرة حتى تبلغ مقدرة البلاد على الاستيعاب الاقتصادي نهايتها بدون النظر إلى كل الاعتبارات الأخرى فإن عداءً خطيرا سيشتعل أواره بين الشعبين وقد يبلغ الموقف في فلسطين مبلغاً يصبح به مصدرا دائماً للانقسام بين شعوب الشرقين الأوسط والأدنى وإن حكومة صاحب الجلالة لا يمكن أن تقبل الرأي القائل بأن التزاماتها التي يفرضها النظام الانتدابي أو اعتبارات المنطق السليم والعدالة تتطلب منها أن تغفل هذه الظروف في رسم سياسة الهجرة".
إن في رأي اللجنة الملكية أن ارتباط سياسة تصريح بلفور بالنظام الانتدابي يتضمن الاعتقاد أن عداء العرب لسياسة التصريح سيمكن التغلب عليها عن عاجلاً أو آجلا. ولقد كانت الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ إصدار تصريح بلفور ترجو أن السكان العرب بعد أن يتبينوا الفوائد التي سيجنوها من استقرار اليهود في فلسطين سيروضون أنفسهم على اضطراد نمو هذا الوطن اليهودي والاحتمالات التي أمام حكومة صاحب الجلالة هي :
- السعي في توسيع الوطن القومي اليهودي توسيعاً لا رابط له ضد إرادة شعب البلاد العربية التي أفصح عنها في قوة.
- السماح باضطراد التوسع في الوطن القومي اليهودي في حالة ما إذا قبل العرب أن يندمجوا فيه.
ومعنى السياسة الأولى للحكم بالقوة. وتبدو هذه السياسة لحكومة صاحب الجلالة، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى مناقضة لروح المادة 22 لميثاق عصبة الأمم ولالتزاماتها المعينة نحو العرب في الانتداب الفلسطيني، ثم أن العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين يجب أن تقوم إن آجلاً أو عاجلاً على التسامح المتبادل وحسن النية.
إن سلم الوطن القومي اليهودي وأمنه وتقدمه يتطلب هذا، ولهذا صممت حكومة صاحب الجلالة – بعد أعمالها الرأي وأخذها بعين الاعتبار المدى الذي سهل به نمو الوطن القومي اليهودي في العشرين سنة الماضية – على أن الوقت قد حان لاتخاذ مبدأ السياسة الثانية التي أشرنا إليها قبلاً وقد قررت الحكومة البريطانية استجابة لمنطق حججها أن لا تسمح بأية هجرة جديدة دون إذن سابق من السكان العرب.
ويرى الوفد اللبناني أن ليس ثمة عامل جديد يحبذ قيام المشروع الاتحادي أو فرض هجرة يهودية جديدة. وإن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا لا يخلق مشكلة فلسطينية ولكن مشكلة إنسانية يجب أن تتعاون جميع الأمم المشتركة على حلها.
إن سياسة الهجرة التي انتهجت في الخمسة والعشرين عاماً الماضية قد غيرت تغييراً كبيراً توزيع العنصرين العربي واليهودي في فلسطين وجعلت مركز السكان العرب في البلاد مركزاً شاذاً.
فبعد أن كان اليهود في عام 1919 لا يتجاوزون 60.000 بلغوا الآن 600.000 وإن الموافقة على الاقتراحات البريطانية ستؤدي حتماً إلى إنقاص نسبة العرب إنقاصا جديداً حتى يبلغ الصهيونيون أغلبية يستطيعون بها أن يسيطروا على فلسطين.
والصهيونيون في الواقع لا يسرون هذا الأمر فإن دعايتهم وأعمال الإرهاب التي يقومون في شكل منتظم لأفصحت عن سياستهم وأغراضهم. ثم إننا أدركنا أن المشروع الذي يضعه زعماء الصهيونية يحتم لتنفيذه السيطرة المطلقة على كل وادي الأردن ومنابع نهر الأردن وهذه المنابع نوجد في أراضي سوريا ولبنان ولذلك نجد أن في المشروعات الصهيونية تهديداً قوياً للبلاد المجاورة.
والوفد اللبناني على غير استعداد لأن يقبل الرأي القائل بأن الحكومة البريطانية ستستخدم في وقت ما كأداة لتنفيذ هذه المشروعات التي ترمي إلى السيطرة والقضاء على حقوق العرب.
إن مسألة مقدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب، حتى ولو أمكن وضعها موضع النظر لا يجب أن تستخدم لمصلحة اليهود وحدهم فيجب أولاً أن تستخدم لاضطراد تقدم سكان فلسطين العرب ويتضح من الإحصاءات الرسمية لحكومة فلسطين أن هؤلاء السكان العرب يزدادون بنسبة 2/1 2 في المائة في العالم.
- إن المشروع الاتحادي الذي تقترحه الحكومة البريطانية لم يعرض في تفاصيله الفنية على الحكومات الممثلة في المؤتمر بعد. وإني أذكر أني سألت إذا كانت قد وضعت أي خرائط بعد تصور هذا المشروع ولكن لم يعط بعد شيء منها للوفود. على أنه يتبين من النصوص التي رسلت للوفود النقاط التالية:
- إن المشروع يعمل على تقسيم فلسطين إلى وحدات إدارية في مناطق أربع هي المنطقة العربية، والمنطقة اليهودية، والنقب وهي عبارة عن أرض حرام، ومنطقة القدس وهي مركز الحكومة الفلسطينية المركزية.
- ستتولى الحكومة المركزية مسؤولية الهجرة التي تجري بعد إتمام هذا التقسيم ولكن المنطقة اليهودية تستطيع أن توصي بقبول أي عدد من المهاجرين يمكن هذه المنطقة أن تتقبلهم.
- تحكم كلا من المنطقتين العربية واليهودية إدارة مسؤولة عن تيسير الشؤون المحلية.
- حالما تتم موافقة الجهات صاحبة الشأن على هذا المشروع سيرخص بهجرة 100000 يهودي إلى فلسطين.
والوفد اللبناني لا يمكن أن يساهم في هذا المشروع الذي لا يصلح غلا في بلاد بكر لم يسكنها أحد بعد وليس في بلاد أقام فيها العرب طوال التاريخ ولهم فيها حقوق لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها.
وبينما النظام الانتدابي والتشريعات الأخرى التي سبقت هذا النظام وجاءت بعده تعترف بحق العرب في فلسطين اعترافاً شاملاً فإن المشروع القائم للحكومة البريطانية يقصر حقوق العرب على المنطقة "العربية" وهذا المشروع في إخضاعه المنطقة العربية للحكومة المركزية يجعل الآمال القومية مسائل وهمية تماماً.
هذا بينما "النقب" وهي أراض لم يمش فيها غير العرب منذ آماد بعيدة قد انتزعت من المنطقة المخصصة للعرب.
وتضم المنطقة اليهودية أكثر الأراضي خصوبة وتشمل هذا الجزء الأعظم من مزارع الموالح العربية، وكذلك الموانئ البحرية الرئيسية. وهي تحتوي كذلك – بجانب مساحات الأرض الشاسعة التي يملكها العرب الآن فعلاً – على أقلية عربية لا تقل عدداً عن سكان هذه المنطقة من اليهود وستتعرض هذه الأقلية المهمة والأرض التي تمتلكها للضغط وانتزاع الأراضي من جانب المؤسسات اليهودية والإدارة.
ويكفينا لكي نتصور المعاملة التي سيلقاها العرب أن نشير إلى نصوص الاكتتاب القومي اليهودي التي تشترط عدم رجوع الأراضي اليهودية إلى غير اليهود وإلى عدم استخدام غير اليهود في هذه الأراضي بحال من الأحوال.
وحسبنا أن نلقي نظرة على الخرائط التي رسمتها لجنة التحقيق الانجليزية الأمريكية لندرك أن تنفيذ خطة من هذا النوع كافية لأن تقضي القضاء المبرم على آمال العرب القومية عامة، بل أنها تتعارض تعارضاً شاملاً مع مصالح العرب وحقوقهم.
ولا نستطيع كذلك أن نساهم بالموافقة على دخول مائة ألف مهاجر يهودي جديد ولا جواز هجرات تالية أخرى. إننا ندرك تمام الادراك أن الصهيونيين سيستغلون بمساعدة الهيئات التي تناصرهم في كل العالم التعاسة التي يعانيها إخوانهم في الدين في البلاد الأوروبية فيملأون منطقتهم بأعداد هائلة من المهاجرين حتى يستطيعوا أن يدعوا بعد هذا أنهم أغلبية فيفرضون بهذا وجهة نظرهم على الحكومة المركزية ويبسطون سيطرتهم على كل فلسطين.
ولقد ذكر المستر بيفن في التصريحات التي أدلى بها في جلسة أمس العبارة الآتية:
"إني لا أرى من الخير اقتراح أية تسوية لا يرضى عنها اليهود فإن هذا كفيل بأن يقضي عليها".
فإذا كان هذا الحال فليس من الممكن وضع حل للمسألة الفلسطينية قبل أن يحظى برضاء الأقلية اليهودية وبهذا يتوقف مستقبل هذه البلاد ووحدتها على رغبات هذه الأقلية.
وفي هذا تعارض صريح مع المبادئ إلى قبلها العالم والتي أعلنتها الحكومة البريطانية نفسها على رؤوس الأشهاد قبل المشاورات الخاصة بإقامة دستور الهند وقالت فيها أنه لا يمكن فرض رغبات الأقلية الهندية على رغبات الأكثرية.
ونحن نستطيع إذا أن نتساءل فيما إذا كان ما يعتبر عادلاً وحقاً بالنسبة للهند ينطبق على فلسطين؟
إن الوفد اللبناني ليرغب رغبة جدية في إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية وهو كثير الأمل في أن يحقق هذا الحل بالاتفاق التام بين الوفود والحكومة البريطانية والوفد لا يقبل بشكل من الأشكال أي حل لا يتفق مع المبادئ التي دأبت الجامعة العربية على إعلانها وهي:
(أ)- الإبقاء على صبغة البلاد العربية القومية ووحدة أراضيها.
(ب)- استقلال هذه البلاد ودخولها في الجامعة العربية.
(ج)- إيقاف كل هجرة يهودية يمكن أن تؤثر في صبغة البلاد القومية وآمالها.
خطاب دولة سمير باشا الرفاعي (المملكة الأردنية الهاشمية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
أيسمح لي، قبل بدء خطابي، بالقول إنني قد ظفرت بشرف، إذ أجدني مستطيعاً الإعراب، باسم وفد المملكة الأردنية الهاشمية إلى هذا المؤتمر، عن شكرنا لحكومة جلالة الملك البريطانية، لإتاحتها لنا هذه الفرصة لتبادل الآراء معها بشأن فلسطين ومناقشة المقترحات التي تهدف إلى توفير حل نهائي لمشكلتها ؟..
ولا يسع المرء، وهو يواجه المسألة الفلسطينية، سوى الإحساس بأنها ليست مهمة يسيرة هنية. فلقد داخلت هذه المسألة عناصر ذات طابع غريب عنها، فجعلت منها مشكلة معقدة. والحق أن فلسطين، بما يسودها من الظروف في الوقت الحاضر، قد أصبحت الآن، ليس فقط سبباً لتوتر العرب في تلك البلاد وحدها، وإنما أضحت كذلك مسألة تثير القلق المتناهي في بلاد الشرق الأوسط بأسرها، إن لم يكن في العالم أجمع. فالبلاد التي بعثت رسالة السلام وحسن النية لأهل الأرض جميعاً تتطلب الآن السلام وحسن النية من أهل الأرض. ولم كل هذا ؟ لسبب بسيط هو وجود جو من التفكير القلق. وعندما كانت الحرب تسيطر فكرياً على كل اعتبار آخر، كانت السياسة الحربية سبباً في بذل الوعود، وبذلك صارت فلسطين موضوعا لعهدين متناقضين ضمهما تصريح واحد، وقد عرف هذا التصريح باسم واضعه ووعدت فيه الحكومة البريطانية أن تنظر بعين التقدير إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، كما وعدت أن تبذل أقصى ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وقد احتوى التصريح نفسه على تعهد مضاد، إذ فهم بوضوح وجلاء أن شيئاً ما لا يمكن صنعه يكون من شأنه الإجحاف بالحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية المقيمة في فلسطين، أو الحقوق أو الأوضاع السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر.
وفي مثل هذه العبارة البسيطة، وعلى هذا النمط الهادئ برز تصريح بلفور للوجود وبعثت إلى الحياة المسألة الصهيونية، ونجمت من ناحية أخرى المآسي والآلام في الأرض المقدسة.
واستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء في خطابه الافتتاحي وإلى طلب وزير الخارجية في بيانه التالي، فلست أهدف إلى استرقاق وقتكم الثمين بمحاولتي هنا أن أعرض في مشروعية ذلك التصريح ولا في سلامته أو عدالته كلا ولست أرغب في أن أدحض جانبه الأول المتعلق بالوطن القومي اليهودي على ضوء جانبه الثاني الذي يؤثر في حقوق الأهالي من غير اليهود لا ولا أتحدى الوثيقة بأسرها من ناحية مواجهتها بما سبقها من وعود بذلت للعرب، لا ولا حتى أود أن أناقش سلامة حق الحكومة البريطانية أو أية حكومة أخرى في افتئاتها على مبادئ تقرير المصير. كل هذه الموضوعات قد فحصت ودرست على صورة وافية منذ أكثر من خمس وعشرين سنة حتى يومنا هذا، كما حققت وكتبت عنها التقارير بواسطة لجان وهيئات عديدة حتى أن الحقائق لم تعد خافية وأصبحت ماثلة الآن في أذهان كل من يهمهم الأمر. ومع ذلك فإني أرغب في أن أوجه اهتمام المؤتمر إلى أمرين يبدوان على أهمية رئيسية في محادثاتنا الحالية، ويتصلان اتصالاً مباشراً بالنقط التي سأعالجها أخيراً في هذا البيان.
أما الأمر الأول فهو الطابع المزدوج لتصريح بلفور الذي اغفل التزامه دائماً أبدا كما أنه لم يوجه اهتماماً رئيسياً إلى حقوق العرب حين تطبيق أية خطة تشجع على تشييد الوطن القومي لليهود، وذلك على الرغم من أن فلسطين بلد عربي، وإن العرب كانوا على الدوام يؤلفون غالبية أهلها. أما الأمر الثاني فهو الوعد بأن ينظر بعين التقدير إلى إنشاء وطن قومي لليهود وهذا الوعد لم يعن ولا يمكن أن يفسر بأنه يعني تحويل فلسطين إلى دولة يهودية، أو إقامة دولة يهودية في أي جزء من البلاد.
وهذان العاملان الرئيسيان في الموضوع الذي نبحثه الآن، قد استعرضنا أكثر من مرة في تقارير لجان التحقيق وفي البيانات الرسمية عن فلسطين. والواقع أن تعبير "الوطن القومي" لم يكن واضحاً في معناه وهدفه وفي نتيجة المنتظرة، حتى في عقول الأشخاص الذين ابتدعوه. وقد أفضى اللورد بلفور نفسه في نوفمبر سنة 1927 بالعبارة الآتية:
"ليس في وسعي أن أظن أن هذه التجربة هي تجربة عظيمة لأن شيئاً كهذا لم يحاوله أحد في العالم منذ الأزل، ولأنه مجرد خرافة" وقد سماها اللورد بلفور "تجربة كبيرة" ونعتها بقوله عنها: "إنها مجرد خرافة" لم يسبق لها مثيل. وفي مناسبة أخرى كان اللورد أكثر صراحة فوصفها بقوله أنها "مجازفة".
ثم قال اللورد متسائلاً: "لست أنكر أن هذا الأمر مخاطرة، أفليس لنا أبداً أن نتعرض للمجازفات؟".
وقد صرحت لجنة التحقيق الانجليزية الأمريكية مرة أخرى – وهي اللجنة التي اعتبرها العرب هيئة متحيزة تحيزاً غير لائق لليهود – فقالت في تقريرها: إن تعبير "الوطن القومي" يعتبر افتئاتاً على القانون الدولي. وإذا كان لي أن أعلق على هذه النقطة بوجه خاص، ففي وسعي فقط أن أقول أن أي ذهن حساس معقول يرى أن المضي في تجربة أو مخاطرة – ولنستخدم هنا تعبير اللورد بلفور – ينبغي أن يوجه إليه اعتبار واهتمام أكثر مما وجه فعلاً فيما يتعلق بالحالة التي نواجهها.
ومهما تكن القضية فالحقائق لا تزال تؤكد أن الروح غير السليم لهذا النص قد أسفر عن إيجاد نظريات متعارضة وتفسيرات مختلفة، يواجهها كل فرد من زاوية تناسب مصالحه وتوائمها على أحسن وجه، إلى أن رأت الحكومة البريطانية، التي عهد إليها بالانتداب وتكفلت بمسؤولية تنفيذه، أنه من الضروري إزالة كافة الشكوك فيما يتصل بأغراض الانتداب الحقيقية، التي تضمنها وعد بلفور، ولذلك اتخذت خطة نهائية على النحو الذي بينه الكتاب الأبيض لعام 1939، ولسوء الحظ ظلت هذه
الخطة غير حاسمة، نظراً لأن تطبيقها كان معلقاً على عقد مؤتمر شبيه بهذا الذي نشترك فيه الآن، على الرغم من التنويه بأنها حاسمة ونهائية، وعلى الرغم من التصريحات والبيانات الرسمية التي صدرت مؤكدة تطبيقها بدون نظر إلى قبولها من العرب أو اليهود، وهكذا تركت المشكلة، مرة أخرى دون حل لكي تزداد سوءاً وتعقيدا وخطورة.
وجاءت الحرب العالمية الثانية على الأثر مباشرة وظهرت معها مشكلة جديدة في أوروبا، تلك هي مشكلة الاضطهاد النازي. فلما انتهت الحرب انتهزت الصهيونية الماهرة فرصة مغرية، وعبأت قواها، وعملت جاهدة على استغلال عنصر الاضطهاد الجديد على أحسن وجه تستطيعه، تأييداً للوطن القومي اليهودي ولقد نجحت في ذلك المجال نجاحاً مرموقاً. وكانت لجنة التحقيق الانجليزية الأمريكية من ثمار نشاطها.
وقد اضطلعت اللجنة برسالتها طبقاً لنصوص التوصيات الخاصة بتشكيلها وأتمت مهمتها في حدود الفترة الضئيلة جداً من الزمن الذي حدد لها. ولقد أذهلت العرب التوصيات التي تقدمت بها اللجنة. ولعلهم لم يكونوا أقل دهشة وذهولاً من الدولة المنتدبة نفسها، وبرهان ذلك أن حكومة جلالة الملك أعلنت صراحة أنها عاجزة عن الاضطلاع وحدها بالمسؤوليات العظيمة المتصلة بتنفيذ تلك التوصيات. ثم استسلمت لضغط الأقوياء من مؤيدي الصهيونية، فعينت ما دعته "لجنة الخبراء" من بين المندوبين البريطانيين والأمريكيين لفحص توصيات اللجنة الانجليزية الأمريكية والتقدم بمقترحات تهدف إلى وضع خطة جديدة لفلسطين، بالموافقة على ما يمكن تطبيقه من تلك المقترحات.
ووفاقاً لذلك عرضت "لجنة الخبراء" تلك المقترحات، وأعلنت الحكومة البريطانية عن اعتزامها قبولها كأساس للمفاوضة، وهي تعرضها الآن علينا للنظر فيها، وذلك اعتقاداً منها أن هذه المقترحات تشتمل على أفضل الوسائل المؤدية على حل المشكلة الفلسطينية. وينطوي المشروع الذي أوصت به لجنة الخبراء من ناحية المبدأ، على فكرة تقسيم فلسطين إلى أربع مناطق، منطقة عربية، وأخرى يهودية، ومنطقة القدس، ومنطقة النقب. وستكون المناطق الأربع تحت إشراف الحكومة المركزية التي يرأسها المندوب السامي، مع منح بعض السلطات للحكومات الإقليمية. ولما كان هذا المشروع، على الصورة التي أفهمها يرمي في صلبه إلى تنفيذ توصيات اللجنة الانجليزية الأمريكية، فيستتبع ذلك أن أية تعليقات ينبغي أن تجعل من تلك التوصيات هدفا رئيسياً لها. وينبغي علي أن أتجه هذا الاتجاه، متى كنت أرغب في إجراء استعراض شامل للتوصيات التي نحن بصددها غير أن حكومتي قد أعربت فعلاً عن آرائها حيال تقرير لجنة التحقيق إعرابا مفصلاً، شأنها شأن جامعة الدول العربية، وذلك في المذكرة المرسلة إلى الحكومة البريطانية ومن ثم أجد نفسي مضطراً إلى مواجهة هذه المسألة من ناحية عامة فقط، فأشير في صورة مختصرة بقدر الإمكان إلى قليل من النقط الرئيسية ذات الأهمية الحيوية، كما أناشدكم توجيه أعظم قسط من الاهتمام إلى مناقشاتنا الحالية وهذه النقط هي كما يلي:
- الاضطهاد.
- الهجرة.
- مبادئ حكومة فلسطين.
- الانتداب والوصاية.
- مشروع التقسيم الجديد.
ولقد كنت حاولت في القسم الأول من بياني أن أظهر في كثير من الاقتضاب وأن أدلل على أن الوطن القومي اليهودي قد برز من ثنايا فكرة شديدة الغموض التمعت في أذهان الأشخاص الذين بدأوا القول بها في الماضي استناداً إلى حقيقة تهدف إلى إنشاء دولة يهودية في أذهان الأشخاص الذين ينادون بها في الوقت الحاضر وكان الفريق الأول الذي نادى بذلك في عام 1917 هو الحكومة البريطانية، كما كان الفريق الثاني هو نفس هذه الحكومة التي نادت به في عام 1946 ونحن جميعا ندرك أن نظرية التطور تستند إلى عنصر التغير الدائم. وطالما استمرت التجربة ووجدت الغذاء والتشجيع، فهي لا تقف ولن تقف.
الاضطهاد:
أذكر فيما يتعلق بموضوع الاضطهاد، قصة أود أن أسردها، والأرجح أن رفاقي العرب، أو بعضهم على الأقل يعرفونها، ولعل رفاقنا البريطانية يجدونها باعثة على شيء من التسلية.
كان يوجد في غابر الأيام حاكم اسمه "قراقوش". كان ذلك الحاكم طاغية له منطقه الخاص وكان يفهم العدالة على صورة ممعنة في الغرابة. كانت تصرفاته شاذة حقاً. بيد أنه كان يراها سليمة صحيحة طالما كانت تتسق مع عقليته وأهدافه. وقد حدث في مناسبة من المناسبات أن جاءه رجل فشكا إليه قائلاً أنه تعارك مع رجل آخر، وقد أسفر ذلك العراك عن فقدانه حبة عينه اليسرى. واستصرخ الرجل قراقوش راجياً تحقيق العدالة وإيقاع العقوبة العادلة بالمتهم المعتدي وعندما جيء بالمتهم ومثل أمام قراقوش طلب إليه أن يدفع عن نفسه التهمة. فقال الرجل أنه مذنب واعترف بأنه – عن غير قصد منه – قد أصاب حبة عين الرجل اليسرى أثناء العراك ثم طلب الصفح والغفران، وأصدر قرقوش حكمه، مستهديا بالقاعدة الذهبية القائلة "العين بالعين والسن بالسن". وذكر قراقوش أنه يجب على المدعي أن يصيب حبة عين المتهم بنفس الطريقة التي أصيب بها. وهكذا كان الأمر الصادر بتحقيق العدالة. غير أن المتهم ناشد قراقوش أن يسمح له بتقديم بيان دفاعي أخير فحقق له قراقوش مبتغاه. وقد أعلن المتهم في بيانه أنه يحترف النسيج. وأنه في حاجة ماسة إلى بصر عينيه الاثنتين كي يكسب قوته وأنه لا يستطيع بحال أن يفقد إحداهما. ولكنه قال أن جاراً من جيرانه يحترف الصيد، وأن الصياد يقفل على الدوام عينه اليسرى عندما يسدد بندقيته نحو الهدف وهذا الصياد لا يحتاج في أداء حرفته على بصر عينه اليسرى، وعندئذ رأي أن العدالة سوف تتحقق على صورة أفضل لو نفذ الحكم في جاره ذلك الصياد البريء، لا أن ينفذ فيه هو، وهو النساج المذنب، ولقد مال قراقوش إلى المنطق القوي الذي اشتمل عليه طلب الدفاع وكان له أثره في ذهنه. فرأى أنها فكرة منطقية عادلة للغاية. ومن ثم أمر بقلع عين الصياد اليسرى وهكذا حسمت القضية.
إلى زهاء 560 ألف نسمة في نهاية عام 1944. كذلك يجب أن يضاف إلى هذا العدد أولئك اليهود الذين دخلوا البلاد منذ ذلك التاريخ بطرق شرعية أو غير شرعية حتى ليستطيع المرء أن يقول وهو مطمئن أن مجموع تعداد اليهود في الوقت الحاضر يبلغ 650 ألف نسمة. والواقع أن نسبتهم إلى مجموع عدد السكان قد ارتفعت من 13% على زهاء 35%. ولست بحاجة إلى أن أشير إلى الوسائل الغادرة التي يصطنعونها في تحدي قوانين البلاد فيما يتعلق بالهجرة، إذ أن تلك الوسائل أصبحت معروفة واضحة للعالم بأسره. غير أنه إذا ترك الموقف دون تقييد حاسم، كما كانت الحال ولا تزال حتى الآن، فمن الصعب التنبؤ بما سيحدث وبالنتيجة التي سوف نصل إليها بعد خمس أوعشر سنوات.
والعبارات التالية مقتبسة من الكتاب الأبيض الصادر في عام 1939 وهي تتناول موضوع الهجرة:
"طبقا لأحكام المادة السادسة من الانتداب، فإن إدارة فلسطين في الوقت الذي تضمن فيه حقوق ومركز سائر السكان دون إجحاف أو تعصب ضدهم، مطالبة بأن تيسر الهجرة اليهودية في ظل ظروف مناسبة. وفيما عدا ذلك، فإن المدى الذي يسمح به للهجرة اليهودية في فلسطين، غير محدد أبداً في صك الانتداب. غير أن الأمر الصادر في عام 1922 قد نص على أن تحقيق سياسة إنشاء الوطن القومي لليهود قد أشار على أنه من الضروري أن تستطيع الجالية اليهودية في فلسطين زيادة عددها عن طريق الهجرة وهذه الهجرة لا يمكن أن تكون عظيمة بحيث تزيد على ما تحتمله كافة البلاد الاقتصادية ومن الضروري تجنب الأسباب التي تجعل المهاجرين عبئاً على شعب فلسطين في مجموعه، ولا يكون أولئك المهاجرون سبباً في حرمان أي فريق من السكان الحاليين من أسباب العمل والحياة".
"ومن الناحية العملية نرى منذ ذلك التاريخ حتى الآن، أن طاقة الاستيعاب الاقتصادية في البلاد قد وجه إليها الاهتمام باعتبارها العامل المكيف الوحيد وفي الخطاب الذي بعث به مستر رامزي مكدونالد رئيس الوزراء حينذاك، إلى الدكتور وايزمان في فبراير سنة 1931 اتخذت مسألة الطاقة الاستيعابية الاقتصادية من وجهة النظر السياسية باعتبارها القاعدة الأساسية الوحيدة وقد أيد هذا التفسير بواسطة القرارات التي انتهت إليها لجنة الانتداب الدائمة.
ولكن حكومة جلالة الملك لا ترى في البيان السياسي الذي صدر عام 1922 أو في خطاب 1931 ما يدل على أن الانتداب يتطلب منها في كل الأوقات وفي جميع الظروف تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين طالما لا يتنافى مع مقدرة استيعاب البلاد الاقتصادي، وهي أيضا لا تجد في ميثاق الانتداب ولا فيما تلاه من بلاغات سياسية ما يعضد الرأي القائل بعدم استطاعة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ما لم يرخص باستمرار الهجرة إليها إلى ما لا نهاية. فجلي أن يتحتم وضع قيود للهجرة إذا ما أثرت تأثيراً سيئاً على حالة البلاد الاقتصادية وبالمثل يحتم أيضاً عدم تجاهل الأمر إذا ما أضرت ضررا بليغاً بموقف البلاد السياسي. ولو أنه من الصعب الإدلاء بأن البلاد قد استوعبت اقتصادياً جميع من دخل إليها من المهجرين على يومنا هذا. وهو عدد كبير غير أن خوف العرب من استمرار هذا التدفق بدون انقطاع إلى أن يصبح السكان اليهود في مركز يساعدهم على التسيطر عليهم قد أدى إلى عواقب غاية في الخطورة لليهود والعرب على السواء. وكذلك على سلامة البلاد ورخائها.
ولكن لا سبيل إلى النكران بأن الخوف من هجرة يهودية لا حد لها منتشر انتشاراً عظيماً بين الأهلين العرب وأنه قد سبب اضطرابات صدمت تقدم البلاد الاقتصادي صدمة عنيفة استنفذت أيضاً خزينة البلاد وعرضت الحياة والممتلكات فيها للخطر وأحدثت مرارة في نفوس جميع مواطنيها. فإذا استمرت الهجرة تحت هذه الظروف إلى الحد الذي تحتمله مقدرة البلاد الاقتصادية بصرف النظر عن أي اعتبار آخر فلا شك في أن تنشب عداوة قاتلة بين الشعبين وتظل دائمة، وهناك أيضاً احتمال بأن الحالة في فلسطين تصبح مصدراً مستمراً للاحتكاك بين جميع شعوب الشرق الأدنى والشرق الأوسط، فحكومة جلالة الملك لا يمكن أن تأخذ بالرأي القائل بأن التزاماتها تحت الانتداب أو ما توحي به الروية والعدالة من اعتبارات تتطلب منها أن تتجاهل هذه الظروف عندما تبدأ بصوغ سياسة الهجرة.
وأمام حكومة جلالة الملك طريقان: إما أن تسعى في توسيع نطاق الوطن القومي لليهود عن طريق الهجرة غير المحدودة ضد إرادة عرب البلاد التي أعربوا عنها بشدة وإما أن تسمح بتوسيع الوطن القومي عن طريق الهجرة بشرط استعداد العرب للموافقة عليه، فالطريق الأول سيؤدي على حكم القوة. وهي سياسة تظهر لحكومة جلالة الملك أنها، علاوة على اعتبارات أخرى.. تتنافى تنافياً تاماً مع روح المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم. وكذلك مع ما أخذته على نفسها من التعهدات للعرب المبينة في ميثاق الانتداب على فلسطين.
فلذلك قررت حكومة جلالته، بعد التبصر ملياً في الأمر وبعد مراعاة مدى نمو الوطن القومي لليهود نتيجة التسهيلات التي قدمتها إبان العشرين سنة الماضية بأن الوقت قد حان مبدئياً لاتباع الطريق الثاني المنوه عنه سالفاً.
فبعد مضي الخمس السنوات المزمع الاتفاق عليها لن يسمح باستمرار الهجرة إلا إذا أظهر العرب استعداداً للموافقة على ذلك.
وحكومة جلالة الملك مقتنعة بأنه لا يوجد هناك أي مسوغ لها، ولن تكون تحت أي التزام بعد مضي الخمس سنوات المرخص بالهجرة فيها، لتسهيل إنشاء الوطن القومي لليهود عن طريق الهجرة ضاربة صفحاً عن رغائب عرب البلاد في هذا الصدد.
أنا واثق بأني لن أجد طريقة للتعبير عن وجهة النظر العربية في موضوع الهجرة أكثر إيضاحاً مما سردته الآن من صلب وثيقة رسمية تصوغ السياسة المرغوب في إقامتها ليس من حكومة عربية ولكن من الحكومة البريطانية نفسها.
وما سبق سرده، وبالأخص الجزء الأخير منه، قد أدلت به الحكومة البريطانية في عام 1939، وأما فيما يختص بما ينبغي إضافته إليه في نفس الموضوع في عام 1946 فهو ما تقوم بتزويدنا به الحوادث التي تحدث في فلسطين الآن وهي لا تزال مستمرة بموافاتنا بهذه الأدلة. وما نوهت عنه حالياً يحوي اعترافاً صريحاً بأن التعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين قد عمل به ويقرر بشكل حاسم أيضاً.
والآن، فلننظر إلى قضية فلسطين من خلال عامل الاضطهاد، وسنرى كيف أنها تكاد تتفق اتفاقاً غريباً مع تلك القصة المعزوة إلى قراقوش. فلكي تنتقم لليهود وترضيهم وتحقق لهم العدالة من مضطهديهم ومعذبيهم، يجب على فلسطين أن تفقد عيناً كما يجب على العرب الأبرياء أن يتحملوا العقاب وإذا كان من الواجب على فلسطين إرضاء للبواعث الصهيونية السياسية وحدها أن تكون مفتاحاً لحل المشكلة اليهودية، ليس فقط في فلسطين وإنما في أوروبا فكيف يجوز للمرء أن يعتقد أن منطق قراقوش في العصور الغابرة قد زال ولم يعد قائماً في عالمنا الراهن المستند إلى المبدأ الديمقراطي ؟ أجل، كيف ليجوز للمرء أن يقتنع بأن وسائل قراقوش الغريبة في الإدارة وتحقيق العدالة قد زالت من الوجود، وليست موجودة فعلاً يطبقها الكبار القائمون على صيانة النظريات والمبادئ الديمقراطية.
إن فكرة الاضطهاد ليست سنداً قوياً لتحقيق أية محاولة ترمي إلى حرمان العرب من أوطانهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. وإني أوافق كل الموافقة على بيان لجنة التحقيق الانجليزية الأمريكية وعلى ما قاله وزير المستعمرات في خطابه بالأمس من أن العالم بأسره يتضامن في تحمل المسؤولية فيما يتعلق بضحايا الاضطهاد كما يتكافل فيما يختص بضمان استيطان واستقرار جميع أولئك الذين يدعون "بالأشخاص المبعدين". وليس الذنب ذنب العرب فيما يتعلق باليهود الذين كانوا ضحايا الاضطهاد النازي والفاشي. وليس أحد أكثر عطفا على الحالة التي وصل إليها أولئك الضحايا من العرب أنفسهم. بيد أن حل مشكلتهم يجب ألا يسعى إليه في فلسطين، وهي بلد ليست لها أية صلة بها. ويجب أن يكون أي إجراء يهدف إلى حل هذه المشكلة، بعيداً عن الغضب والعدوان لأن الاضطهاد لا يمكن أن يعالج بالاضطهاد.
الهجرة:
وفيما يتعلق بالهجرة لا تزال الحجة التي تؤيد مطالب العرب، هي الأقوى فلقد أقام اليهود في فلسطين قبل وعد بلفور، وعاشوا في انسجام مع العرب. ولعله مما يبعث على بعض الاهتمام في هذا المقام أن اقتبس مرة أخرى من كلام اللورد بلفور فقد قال:
"لست أرى سبباً يبعث أولئك الذين عاشوا في وئام ومودة إبان الحكم التركي على التعارك والتشاحن في ظل الحكم البريطاني". والرد على هذا التساؤل لا يحتاج إلى شيء من المواهب الممتازة. ذلك أن التصريح الذي ارتبط باسمه هو السبب في ذلك. أجل إن السبب الحقيقي هو ظهور الصهيونية السياسية التي أوجدت القلق والاضطراب في فلسطين. لقد كان اليهود عندما تجردوا من المطامع السياسية لا يجدون باعثاً يدفعهم على التشاحن والتعارك. غير أنه عندما وفدت تلك الصهيونية تؤيدها دول العالم العظمى وتدعمها الأفكار المتعصبة بكامل قوتها وهي الأفكار التي تهدف إلى السيطرة وإلى طرد شعب بأسره آخر المطاف من وطنه، لم يعجب أحد من أن الصراع من أجل البقاء حقيق أن ينشب، كما لا يعجب أحد من أنه لا يزال مستمراً.
والملاحظ استناداً إلى الإحصاءات الرسمية. أن الجالية اليهودية في فلسطين قد تزايدت وارتفعت من زهاء 85 ألف نسمة في الوقت الذي صدر فيه وعد بلفور.
إن "التجربة" و "المغامرة" اللتين قمنا بهما قد انتهى منهما وبأنه لا مسوغ هناك للاستمرار فيهما مهما كنا من المغامرين.
وإني شخصياً أعتقد أن مسألة الهجرة هي السبب الأساسي لكل ما نلاقيه الآن من المصاعب وإننا إذا تمكنا من الوصول إلى حل نهائي لها، يقره هذا المؤتمر فإني أكون أقل تشاؤماً مما أنا عليه الآن فيما يختص بإمكان الوصول إلى تسوية المسائل الأخرى التي تتعلق بهذا الموضوع.
أنظمة الحكم في فلسطين:
الانتداب والوصاية:
سأتحول الآن إلى الكلام عن النقطتين الثالثة والرابعة وهما أنظمة الحكم في فلسطين، الانتداب والوصاية. ولتسهيل الأمور أرى أنه من المناسب تناولهما معاً وهنا أراني مضطراً مرة أخرى أن أستشهد بما ورد في الكتاب الأبيض.
فقد جاء في القسم الأول منه تحت عنوان "الدستور" ما يلي:
"قد قيل بإلحاح أن عبارة "وطن قومي للشعب اليهودي"، يفسح المجال لتحويل فلسطين في الوقت المناسب إلى دولة يهودية أو حكومة حرة.
فرغماً عن عدم رغبة حكومة جلالة الملك في معارضة رأي اللجنة الملكية القائل بأن الزعماء الصهيونيين اعتقدوا وقت إصدار وعد بلفور بأن نصوصه لا تحول دون انتهاء فلسطين بأن تصبح دولة يهودية. فإنها بالاشتراك مع اللجنة الملكية تعتقد بأنه لم يدر في خلد واضعي صيغة الانتداب، وهو يتضمن وعد بلفور، أن تتحول فلسطين إلى دولة يهودية ضد إرادة عرب البلاد.
فلذلك تعلن حكومة جلالة الملك الآن بوضوح وجلاء بأن سياستها لم ترم في أي وقت من الأوقات إلى تحويل فلسطين إلى دولة يهودية فهي في الحقيقة تعد ذلك منافياً للالتزامات التي اتخذتها نحو العرب تحت الانتداب وكذلك التأكيدات التي أعطتها للشعب العربي في الماضي بألا يصير عرب فلسطين يوماً ما رعايا لدولة يهودية ضد إرادتهم.
وقد أخذت حكومة جلالة الملك على عاتقها، بصفتها السلطة المفوضة في الانتداب أن تكفل تقدم أنظمة الحكم الذاتي في فلسطين. وهي بخلاف هذا التعهد الصريح تعد بقاء سكان فلسطين تحت رعاية الانتداب إلى ما لا نهاية، منافياً تنافياً كلياً لروح نظام الانتداب، فمن اللائق والصواب إذاً أن يتمتع سكان البلاد في أقرب وقت ممكن بحقوق الحكم الذاتي التي تمارسها الآن شعوب البلدان المجاورة.
والهدف الذي ترمي إليه حكومة جلالة الملك إنشاء، خلال عشر سنوات، دولة فلسطينية مستقلة تربطها والمملكة المتحدة علاقات معاهدة من شانها ضمان استيفاء حاجيات البلدين التجارية والإستراتيجية بشكل مرض لكليهما في المستقبل.
وهذا المشروع لإنشاء هذه الدولة المستقلة يتطلب استشارة مجلس عصبة الأمم فيما يجب اتخاذه من الإجراءات لإنهاء نظام الانتداب.
وهذه الدولة المستقلة يجب أن تتخذ وضعاً يسمح باشتراك العرب واليهود في الحكم بطريقة تكفل ضمان المصالح الجوهرية للطرفين.
وستبذل حكومة جلالة الملك كل ما في وسعها لإيجاد الحالات والأوضاع التي تساعده هذه الدولة المستقلة كي تبرز إلى حيز الوجود في بحر عشر سنوات".
فأمام نصوص صريحة كهذه لبيان سياسي بريطاني يعترف بكل جلاء ووضوح بوجوب إنهاء الانتداب على فلسطين وكذلك يعترف بنضوج وصلاحية الشعب الفلسطيني للتمتع بحقوق الحكم الذاتي كما تمارسها شعوب البلاد المجاورة. يعجز حتى ذكاء عبقري عن فهم معنى وعدالة اتخاذ خطوة إلى الوراء بقبول مشروع تحويل فلسطين من نظام الانتداب القديم إلى نظام وصاية جديدة كما هو مقترح الآن.
مشروع التقسيم:
والنقطة الأخيرة الباقية أمامي لمناقشتها هي مشروع التقسيم أو المشروع الإقليمي الذي تعرضه علينا حكومة جلالة الملك الآن لبحثه في هذا المؤتمر كأول بند في جدول الأعمال. فقد جاء في الأمر الصادر من حكومته عام 1939 ما يلي:
"إن حكومة جلالة الملك مقتنعة بأن سلامة البلاد وخير جميع سكانها يتطلب تحديداً واضحاً للسياسة المرغوب في إتباعها والأغراض التي ترمي إليها تلك السياسة ومشروع التقسيم الذي أوصت به اللجنة الملكية لا شك يفي بهذا الطلب. ولكنه قد اتضح أن إنشاء دولتين مستقلتين قائمة كل منهما بنفقتها للعرب واليهود في فلسطين هو عمل يتعذر تحقيقه..".
وقد دوفع عن هذا المشروع الإقليمي عند عرضه بأنه كسياسة طويلة الأمد يترك الطريق مفتوحاً لتقدم سلمي وتطور دستوري إما نحو التقسيم أو نحو وحدة ذات نظام اتحادي، وإن اشتراك ممثلي الأقاليم في إدارة الشؤون المركزية من شأنه أن يؤدي نهائياً إلى دستور اتحادي ناضج كل النضوج وإنه من الجهة الأخرى في حالة استحالة عدم التغلب على عوامل التباعد يترك الطريق مفتوحاً للتقسيم.
يتضح جلياً مما تقدم أن الهدف النهائي البعيد الذي ترمي إليه هذه المقترحات هو إما ضم الأجزاء المرغوب الآن في تقسيم فلسطين إليها مرة أخرى، أو فصلها فصلاً تاماً بواسطة تقسيم نهائي.
أما من جهة مشروع التقسيم النهائي فمن الصعب تصور إمكان تحقيقه في أي وقت في المستقبل خصوصاً وقد ثبت وقت العزم على تنفيذه في الماضي أنه غير قابل للتحقيق.
وأما من جهة مشروع الضم فالاختبارات الماضية والحاضرة وما نراه من مطامح ومطامع اليهود. يقودني إلى الاعتقاد بأن هذه النظرية مبنية على إدعاء باطل لأننا إذا اتبعنا في تعليلها نفس الطريق يظهر لنا أن ما لا يستطاع عمله الآن في فلسطين كوحدة جغرافية، حيث لا ينعم اليهود بأي نوع من أنواع الحكم الذاتي، أو أي كيان سياسي، تتحتم استحالته في المستقبل عندما يكتسب اليهود هذه المزايا في بلد مقسم تقسيماً جغرافياً، ومن المحتمل علاوة على ذلك أن يكون لها رد فعل في اتجاه مضاد إذ انه في حيز الإمكان أن يطلب اليهود التوسع مرتكزين في طلبهم هذا على عدم طاقة المنطقة المخصصة لهم على استيعاب الجموع الغفيرة من القادمين الجدد إليها.
فإذا كان هذا الدفع المضاد غير مقنع وكان هناك ثمة أمل في اتحاد مقبل لوجدنا أنفسنا في الحال أمام المسألة الآتية:
إذا كان تحقيق التقدم السلمي والتطور الدستوري نحو الوحدة ممكناً في المستقبل كما يرى واضعوا المشروع الجديد، فما الداعي للعدول والقضاء على السياسة الحاضرة وهي تصون كيان البلاد وتكفل حقوق مواطنيها رغبة في استبدالها بسياسة أخرى مآلها الوصول إلى تحقيق هذه الأغراض عينها ولكنها في نفس الوقت تهيء أرضاً خصبة للمعارضة القوية والتبرم والقلق والاضطراب في جميع أنحاء العالم العربي بما فيه فلسطين.
لقد أوصت لجنة التحقيق الانجليزية الأمريكية التي تضمن تقريرها هذا المشروع بأن "لا يسيطر يهودي على عربي ولا عربي على يهودي" فإذا استثنينا فكرة إنشاء دولة يهودية، فلمن تكون السيطرة ؟
قد سبق واعترفت الحكومة البريطانية بأنها تعد بقاء فلسطين إلى ما لا نهاية له تحت رعاية الانتداب منافياً تنافياً تاماً مع روح نظام الانتداب ومعنى هذا أنه لا بد من زوال نفوذها إن عاجلاً أم آجلاً في البلاد، فهل من سبيل لمعرفتنا من ذا الذي سيقوم مقامها عند زوال هذا النفوذ ؟.
وقد أوصت لجنة التحقيق في توصياتها فاقترحت جعل فلسطين في النهاية دولة تصون مصالح المسلمين واليهود والمسيحيين على السواء وتمنح لمواطنيها بأسرهم أعظم قسط من الحكم الذاتي يتفق مع المبادئ الرئيسية الثلاثة التي بينتها. فهل هناك مجال للاستنتاج من هذا أن مشروع تقسيم فلسطين بين الفريقين المتضاربين من سكانها هو السبيل لتحقيق ما رمت إليه اللجنة من أهداف ؟.
ليست فلسطين ببلد خال متسع لذوي الغايات يدبرون فيه مكائدهم كما يشاؤون فله شعبه، وهذا الشعب له حقوق تقرير مصيره، وحكم نفسه كشعوب باقي البلدان فإذا كانت فلسطين أرضاً مقدسة لها حرمتها عند المسيحيين واليهود والمسلمين سواء فمن الواجب على كل منهم أن يعمل بأمانة وإخلاص لصالح هذه الأرض المقدسة وليس لضررها. فكون فلسطين أرضاً مقدسة حقيقة يجب أن تؤدي إلى إسعاد هذه البلاد وليس إلى تعاستها فيا لشدة أسفنا أن العكس هو الحاصل.
وأرى لزاماً علي قبل ختامي هذا الخطاب أن أبين أن البلد الذي أتشرف بتمثيله في هذا المؤتمر هو جار مباشر لفلسطين وأن مركزه الجغرافي هذا يجعله شديد الإحساس بكل ما يحدث في ذلك المكان. فالحوادث التي تقع في فلسطين لها رد فعلها وصداها في شرق الأردن، فأي ضرب من ضروب الاضطراب أو العبث بالأمن في ذلك البلد الأمين يضع حكومة شرق الأردن في مركز مربك في الحال وإنا لنجد أنفسنا مجبورين على اعتباره ومعاملته كأنه حدث في نفس بلدنا.
وترتبط شرق الأردن برباط وثيق مع فلسطين في المحيط الاقتصادي أيضاً فكل صدمة في تقدم فلسطين الاقتصادي لها نفس التأثير على تقدم شرق الأردن في هذا المضمار. وكذلك يتحتم اشتراك شرق الأردن مع فلسطين في جميع المشروعات الرئيسية لتقدم ورقي البلاد وأمام هذه العلاقات المتينة وتلك الروابط الوثيقة بين البلدين أراني مضطراً أن أصرح وأؤكد أن حفظ السلام والأمن والنظام في فلسطين أمر ذو أهمية متناهية للحكومة التي أمثلها هنا والبلد الذي أتكلم بلسانه.
ورغما عن تقديري لما لمشكلة فلسطين من تأثير على أي بلد آخر من البلاد العربية أراني مضطرا أن أقرر هنا أيضاً أن حل هذه المشكلة يهم شرق الأردن أكثر بمراحل من أهميته لباقي هذه البلاد. فإذا كان الحل لا يكفل حقوق ومصالح عرب فلسطين المعترف بها أو يخلق سببا شرعياً يبرر اعتراضهم وتذمرهم فلا مندوحة لشرق الأردن من مشاركتها لفلسطين في هذا الشعور واتخاذها معها جميع الإجراءات الممكن أخذها لمقاومة هذا الحل لأنها بحكم الطبع لا تتمكن من الوقوف على الحياد.
وختم سعادته خطابه بقوله أنه لما سبق وأبداه من أسباب يعد المشروع الإقليمي المقترح من جانب الوفد البريطاني في هذا المؤتمر مشروعاً غير عادل وغير قابل للتطبيق ومنافياً لما اتخذته حكومة جلالة الملك من التزامات نحو عرب فلسطين وإن هناك احتمالاً بأنه يعرض للخطر السلام والصفاء ليس في فلسطين فقط بل وفي جميع البلاد المجاورة أيضاً، وبالأخص شرق الأردن وأنه يعارض بشدة باسم ملكه وحكومته وبلاده، وبالنيابة عن وفد الحكومة الهاشمية لشرق الأردن في قبول هذا المشروع كأساس للمفاوضة في هذا المؤتمر، وطلب سعادته من المؤتمر أن يتخذ قراراً بهذا المعنى وأن يسمح بعد ذلك للوفود العربية بتقديم اقتراحات من جانبها تتفق في اعتقادهم مع ما تتطلبه العدالة وحقوق جميع سكان فلسطين.
خطاب الأمير عادل أرسلان (الجمهورية السورية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
أود أن أقرر للمستر بيفن أن خطابه بالأمس ذو أهمية عظمى في نظرنا لأنه أشار فيه إلى النقطة التي يجب أن تلتقي فيها المساعي بين شعبينا. لا شك أن هذا المؤتمر يهيئ لنا أحسن الفرص لنوضح لحكومة جلالة الملك وبالأخص رجال الدولة المسؤولين عن توجيه سياستها الخارجية، إن الوقت قد حان لوضع أسس متينة للسياسة التي يجب أن ينتهجها كل فريق منا نحو الآخر ويدعمها.
وبصفتي عضواً من أعضاء الحكومة السورية أرى لزاماً علي أن أحث على الاعتراف بأهمية النقطة التالية.
سوريا – ذلك البلد الذي اختبر فيه التعاون الانجليزي العربي بشكل لا يقبل الشك أثناء الحربين العالميتين – تشعر بالحاجة الماسة لهذه الدعامة المتينة للتعاون السياسي، فسوريا كباقي أخواتها من البلاد العربية تنشد صداقة بريطانيا الحقة الكاملة، بيد أنها تتوقع من الجانب البريطاني استعدادا مماثلاً لمقابلة هذا الشعور الخالص من جانب الشعوب العربية بمثله.
لم تمنع الحرب العالمية الأولى وقوع الثانية وسوف لا تمنع الثانية وقوع الثالثة فإن أمم العالم قد وصلت الآن إلى درجة من النضوج السياسي لا تسمح بأن تتحكم عواطف الشفقة في مراميها لأن هذه المرامي تقع تحت تأثير وحكم الحقوق الطبيعية والمصالح القومية، فعلى ذلك أرى أن الواجب يدعونا أن نكون صريحين مع أصدقائنا ونود أن نجلي لهم أن السياسة التي تتبع الآن في فلسطين سواء أكانت خارجية أو داخلية مفعمة بالأخطار لدرجة قد وضعت الدول العربية في مركز عسير للغاية إزاء شعوبها وبالأخص شباب النشىء الجديد. فعناصر هذا النشىء على تباينه قد أصبحت الآن على اتصال مستمر فيما بينها في كافة البلاد العربية ولن تلبث أن تتولى زمام الشؤون التشريعية والتنفيذية في كثير من هذه البلاد. وإنا لنخشى تقلد هذه القوة الجديدة مقاليد الحكم قبل أن نصل إلى اتفاق مع الحكومة البريطانية على أساس سياسة عادلة قويمة تضمن تعاوننا المطرد. فاتباع الحكومة البريطانية سياسة متناقضة في فلسطين ورجاؤها الصادق للدول العربية في مساعدتها للخروج من هذا المأزق مبرر غير واف في نظر العرب وخاصة النشىء الجديد للاستمرار في سياسة خطرة على نزاهتهم وشرفهم القومي.
وإنا لنعلم تمام العلم بأنه لم يطلب إلى أمة في الأرض غير الأمة العربية بأن تضحي بحقوقها وشرفها وأرواح أبنائها في سبيل شعب مبغوض من أغلب من عاش بينهم في جميع أنحاء العالم.
لقد حمى العرب اليهود في الماضي وها بريطانيا تحميهم الآن ولكن لن نتمكن نحن ولا أنتم من الحصول على دليل بالاعتراف بالجميل من هؤلاء اليهود. أليس من المستغرب أن هؤلاء القوم الذين قيل لنا عنهم أنهم تعرضوا لاضطهادات فظيعة في رومانيا وألمانيا وبولندة لم يستعملوا أسلحتهم وقنابلهم ضد مضطهديهم وأنهم يستعملونها ضد من يحميهم ؟.
إذا كان هذا سلوك هؤلاء القوم في فلسطين مع وجود قوات بريطانية كبيرة فكيف يعيشون في سلام مع جيرانهم إذا تولول زمام الحكم أو أعطيت لهم السلطة في إقليم من الأقاليم. فمن يكون إذاً المسؤول عن أعمالهم وقتئذ ؟ أهم بمفردهم أم الدولة التي سمحت لهم بتسليح أنفسهم ومكنتهم من أن يجلبوا إلى فلسطين بطرق مشروعة وغير مشروعة الآلاف من أقوى وخير شبابهم المدرب؟.
والواقع أنه إذا نظر الإنسان إلى فلسطين في حالتها الحاضرة فإنه يكاد يفشل في إيجاد سبيل للتفاؤل أو لأي أمل في السلام الذي ترغب فيه الدول العربية والحكومة البريطانية رغبة صادقة.
وهنا أود أن يسمح لي المستر بيفن بتوجيه نظره على حقيقة ثابتة وهي أن السياسة المتبعة في فلسطين الآن ستؤدي فيما يتعلق بحفظ السلام إلى عكس النتائج المنتظرة تماماً، لأن فلسطين أو سوريا الجنوبية أقرب إلى سوريا من بلجيكا إلى المملكة المتحدة. وكما أن بريطانيا قد خاضت غمار حربين عالميتين لأنها اعتبرت احتلال بلجيكا وهولندا وفرنسا بدولة معادية كتهديد لكيانها القومي كذلك تشعر سوريا نحو وجود شعب أجنبي منتشر في سوريا الجنوبية.
ومن الأمور التي تخرج مركز حكوماتنا إزاء شعوبنا هي التمييز في المعاملة بين اليهود والعرب في فلسطين. فبينما نرى أنه علاوة على الآلاف العديدة التي قتلت من رجال العرب ما بين 1936 – 1939 قد شنق 185 عربياً لمجرد حملهم سلاحاً أو ذخيرة، بينما نرى أن المجرمين اليهود الذين يزهقون أرواح الأبرياء بالقنابل والديناميت ويقطعون ويعطلون وسائل الموصلات وغيرها من المصالح العمومية مما يؤدي إلى قتل كبار الضباط وكذلك النساء والأطفال يعاملون بلطف واعتبار. ومسألة أخرى تلوح غريبة هي أن البحرية البريطانية الجبارة بعد أن سادت جميع البحار وأجبرت الغواصات الألمانية على الاختباء نجدها عاجزة الآن عن منع بضعة سفن من جلب مهاجرين غير شرعيين إلى فلسطين.
ومما هو أدعى إلى القلق أسلوب رجال السياسة الرسميين الاعتذاري في محاولاتهم لجمع الأسلحة غير المشروعة من اليهود. والظاهر الآن أن ما سيجمع منهم هو أسلحة الهجوم وليس أسلحة الدفاع، ولكن أنى لنا أن نميز بين هذين السلاحين في حوزة جيش غير شرعي؟.
وأما بخصوص محطة الإذاعة اليهودية السرية فرغماً عن صغر حجم فلسطين فقد عجز جهاز الرادار عن تعيين موضعها ولا تزال تذيع الأوامر إلى الإرهابيين اليهود.
ويحتوي خطاب المستر بيفن على بعض نقط أرى ألا مندوحة من الإجابة عليها فقد قال أن اليهود في الواقع هم الآن في فلسطين وأن وجودهم لا يمكن إنكاره، فإذا خطونا بهذه النظرية خطوة أخرى وقلنا أن أي شخص يدخل بلداً لا تخصه يكتسب حق البقاء فيها وجب إذا أن يبقي نصف أوروبا اليوم مع روسيا.
ومما هو أكثر أهمية قوله بأن مشكلة فلسطين قد أصبحت مشكلة دولية بتداخل الولايات المتحدة فيها. جميعنا يشارك المستر بيفن شعوره ونتمنى قلبياً مساعدته في التغلب على هذه الصعوبة لأننا لا نشك في نزاهة مقاصده، ولكننا نخشى أن تتحول مشكلة فلسطين بالفعل إلى مشكلة دولية بشكل يزيد من مصاعبه لأن هناك دولاً أخرى في هذا العالم غير الولايات المتحدة.
وفي الختام أود أن أقول أن الجزء الأول من خطاب المستر بيفن يمكن وصفه بأنه فصل ذو أهمية عظمى ولا شك أن أعضاء الوفود العربية قد أعاروه ما يستحق من التقدير. وأود أن أكرر أننا مستعدون لمقابلة إشارته بمثلها وأن نعرب عن استعدادنا للتعاون معه في كل ميدان لأقصى حد ممكن إذا قبلت الحكومة البريطانية حل المشكلة الفلسطينية على ضوء ردنا على خطاب المستر اتلي لأنه الحل الوحيد الذي يؤدي على المحافظة على كرامتنا كأمة لها تقاليدها وشرفها كما أنه ينفذ الحقوق الطبيعية لعرب فلسطين ويضمن السلام في الشرق الأوسط. فنكون حينئذ قد وصلنا إلى ما نرمي إليه من توحيد مجهوداتنا وأهدافنا إلى الأبد وأود أن يعتقد المستر بيفن أن لا غرض لنا سوى هذا.
خطاب حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل آل سعود (المملكة العربية السعودية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1936
بدأ سموه خطابه بقوله أن المملكة العربية السعودية تؤيد إجماليا جميع ما أدلى به مندوبو الدول العربية الأخرى في الموضوع، وأن من رأيه بعد سماع ما قيل، أن حل الحكم الذاتي الإقليمي غير مرض ورغب في أن يبحث المشكلة وأسبابها – إذا كانت هناك مشكلة – قبل الدخول في مناقشات الحل فقال: إذا دققنا البحث لاتضح لنا جلياً أن لا وجود لأية مشكلة أصلاً، ولو فرضنا أن هناك مشكلة فالعرب ليسوا بمسؤولين لأن الأصل في هذه المشكلة هم اليهود وهي نتيجة مساعيهم ومجهوداتهم نيفاً وخمسة وعشرين سنة مضت.
فقد اتخذت اليهود الديانة سلماً للوصول إلى أغراضهم السياسية: يوجد في جميع أنحاء العالم يهود ومسلمون ومسيحيون، إنما يحتفظ أتباع كل من هذه الديانات بجنسية البلد التي يعيش فيها. أما في فلسطين فقد أدت السياسة الصهيونية إلى وجود خليط عظيم من الشعوب تعددت فيه الأجناس اليهودية من بولنديين ويوغسلافيين وألمان وجنسيات أخرى عديدة لدرجة تحول دون استحقاقهم لقب "أمة". وقال سموه أنه يعتقد أن أغلبية عناصر هذه الجنسيات شريرة منكبة على أعمال التدمير والتخريب فهم لذلك خطر داهم يهدد ليس فلسطين فحسب بل جميع بلدان الشرق الأوسط.
واستمر سموه في خطابه فقال: عندما نظر العرب إلى هذه المشكلة لم يعتبروها مشكلة فلسطين فقط بل عدوا فلسطين جزءاً من العالم العربي وكل خطر يهددها يهدد الشعوب العربية وكل مطمح لفلسطين يشاركها فيه جميع العرب. فوجود وحدة أو كيان سياسي يهودي في فلسطين يهدد جميع البلاد العربية الأخرى. ولا شك أن جميع المندوبين يوافقونني على وجوب تطبيق المبادئ الديمقراطية على فلسطين.
وإنه لما يسر حكومة المملكة العربية السعودية كل السرور أن تتعاون مع حكومة جلالة الملك للوصول إلى حل لفلسطين يحترم هذه المبادئ الديمقراطية.
وختم سموه خطابه بشكر المستر بيفن على تهيئته هذه الفرصة آملاً في إنهاء هذه المشكلة.
خطاب سمو الأمير سيف الإسلام عبد الله (المملكة اليمنية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
غني أقدر الروح التي سادت خلال اجتماعات هذا المؤتمر السابقة والتي تعبر عن رغبة لإيجاد حل نهائي لمشكلة فلسطين. كما أننا نقدر في الوقت نفسه استجابة بريطانيا العظمى لما أبديناه من رغبة في الدخول في المفاوضات على أساس المناقشة الحرة بقصد الوصول إلى نتيجة سليمة وعادلة.
لقد ظلت الحكومة وأخواتها الدول العربية تشاهد مدى ربع قرن مجرى الحوادث في فلسطين كما تتبعت ببالغ الاهتمام محاولات اللجان والهيئات المختلفة التي اشتغلت بهذه المشكلة والتي باءت جميعها بالفشل وذلك لأن الوسيلة التي تذرعوا بها لمعالجة المشكلة كانت خاطئة تماماً ولم تهتد قط إلى السبيل القويم. وكان آخر هذه المقترحات ما تضمنته مذكرة وفد الأمم المتحدة وهو مثل لإنصاف الحلول كما سنتولى بيانه.
- إن المشروع الجديد يعتمد في منشأه على توصيات اللجنة الانجليزية الأمريكية التي رفضت الدول العربية الاعتراف بها إذ لم يكن لها أساس قانوني. ولهذا أحست الدول بأنها على صواب حينما رفضت هذه التوصيات رغم ما يكون قد لحق بها من تعديل.
- يجب ألا تختلط مسألة المشردين بالمسألة الفلسطينية – فإن اليهود المشردين حينما يدخلون دولة – غير فلسطين – إنما يدخلونها دون قصد سياسي ولهذا فإن سكان هذه البلاد ليس لهم أن يخشوا من أي تعقيدات بينما إذا دخلوا فلسطين كانوا خطراً داهماً على السكان العرب نظراً للنتائج السياسية التي تعقب مثل هذا العمل. وبعبارة أخرى فإنهم إذ ذاك يبعثون الاضطراب في الميزان الدقيق الموجود حالياً.
- إن المشروع يقبل المبادئ التي رسمتها التوصية الثالثة للجنة الانجليزية الأمريكية كأساس. وتقول هذه التوصية بأن فلسطين لا يمكن أن تكون دولة يهودية أو دولة عربية ولذلك كانت مطامح الجاليتين في فلسطين بحيث لا يمكن التوفيق بينهما وأن العرب واليهود لن يمكن أن يتفقوا على أن يعيشوا متجاورين.
وهذه المبادئ خاطئة تماماً لأن المهاجرين العرضين لا يمكن أن يسلبوا العرب وطنهم. علاوة على ذلك فإن التاريخ يحدثنا أن اليهود عاشوا في بلاد الشرق الأوسط ولا زالوا متمتعين بالحرية والأمن والعدالة التي تهيئها هذه البلاد لأي مواطن من مواطنيها والسبب في هذا واضح فإن هؤلاء اليهود ليسوا صهيونيين.
- إن تقسيم فلسطين إلى أربع مقاطعات مسألة غير عملية في حد ذاتها وظاهرة السخف، فإن صغر رقعة فلسطين يجعل تطبيق مثل هذا المشروع عليها مستحيلاً ثم أن الصعوبات الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية كفيلة إذ ذاك بان تحدث تعقيدات غاية في الخطورة. إننا إذا تكلمنا عن آلاف العرب الذين سيقضى عليهم بالبقاء في المقاطعات اليهودية المقترح إنشاؤها فلن نجد مندوحة عن القلق الشديد على مصيرهم. إذ هم لا شك سيطردونهم من أراضيهم بكل الوسائل. ومن ناحية الضمانات التي ستعطى لحماية حقوق هذه الأقلية العربية فإن حوادث الإرهاب المؤلمة والتي كان منها مأساة تدمير فندق الملك داوود – ليست من العوامل التي تطمئن من ناحية نجاح هذه الضمانات.
- إن المشروع يعطي اليهود السيطرة على الهجرة في المنطقة المسماة يهودية. ويعد بتعديل القوانين الخاصة بتحويل ملكية الأرض في صالح اليهود. ومن غير المفهوم كيف يمكن أن يقبل العرب مثل هذا المشروع الذي يتجاهل عاملين أساسيين في تقرير مصالح العرب. فإن حكومة المقاطعة اليهودية سيسمح لها بأن تدخل منطقتها أي عدد تشاء من المهاجرين وبهذا تتحقق توصية اللجنة الانجليزية الأمريكية بإدخال مائة ألف يهودي في فلسطين ومواصلة الهجرة بعد هذا. والواقع أن ما يهدف إليه الصهيونيون هو إنشاء أمة يهودية داخل المقاطعة اليهودية يزيد فيها اليهود على العرب. ولن يجدوا سبيلاً لتحقيق هذه الغاية خيراً من انتهاج هذا السبيل. ومن الواضح الجلي – ما دمنا على علم بمطامع الصهيونية – أنه حالما تبلغ هذه المرحلة، فلن يتردد اليهود في المطالبة بإنشاء دولة يهودية تشمل فلسطين كلها. فإذا عارض العرب، الذين سيصبحون غذ ذاك أقلية مثل هذا الطلب أجيبوا بأن مصير البلاد إنما تقرره الأغلبية لا الأقلية. هذا، بينما الآن حينما يطالب اليهود بتقرير مصير فلسطين بأنفسهم لا نراهم يجابون قط بأنهم أقلية ويجب أن يتركوا هذا الأمر لأغلبية الشعب.
- بناءً على هذا المشروع سيطلب من حكومة الولايات المتحدة أن.. تتولى الإنفاق على نقل اللاجئين اليهود من أوروبا إلى فلسطين كأنما الجانب المالي في عملية الهجرة إلى فلسطين الواسعة النطاق هو كل ما يعنينا في الأمر، دون أن نقدر ما في هذه المسألة من الخطر على عرب فلسطين. وإني أجرأ على القول طالما أعتقد أصحاب هذا المشروع أن تدبير تكاليف النقل هو العائق الوحيد في سبيل هذه الهجرة، إن الحكومات العربية على أتم استعداد أن تتكفل هي بنقل اليهود من فلسطين.
لقد قيل انه يمكن تدبير قروض للحكومات الممثلة في الجامعة العربية تستطيع أن تستعين بها على تقدمها الاقتصادي. ونحن نؤمن أن القروض مهما كانت ضخمة لا يمكن أن يكون لها أية فائدة ما دام الخطر الاقتصادي اليهودي يهدد اقتصاديات الشرق الأوسط تهديداً متصلاً.
ونحن إذ نقرأ تفاصيل هذا المشروع نستطيع أن ندرك من نظرة عاجلة أنه قد وفق في إرضاء مطامع الصهيونيين وأخفق إخفاقاً تاماً في إذكاء الأمل في صدور العرب. وفوق هذا فإن آمال الصهيونيين العريضة ورغبتهم القوية في اتخاذ فلسطين قاعدة يتوسعون فيها حتى يسيطروا على بلاد الشرق الأوسط كل هذا كفيل بالقضاء على عامل الزمن – الذي جاء في المشروع أنه سيعمل على تحقيق التقدم السلمي والتطور الدستوري سواء بالاتجاه نحو التقسيم أو الاتحاد الإقليمي. وهما على كل حال ليسا مقبولين من العرب.
ويظهر أن المشروع يقبل مبدأ مفاده أن المهاجرين – وهم غير شرعيين في حالة فلسطين – يتخذون بصورة آلية جنسية البلد التي يهاجر إليها ويسمح لهم بالقيام بدور خطير للغاية في تقدير أمور هذا البلد وهو مبدأ لم يقر مطلقاً في أي بلد آخر من بلاد العالم. إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية اعترفت ولا تزال تعترف بوجود مثل هؤلاء الأشخاص في فلسطين بينما العرب ينظرون لكل يهود فلسطين على أنهم مهاجرون غير شرعيين. وإننا نأمل في إخلاص أن ينجح المؤتمر في إزالة التشريعات غير المألوفة التي تجعل من فلسطين بلداً مختلفاً عن بقية بلاد العالم.
وأخيراً نرى كاتب هذه المقترحات يتوجه للرجال من الجانبين يسألهم أن يتعاونوا على القضاء على الإرهاب. إن عرب فلسطين وهم عادة ضحايا أعمال العنف والاعتداءات ليغتبطون أشد الغبطة إذ يرون النظام والقانون يعم البلاد جميعاً. إن هذه الاعتداءات والاستهتار بالحياة تجعلنا نحس أشد القلق على عرب فلسطين إذا تأخر طويلا إقرار حل عادل أو إذا استطاع اليهود أن يصيروا أغلبية في البلاد.
ولذلك وبالنظر على ما قيل ولأن هذه المقترحات تلغي كل الوعود السابقة التي قطعت للعرب ولأنها لا تتفق مع الاتفاقيات العالمية ومبادئ الديمقراطية فغن حكومة اليمن ليست على استعداد لأن توافق عليها أو تقبل أي مشروع يظلم العرب ولا يتفق مع روح العدالة.
كلمة حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية ألقيت في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
قال حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن عزام باشا: أن ليس لديه ما يضيفه إلى ما أدلى به من سبقه من أعضاء الوفود العربية سوى النزر القليل لأنهم أوفوا القضية العربية حقها وأعطوا البراهين القاطعة على عدالتها، وأعرب سعادته عن أسفه لتغيب مندوبي عرب فلسطين ولكنه أكد أنهم يشاركون الوفود العربية الرأي وأنهم لا شك سيقاومون ويعارضون مشروع نظام الاتحاد.
وهنا نوه سعادته بأنه كان يتمنى بعد سماعه أقوال الوفود العربية أن يدلي بنفسه بوجهة نظر اليهود نظراً لتغيب مندوبيهم ولكنه أردف بقوله أن هذا بلا شك ما سيفعله البريطانيون لأن العرب اعتادوا في المؤتمرات السابقة أن يسمعوا وجهة النظر اليهودية من البريطانيين أنفسهم وعاد فقال ربما لم يكن هذا مقصوداً ولكن الواقع أن العرب كانوا دائماً يجدون أنفسهم مضطرين إلى التساهل رغبة في ملاقاة وجهة نظر البريطانيين.
ولو كان الأمر قاصراً على البريطانيين وحدهم لتوصل هذا المؤتمر إلى اتفاق في بحر يومين أو ثلاثة أيام على الأكثر فليس وجود البريطانيين في فلسطين إلا مؤقتاً ولن يعدم العرب وسيلة للاتفاق معهم ولكن لسوء الحظ كلما دعت الحالة العرب لمقابلة البريطانيين تحتم عليهم في نفس الوقت مقابلة اليهود.
واضطرد عزام باشا يقول: إن عرب فلسطين لن يقبلوا المشروع المقترح فإذا كان القصد منه التحالف فهم لا شك رافضون فكرة تجزئة البلاد إلى مقاطعات وإذا كان القصد منه التقسيم فهم أيضاً رافضون لأنهم لن يسمحوا بتحول أي جزء من بلادهم إلى شعب غريب، وقد كان من المحتمل طرحه على بساط البحث لو كانت قد قضت به المصلحة الإدارية غير أن الأمر ليس كذلك فهم يعلمون أن القصد الرئيسي منه إدخال المائة ألف يهودي الذين ألح الرئيس ترومان بشدة في قبولهم.
وهنا تساءل عزام باشا عن السبب الذي حدا بالرئيس ترومان أن يختار مائة ألف دون تسعة وتسعين ألف أو مائة ألف وألف مثلاً، وأجاب على هذا السؤال بقوله لعله شغف الرئيس بالأصفار.
فلو فرضنا أن العرب قبلوا العمل برأيه لأدى ذلك على رضاهم بسلخ جزء من بلادهم ثم قبول إدخال 100.000 يهودي وبعد ذلك السماح بتدفق اليهود إلى البلاد وفيما وكيفما يشاءون. واستمر عزام باشا في خطابه فقال، إن اليهود الذين يرسلون الآن إلى فلسطين من أوروبا جنود منتقون مجندون خصيصاً للقتال: فمن مصلحة البلاد إذاً أن يوقف تيار هذه الهجرة نعم حري بمصلحة البلاد أن يوضع حد لهذا التجنيد وأن يوقف تدفق هؤلاء الجنود غليها لن فلسطين في اشد الاحتياج إلى الأمن والسلام.
والحقيقة هي أن هذا المشروع دبر لأغراض سياسية محضة وليس بقصد إصلاح إدارة البلاد فهو لو طبق لما أفلح في تهدئة خواطر الإرهابيين حتى ولو كان ذلك هو معينة في فلسطين فحسب بل فلسطين بأجمعها وبعد ذلك شرق الأردن أيضا وليس ثمة وسيلة لوضع حد لجشعهم.
ولن يصلح المشروع أيضاً لاستتباب الأمن في البلاد لأنه لا سبيل مطلقاً لكبح جماح الإرهابيين بممالأتهم.
وإذا نظرنا على هذا المشروع من جهة عملية محضة لانتهى بنا كذلك على منطقة يهودية يكون العرب فيها أقلية مآلها لا شك للطرد، وأخرى عربية يقطنها بدورها أقلية يهودية من الصعب التوصل إلى طريقة للتعامل معها.
وختم عزام باشا خطابه بقوله: إن اعتراضات العرب على المشروع هي اعتراضات مبنية على أسس عملية مما يثبت أن المشروع لم يكن وليد الرغبة في الإصلاح الإداري بل هو مصدر خطر على ذلك البلد الصغير مهدداً استتباب الأمن فيه ومعرضاً كيانه الاقتصادي للدمار، لذلك يعترض العرب عليه ويرفضونه بالإجماع.
خطاب معالي عبد الرازق السنهوري باشا (المملكة المصرية) ألقي في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
أتشرف أن أقدم إليكم وجهة نظر الوفد المصري فيما يختص بتقرير لجنة الخبراء ولقد رؤي أنه من الأفضل تحضير هذا الخطاب قبل إلقائه نظرا لمعرفتي المحدودة باللغة الانجليزية وحتى تظهر وجهة نظر الوفد المصري في هذه المسألة الدقيقة الخطيرة من الوضوح بدرجة لا لبس فيها ولا غموض.
وقبل أن أخوض في الموضوع أحب أن أعرب أولاً عن تقديري لحسن النية التي بدت في الخطب الرائعة التي ألقاها مستر اتلي ومستر بيفن ومستر هول في الاجتماعات الافتتاحية لهذا المؤتمر، ولقد كنت أستشعر أثناء استماعي لكم أن سر نبوغ هؤلاء الساسة القادرين إنما هو ميلهم الطبيعي على الإخلاص والصراحة وقد أوضح مستر بيفن رغبته في أن يقدم كل وفد بمفرده وجهة نظره الخاصة وليس أن نقدم بيانا منا كجبهة متحدة واستجابة لهذه الرغبة ألقي بياني هذا.
يمكن تلخيص مقترحات لجنة الخبراء في ثلاث نقط:
- تقسيم فلسطين إلى أربعة مناطق:
منطقة عربية، ومنطقة يهودية، ومنطقة القدس، ومنطقة النقب، ويكون لكل قسم هيئة تشريعية لها الحق في سن التشريعات الخاصة بالمسائل المحلية وهيئة تنفيذية لتنفيذ قوانينها. ولا يبقى تحت سلطان الحكومة المركزية إلا ما يختص بالدفاع والعلاقات الخارجية والجمارك والمكوس وتنفيذ القوانين والنظم التي تشمل البوليس والمحاكم وعدداً محدودا من المسائل الهامة التي تهم فلسطين عموما. أما الاختصاصات التنفيذية والتشريعية للحكومة المركزية فيمارسها أساسا المندوب السامي يساعده مجلس تنفيذي معين.
- يكون للحكومات الإقليمية الحق في التحديد العددي والتعيين الوصفي للأشخاص الذين يستوطنون أراضيها، ويصير ممكناً أن يقبل في الحال دخول مائة ألف يهودي مهاجر إلى فلسطين كما يسمح من ثم باستمرار الهجرة، كذلك تلغى النظم الخاصة بانتقال الأراضي ويكون من حق حكومة العرب الإقليمية أن تقبل أو ترفض بيع الأراضي داخل حدودها لليهود أما المساحة الخاصة بإقليم اليهود فستكون أكثر من المساحة التي يسمح لليهود الآن بابتياع الأراضي فيها.
- ويترك هذه المشروع المجال مفتوحا في المستقبل لاطراد التقدم السلمي والتطور الدستوري نحو التجزئة أو النظام الاتحادي. وإن اشتراك ممثلي المقاطعتين في إدارة الحكومة المركزية قد ينتهي على نظام اتحادي على درجة عالية من الرقي. ومن الناحية الأخرى فإذا اتضح أن عوامل التفرقة على غاية من الشدة فإن السبيل سيكون مهيئاً للتقسيم.
فإذا تركنا جانبا المقاطعتين الأخيرتين في هذا المشروع المقترح وهما القدس والنقب (وانأ لا أفهم تمام الفهم لماذا اقتطعت هاتين المنطقتين من الأراضي العربية) وقصرت بحثي على المنطقتين العربية واليهودية أرى انه من الجلي أنه ستقام منطقة يهودية تتمتع بالحكم الذاتي ويسمح فيها بهجرة لا رابط لها تبدأ بإدخال 100.000 مهاجر من الآن. وفي هذه المنطقة أيضاً ستباع الأراضي لليهود بدون قيد ولا شرط وأنه في مثل هذا النظام من الإدارة غير المركزة سيصير سبيل التطور غما بلوغ لنظام اتحادي أو للتقسيم. ومثل هذا الوضع سينتهي حتماً وفي وقت ليس ببعيد على نتيجتين حتميتين:
أولاً- تقسيم البلاد وليس إقامة دولة اتحادية إذ أن اليهود قد أعلنوا صراحة أن الهدف الرئيسي الذي يسعون غليه هو إقامة دولة يهودية مستقلة. ولقد أوضحوا مرارا أن هذا هو المثل الأعلى الذي يقوم عليه برنامجهم الرسمي الذي أطلق عليه اسم "برنامج بلطيمور" ولقد رفضوا حضور هذا المؤتمر لأنهم طالبوا أن يكون أساس البحث إقامة دولة يهودية مستقلة.
ثانياً- سيسمح لليهود بهجرة لا حدود معقولة لها فتزدحم منطقتهم بالسكان ازدحاما كبيرا لا يمكنها معه أن تسع المهاجرين جميعا. وسيعينهم في هذا السبيل أن المنطقة المقترحة أكبر كثيراً من المناطق التي يسكنونها الآن. فستضم هذه الجزء الأكبر من الأراضي التي استقر فيها اليهود فعلاً ومنطقة غير صغيرة من مناطق سكنهم وما حولها. إلا أنهم سيشكون حتما بعد قبولهم هذه الأعداد الضخمة من المهاجرين من أن منطقتهم أصغر من أن تتسع للسكان وأنهم في حاجة إلى توسيعها. ومن هنا يبدأون في الوثوب على المنطقة العربية المجاورة وربما على البلاد العربية المجاورة.
وسيعني هذا أمرين:
- أننا قد قبلنا تقسيم فلسطين ورضينا بإقامة حكومة يهودية مستقلة وبهذا نحقق البرنامج الصهيوني.
- إن مثل هذه الدولة اليهودية ستهدد البلاد العربية المجاورة تهديدا خطيرا وستكون بمثابة قاعدة تمكن اليهود من اجتياح كل العالم العربي في الشرق.
ولا يمكننا أن نقر بشكل ما تقسيم فلسطين أو إقامة دولة يهودية في هذا الجزء من العالم. كما لن نقف موقفاً سلبياً حتى يصير الخطر اليهودي للعالم العربي خطراً واقعا. إن مخاوفنا مخاوف حقيقية وليست مخاوف وهمية ولقد أثيرت هذه النقلة في مجلس العموم حينما عرضت اقتراحات وفود الخبراء للمناقشة. ولقد قال المستر ماننجهام بولر في هذا الصدد "إني أعتقد حتى يصير التقسيم ناجزاً – أنه يجب أن ينعقد عليه الاتفاق بين العرب واليهود أولاً". فالتقسيم ليس حلاً يمكن فرضه إلا إذا كنا على استعداد لأن تبقي عليه بالقوة. فإذا وافقنا على التقسيم فإن اليهود كما يبدو سيمنحون السيطرة على الهجرة إلى الدولة اليهودية وبهذا تكون أوجه اعتراضاتنا كلها على دولة يهودية لا تزال قائمة بالنسبة للدولة التي أنشئت عن طريق التقسيم. وإني اعتقد أن العرب سيقابلون مثل هذا الأمر مقابلة أسوا من المقابلة التي تلقوا بها التوصية بإدخال 100.000 مهاجر فسيقول العرب أن اليهود سيحصلون عن طريق التقسيم على عدد غير محدود من المهاجرين يضاف على ذلك قطعة من الأرض. وإني أقدر تماما – بالنسبة لليهود – أن التقسيم سيضمن السلم لبضع سنين ولكن أرى أنه من الواضح أن يؤدي إلى مشكلة أعسر وأدق بعد هذا فسيطالب اليهود إذ ذاك بمجال حيوي وربما نظموا قوات مسلحة سيكون علينا أن نواجهها. فمن الواضح أن التقسيم سيؤدي إلى حدود مصطنعة لا يمكن التحكم فيها وإلى أوضاع ترى فيها بعض العرب يحكمهم اليهود وبعض اليهود يحكمهم العرب.
وما فرضته اللجنة الانجليزية – الأمريكية من أن تكون فلسطين دولة لا هي باليهودية ولا بالعربية أمر لا يمكن إدراكه. كما لا يمكن إدراك ما اقترحته بعض الخبيرين من أن تصير فلسطين دولة اتحادية أو دولة منقسمة إلى دولة عربية في ناحية ودولة يهودية في ناحية أخرى. وهي لا يمكن إلا أن تكون دولة عربية فيها أقلية يهودية أو دولة يهودية فيها أقلية عربية. وقد صمم اليهود على تحقيق الشطر الثاني مستخدمين في سبيل تحقيق هدفهم هذا ثلاث طرق: الهجرة، شراء الأراضي، التقسيم. وهذه هي نفس النقط الثلاث التي بينت عليها توصيات الخبراء.
وبالنسبة للنقطة الأولى أي الهجرة فيكفي أن نعرض الأرقام التالية:
كان عدد اليهود في مطلع الانتداب أقل من 60 ألفاً وهم يربون الآن على (600.000) ألف فتكون النسبة قد ازدادت من أقل من العشر إلى أكثر من الثلث.
وبالنسبة للنقطة الثانية أي شراء الأراضي فمن الملاحظ أن الأراضي الصالحة للزراعة في فلسطين تبلغ 6.5 مليون دونم اشترى منها اليهود حتى الآن ما لا يقل عن مليوني دونم أي ما يبلغ ثلث الأراضي المنزرعة. ويلاحظ أيضاً أن السكان اليهود الذين يشتغلون بزراعة الأراضي يبلغون 10.000 بينما الفلاحون العرب يبلغون نحو 600.000.
ولهذا كله كان متوسط ما يملكه اليهودي من الأرض 200 دونم بينما متوسط ما يملكه العربي ثمانية دونمات فقط، ومعنى هذا أن ملكية اليهود للأراضي تزيد على ملكية العرب لها بمقدار خمسة وعشرين مرة. ويقول هوب سمبسون في تقريره أن نحو ثلث الذين يشتغلون في الزراعة في فلسطين لا يملكون أي أرض على الإطلاق كما انتهت لجنة شو في بحثها إلى أن فلسطين لا يوجد بها أرض تتسع لاستقرار يهود جدد. والحل الوحيد هو أن يستقروا في الأراضي التي يسكنها أهالي البلاد.
وبالنسبة إلى مشروع التقسيم فقد اتضح أنه حل غير عملي من النواحي الاقتصادية والمالية والإدارية. وقد أصدرت حكومة فلسطين بيانا عن سياستها في نفس الوقت الذي أذيع فيه تقرير لجنة التقسيم جاء فيه أن الحكومة البريطانية قد انتهت إلى الرأي أنه بعد بحث اللجنة اتضح أن الصعوبات السياسية والإدارية والمالية التي ستنتج عن الاقتراح الذي يرمي إلى إقامة دولتين واحدة عربية وأخرى يهودية في داخل أراضي فلسطين يبلغ من الضخامة جداً يتعذر معها حل المشكلة حلاً عملياً.
لذلك فإن التقسيم المقترح والمعروف باسم مشروع (س) يجب أن يرفض رفضاً قاطعاً. وقد أورد مستر ماننجهام بولر الملاحظة الآتية في مجلس العموم البريطاني بخصوص هذا المشروع: "إن المشروع المعروض أمامنا ينصب على 301.000 عربي و 451.000 يهودي وذلك في المقاطعة اليهودية. وهو يدخل في المقاطعة اليهودية 68% من مزارع الموالح العربية و 70% من الأراضي المنبسطة التي يمكن زراعتها إذا توفر الماء. وسيكون دخل المقاطعة اليهودية 63% من الدخل الأهلي بينما دخل المقاطعة العربية سيبلغ 12% وما تبقى يذهب للحكومة المركزية".
لكل هذا لا يسعنا إلا أن نرفض بكل قوة هذه الوسائل التي سبق ذكرها والتي يستخدمها اليهود لإقامة حكومة يهودية مستقلة كما نرفض دون أقل تردد اقتراحات لجنة الخبراء.
ومن الواضح أن علينا الآن أن نقوم بتقديم حل إنشائي لمشكلة فلسطين على أن المجلس لم يبلغ بعد المرحلة التي يمكن له فيها أن يعرض مثل هذا الحل. على أن ما يجب أن نذكره الآن هو أنه يجب أن نحرم فلسطين من الحقوق الممنوحة لبقية العالم حسب نصوص ميثاق الأمم المتحدة وميثاق الأطلنطي وحق تقرير المصير. وقد قال مستر ماننجهام بولر في هذا الصدد في خطاب ألقاه في مجلس العموم "إن العرب يرغبون في أن يواصلوا الحياة في هذه الأرض الكثيفة السكان التي سكنها أجدادهم من قبلهم وقاموا على زراعتها مئات السنين وهم يحسون كما يحس كل ويلزي أو اسكتلندي أو انجليزي أو أمريكي حين يقال له أن مئات الآلاف من المنتمين إلى جنسية أخرى سيقومون بالاستقرار فيما يعتبره بلاده وأنهم ينوون إحالتها إلى دولة غريبة عنه".
إن فلسطين دولة عربية خرجت عن الحكم الثنائي ووضعت تحت الانتداب كما حدث مع العراق وشرق الأردن وسوريا ولبنان، وبنفس الطريقة التي ألغي بها الانتداب في هذه البلاد وأعلن استقلالها فإن نفس الطريقة يمكن أن تتبع مع فلسطين حتى تتمكن من الاشتراك في الجامعة العربية ومن التمتع بحكومة ديمقراطية وبرلمان تمثيلي.
ويمكن القول بأن قضية فلسطين تختلف عن قضايا هذه الدول وذلك لارتباطها بالمشكلة اليهودية التي نشأت عن تصريح بلفور الذي تضمنه صك الانتداب نفسه والذي يقول بأن اليهود الحق في إقامة وطن قومي خاص بهم في فلسطين. ورأينا في هذا الصدد هو أنه ليس لليهود مثل هذا الحق الشرعي الذي يخول لهم إقامة وطن قومي. وبغض النظر عما في تصريح بلفور من مناقضة لتصريحات مماثلة في صالح العرب وبغض النظر عن أن فلسطين لم تقبل الانتداب بل لقد احتجت عليه فإن التصريح ونص الانتداب على السواء لا يشيران إلا إلى سياسة معينة ولا يقرران حقاً شرعياً. وحتى لو فرضنا أن السلطة المنتدبة نفسها قد ارتبطت بوعد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين فإن عبارة "وطن قومي" لا تزال في حاجة إلى التحديد. ومهما يكن هذا التعريف فإنه لا يتضمن قطعاً إقامة "دولة يهودية" كما لا ينفي قيام شيء آخر في فلسطين بجانب هذا "الوطن القومي" وقد فسر المستر تشرشل تصريح بلفور في سنة 1922 بقوله "أنه ليس معناه إحالة فلسطين كلها على وطن قومي لليهود ولكن أن يقام مثل هذا الوطن في فلسطين".
ودعوني أوضح مرة ثانية أنه إذا فرضنا اضطراد السلطة المنتدبة لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين فإنها قد حققت هذا الالتزام فعلاً على أوسع نطاق ممكن.
بل لقد حققت وعدها فعلاً منذ مدة بعيدة حينما بلغ عدد اليهود عشرة أمثال ما كان عليه عندما بدأ الاحتلال البريطاني لفلسطين وحينما كانت نسبة اليهود لمجموع السكان لا تزيد على العشر فبلغت الآن الثلث بينما بلغت الأراضي المنزرعة التي يملكها اليهود الثلث أيضاً.
والواقع أنه إذا كان للسلطة المنتدبة التزامات شرعية فهذه الالتزامات هي التي نص عليها الكتاب الأبيض الذي صدر في سنة 1939 والذي تعهدت بموجبه أن تعمل على عدم رفع نسبة اليهود للعرب بأكثر من الثلث، وفيما يلي اقتباس عن الكتاب الأبيض:
"إن حكومة صاحب الجلالة مقتنعة أنه بعد إتمام الهجرة التي ترى أن تستمر خمس سنوات لن تجد ما يبرر تسهيل اضطراد نمو الوطن القومي اليهودي عن طريق الهجرة غاضة الطرف عن رغبات السكان العرب كما لن يكون هناك عليها أي التزام لهذا التسهيل".
لذلك كان الموقف الحقيقي هو أن السلطة المنتدبة مرتبطة شرعياً بإنهاء الهجرة في اللحظة التي تبلغ فيها نسبة اليهود ثلث مجموع السكان والآن وقد تجاوزت هذا الحد فإن من حقنا أن نطالب بوقف الهجرة وقفاً نهائياً عاجلاً. ومسالة الهجرة هذه هي من أهم جانب في مشكلة فلسطين كلها وطالما لم تحل هذه المشكلة حلاً عادلاً يتفق مع الالتزامات ومع المبادئ العالمية المتواضع عليها فإن الأمل عظيم في تسوية مرضية لكل الصعوبات الأخرى. حققوا هذا العمل حتى يعود السلام مرة ثانية إلى ربوع فلسطين وتعود البلاد العربية في الشرق الأوسط إلى إيمانها بالعدالة العالمية وتصبح العلاقة بين هذا الجزء من العالم وبين الامبراطورية البريطانية علاقة مودة تساعد على إقرار السلم في العالم واضطراد تقدم الحضارة.
كلمة دولة فارس بك الخوري (رئيس وفد الجمهورية السورية) ألقيت في مؤتمر فلسطين بلندن بتاريخ 12 سبتمبر سنة 1946
وقال فارس بك الخوري أن المحادثات الأولى للمؤتمر تضمنت إشارات كثيرة إلى تغيب عرب فلسطين. وأنه لا ينوي تعديد كل الأسباب التي أدت إلى هذا ولكن ثمة سبيل لمعالجة هذا الموقف. إن تفرقة الحكومة المعتدية في المعاملة بين اليهود والعرب في فلسطين مسألة تستوجب العناية. إذ أن كثيرين من العرب لا يزالون في السجون لأشياء حدثت في سنة 1936 وبعض هؤلاء لم يقدم للمحاكمة، بينما معاملة اليهود اتصفت بكثير من التسامح والتساهل. لماذا يبقى العرب في السجون لجرائم صغيرة مثل حوزة الأسلحة ؟. وقد عبر دولة فارس بك الخوري عن أمله في أن تتخذ الخطوات اللازمة للإفراج عنهم.
إن التصريحات التي أوردتها الوفود العربية يجب أن تكفي لتوضيح القضية العربية للوفد البريطاني وأن الأسباب التي عرضها اليهود أولئك الذين يدافعون عن قضيتهم يجب أن تدرس أيضاً. إنهم يدعون أن ثمة نبوءة في التوراة هي بمثابة صك لهم. ومن المفيد في هذا الصدد أن نعرض في إيجاز لقصة اليهود في فلسطين.
وواصل فارس بك الخوري حديثه قائلاً:
إن الحملة اليهودية على فلسطين بدأت في القرن السادس عشر قبل الميلاد.
وقد نجح اليهود إذ ذاك في التغلب على منطقة صغيرة في هذا البلد أقاموا فيها مملكتين. ولم تتوقف المعارك الدامية والصراع المتصل بينهم وبين سكان البلاد الأصليين قط.
وإن التوراة عامرة بقصص الصراع وإراقة الدماء الذي لا ينقطع وقد ظلت المملكتان اليهوديتان قاصرتين على منطقة صغيرة في الطرف الشرقي للبلاد ولم يبلغا ساحل البحر المتوسط قط.
وقد حطم البابليون في القرن السادس مدنهم ونقلوهم معهم إلى بلاد ما بين النهرين. وقد تنبأ أنبياء التوراة أثناء هذا النفي أن الله سيردهم إلى الأراضي المقدسة، وقد تحققت هذه النبوءات بعد سبعين عاماً من ذلك التاريخ حينما أمر سيرس الفارسي بإعادتهم إلى القدس. وقد عارض جوشام الأسير العربي في هذا الرجوع وسعى إلى إيقافه، على أن اليهود نجحوا بالاستعانة بتأييد سيرس القوي في الاستقرار في مساحة صغيرة من الأرض تقسم القدس وضواحيها.
وفي القرن الرابع غلبهم المقدونيون على أمرهم وحكموهم حتى سنة 70 م. حين أعمل فيهم تبتس القتل والذبح ونقلهم لا إلى منطقة معينة ولكن إلى مناطق متفرقة من العالم – كما أمر ألا يسمح ليهودي بالعودة إلى القدس.
وقد ظلت فلسطين بعد هذا التاريخ خالية من اليهود لعدد كبير من القرون.
وفي القرن السابع حينما طرد العرب البيزنطيين من سوريا ذكر رئيس أساقفة القدس للخليفة عمر أنه يملك أمراً ينص على منع اليهود من دخول تلك المدينة فأمر الخليفة أن يحترم هذا الأمر ويعمل به على أنه أثناء الحكم العثماني أغفل أمر هذا المنع وأخذ بعض اليهود في التسرب إلى البلاد.
من هذا العرض التاريخي الموجز يمكن الخلاص إلى أن الحجة التاريخية التي يبني عليها اليهود دعواهم لا يمكن أن تثبت للأسباب الآتية:
- لم يكن اليهود سكان فلسطين الأصليين ولكن كانوا غزاة حاولوا فرض أنفسهم على البلاد ولاقوا في هذا السبيل مقاومة شديدة من السكان الأصليين، وأن العرب من الناحية الأخرى نسل أولئك السكان الأصليين الذين كانوا يعيشون في البلاد قبل اليهود وقاوموا الغزو اليهودي واستمروا يعيشون هناك حتى اليوم.
- إن الفتح اليهودي كان فتحاً قصير المدى متقطعاً ولم يمتد في أكثر من قطعة صغيرة من البلاد.
- إن وجود اليهود بالعنوة والاقتدار في جزء من فلسطين في مطلع التاريخ القديم لا يمنحهم حقاً ما في استئناف هذا الاحتلال المفروض فرضاً بعد مضي عشرات القرون. لقد استولوا على الأرض الفلسطينية وقام هؤلاء الفلسطينيون أنفسهم باستردادها ثم لو أمكن لهذه الدعوى أن تثبت لما كان لأمة الحق أن تبقى حيث هي الآن فإن العرب يجب أن يطالبوا إذ ذاك بإسبانيا والرومان بانجلترا والانجليز بالولايات المتحدة.
ولقد كان عدد اليهود في كل فلسطين يبلغ وقت الانتصار البريطاني العربي في 1917 نحو 50.000 فقط أو أقل من 10 في المائة من مجموع السكان بينما كان العرب أكثر 600.000 أي أكثر من 90 في المائة. ولكن وعد بلفور والانتداب فتحا الباب على مصراعيه لليهود.
لقد كان فرض الانتداب على فلسطين عملاً غير شرعي وليس له سند أخلاقي فإن إنشاء الانتدابات بعد الحرب العالمية الماضية (والوصايات بعد الحرب الحالية) ينطبق على المستعمرات التي لا قدرة لها على حكم نفسها والتي انتزعت من دول معادية ولا ينطبق على أجزاء قائمة بذاتها انتزعت من مثل هذه الدول. ولقد كانت فلسطين جزءاً قائماً بذاته من الإمبراطورية العثمانية ولم تكن مستعمرة تركية كما أرادت "الدول الأربع العظمى" إذ ذاك أن تعتبرها. ولقد شاركت فلسطين مثل بقية الولايات العربية الأخرى في إدارة شؤون الحكومة العثمانية بنفس الطريقة التي كانت تتبع في الولايات التركية الأخرى كما كانت ممثلة في البرلمان العثماني في استانبول.
ولم تفرض وصاية ما على الولايات الأوروبية التي اقتطعت من الإمبراطوريات العثمانية أو النمسوية أو الروسية ولكن أعلن استقلال هذه البلاد أو ضمت إلى دول مجاورة لأسباب عنصرية كما حدث في تشيكوسلوفاكيا وبولندا وفنلندا والجمهوريات البلطيقية الثلاث وأوكرانيا والتيرول وألبانيا وبلاد الجزيرة العربية واليمن. وقد طبق النظام الانتدابي على المستعمرات الألمانية في أفريقيا ومنطقة المحيط الهادئ.
وهذا الانتداب غير الشرعي الذي سعى إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين هو سبب الموقف الذي يعد كارثة والذي نتجت عنه الأزمة الحالية التي أصبحت عاملاً أساسياً ليس في حقوق العرب الحيوية فحسب وإنما في مستقبل العلاقات الودية مع بعض الدول العظمى الذي يهمنا أن نستبقي معهم أشد الروابط وأوثقها في ميدان التعاون العالمي.
وهذه الأخطاء التي ارتكبت في الماضي القريب يجب العمل على إصلاحها والانصراف عن أساليب الظلم والتعسف ويجب التمسك بأهداب مبادئ الديمقراطية والحرية والسامية كما ينص عليها ميثاق هيئة الأمم المتحدة هذه الأخطاء وهذا الظلم لا يمكن بشكل ما أن يصيرا قاعدة لاتفاق دائم للمسألة الفلسطينية.
ثم أن وعد بلفور يناقض وعود مكماهون التي تعد بمنح الاستقلال للبلاد العربية بما فيها فلسطين هذا بينما يناقض الانتداب المادة 22 من اتفاقية جامعة الأمم التي تنص على قواعد الانتداب، ولذا كان وعد بلفور والانتداب غير شرعيين.
إن بعض المسؤولين يدعون أن تصريح بلفور وعد شرف يجب أن يحقق وقد يكون هذا حقاً لو أن فلسطين كانت ملكاً خالصاً للورد بلفور أو أرضاً خالية تملكها الحكومة. ولكن ليست هذه هي الحالة، إن فلسطين تزدحم بشعب أمة عظيمة تشغل منطقة على غاية من الأهمية في العالم ولها تاريخ رائع.
إن مثل هذه الوعود التي تهب أملاك الغير لا قيمة لها.
ولقد انتزعت فلسطين كنتيجة للانتداب وتصريح بلفور من أمها سوريا التي كانت دائماً جزءاً متمماً لها وكانت ستظل كذلك لولا الانتداب وتصريح بلفور.
إن ذكريات الحملات الأليمة التي شنها الصليبيون لا تزال مائلة حية في الأذهان ولقد ظل نقاد العصور التالية يحملون عليها بعنف، ومما يدعو إلى أشد الأسف أن يشرع من جديد في حملة صليبية يهودية في القرن العشرين تداس فيها كل المبادئ الإنسانية. هذا، برغم وجود هيئة الأمم المتحدة. وستكون كارثة أعظم إذا قامت الدول العظمى التي يعتقد أنها الدعايات الكبرى للديمقراطية وحقوق الإنسان بمناصرة هذه الحملة الصليبية اليهودية الجديدة.
إن الوطن القومي الذي يسعى إليه الصهيونيون بكل جهدهم لن يسمح به العرب بشكل ما وإن الأسباب التي يعرضها المدافعون عن مطامح الصهيونية يعوزها القدرة على الإقناع، فإن اضطهاد اليهود في أوروبا لا يبرر فرضهم على عرب فلسطين فهم غير مسؤولين عن هذا الاضطهاد الواقع على اليهود ومن العدالة والصواب لو أرغمنا أولئك الذين خلقوا المشكلة باضطهادهم لليهود أن يتولوا هم حل هذه المسألة، فمن المعروف أن النازية والفاشية كانتا تضطهدان اليهود أثناء سلطانهما وقوتهما. ولكن النازية والفاشية لم يعد لهما الآن بقاء في أوروبا. والسيطرة الآن هناك للديمقراطية فلماذا إذاً لا يعود اللاجئون اليهود إلى أوطانهم الأولى ويحيون في أمن في ظل النظام الديمقراطي ؟ لماذا يفضلون الذهاب إلى فلسطين فيخلقون هذا الاضطراب الجهنمي ؟.
ليس العرب ممن يوسمون بمناهضة السامية، وهم يعاملون مواطنيهم من اليهود معاملة عادلة. بل أن الحكومة السورية تسعى الآن لتحقيق الأمن والاستقرار الأمن والاستقرار لمواطنيها اليهود الذين ظلوا يتمتعون بهذا الأمن وهذا الاستقرار حتى مجيء الصهيونية، إن الصهيونية تجعل هذه المهمة غاية في الصعوبة بالنسبة للحكومة السورية، كما أن الاقتراح المعروض.. للبحث أعني خطة التقسيم إلى مقاطعات ينطوي على النقائض الأساسية الآتية:
- إدخال 100.000 لاجئ جديد.
- مواصلة الهجرة دون حد تقرره الحكومة اليهودية المحلية التي لا تخضع في هذا إلا لسيطرة ضعيفة للغاية من الحكومة المركزية.
- إلغاء القيود المفروضة على بيع الأراضي.
- إخراج العرب من المساهمة في إدارة مقاطعات بلادهم وترك هذه المقاطعات لمصير مظلم. ثم أن المشروع يعطي اليهود قطعا من فلسطين لم تحتلها قط.
- عدم وجود أي إشارة إلى مصير هذا التقسيم إلى مقاطعات مستقلة استقلالا داخلياً وهل يتجه التقسيم إلى تجزئة نهائية أو إلى اتحاد مركزي فيه أغلبية يهودية ؟ إن العرب يعترضون على الاتجاهين على السواء.
هذه الحقائق كافية جدا لكي تجعل هذا الاقتراح مرفوضا من الحكومة السورية.
مقترحات الوفود العربية في مؤتمر فلسطين بلندن سنة 1946
أولاً- الخطوة الأولى هي أن يقوم المندوب السامي بعد استشارة العناصر الرئيسية الفلسطينية بتعيين حكومة مؤقتة مؤلفة من 7 وزراء عرب وثلاثة من اليهود الفلسطيني الجنسية وتتحول السلطات التشريعية والتنفيذية التي تمارسها الإدارة الفلسطينية الحالية إلى الحكومة المؤقتة بمجرد تعيينها ويحتفظ المندوب السامي بحق الاعتراض "الفيتو" على قرارات هذه الحكومة أثناء فترة الانتقال.
ثانياً- وفي ذات الوقت يبدأ المندوب السامي بمساعدة الحكومة المؤقتة في تحضير سجل انتخابي أساسه الانتخاب على درجة واحدة للذكور البالغين وبمجرد الانتهاء من تجهيز هذا السجل تبدأ الحكومة بانتخاب أعضاء جمعية تأسيسية بموجب قانون انتخاب تصدره الحكومة وتؤلف هذه الجمعية التأسيسية من 60 عضواً ويتحتم أن ينص قانون الانتخاب على ضرورة تمثيل واف في هذه الجمعية للعناصر الرئيسية من المواطنين بنسبة تعدادها كما هو مبين بالفقرة الرابعة (6 أ) أدناه.
ثالثاً- تعد الحكومة المؤقتة وتعرض على الجمعية التأسيسية مشروع دستور لفلسطين وفي حالة عدم تمكن الجمعية التأسيسية من التوصل إلى إقرار أحكام هذا الدستور أثناء ستة شهور من تاريخ اجتماعها تعيد الحكومة المؤقتة النظر على ضوء مداولات الجمعية وتعدله إذا اقتضى الأمر ثم تصدره.
رابعاً- ترتبط الحكومة المؤقتة عند إعداد مشروع الدستور أو إصداره وكذلك الجمعية التأسيسية عند مناقشته والتصويت عليه بالإرشادات التي يقدمها المندوب السامي وفيما عدا هذه الإرشادات الملزمة لا يخضع القانون الدستوري كما تقرره الجمعية التأسيسية لحق الاعتراض الذي يمارسه المندوب السامي وتقضي هذه الإرشادات بأن ينص في صلب الدستور على المبادئ الآتية:
- تكون فلسطين دولة موحدة.
- وتكون ذات دستور ديمقراطي ومجلس نيابي منتخب.
- ينص الدستور على ضمانات لقداسة الأماكن المقدسة تتناول حرمتها والمحافظة عليها وحرية زيارتها وحرية العبادة طبقاً للحالة الراهنة.
- يتضمن الدستور في حدود الضمانات المناسبة حرية ممارسة العبادات طبقاً للحالة الراهنة في فلسطين (بما في ذلك إقامة محاكم دينية مستقلة لقضاء الأحوال الشخصية).
- ينص قانون التجنس – ضمن الشروط التي يجب على الطالب استيفاؤها أن يكون قد أقام في فلسطين إقامة شرعية متصلة لمدة عشر سنوات سابقة