'وثيقة إكس': 4.4 ملايين لاجئ للبيع على مدى عشر سنوات

عمان - فراس برس - إنهم يبيعون حق العودة باسم «حلّ الدولتين»، والتعويض عن «الممتلكات المهملة»، وإعادة التوطين. الصفقة تعمل لها مجموعة إسرائيلية ـ فلسطينية أعدّت وثيقة تقترح أن يكون بإمكان اللاجئين الاختيار بين بدائل عدة، أحدها ـ بل أوّلها ـ التعويض المالي من خلال «حلّ اقتصادي» يمتد على مدى عشرة أعوام. ماذا أيضاً في الوثيقة؟
الوثيقة التي نعرض مضمونها تحمل اسم «وثيقة إكس»، ومهمّتها إلغاء حق العودة في مفاوضات ما بعد آنابوليس الذي شارك في إعدادها، ممثّلاً منظمة التحرير، صائب بامية المستشار الاقتصادي للاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، وهو، منذ اتفاق أوسلو، يشارك بفاعلية في كل النشاطات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية .
صائب هذا ورث عن والده منزلاً فخماً على شاطئ البحر في يافا (حيّ العجمي) يوم كان عمره أقلّ من عام. حصل ذلك في العام 1948 عندما أغلق والده المنزل الذي يملكه، كما أغلق مكاتب شركة الحافلات التي كان يشغلها ورحل عن مدينته. اليوم، بعد سنوات طويلة من الحلّ والترحال، تنقّل خلالها بين بيروت وصنعاء وتونس ودبي وعمان، عاد الى رام الله واصطحب أولاده الى يافا كي يتعرّفوا الى منزل جدّهم، لكن رؤيته للحلّ النهائي بعيدة عن حق العودة، وهو مستعدّ للتخلّي عن إرث والده مقابل تعويض مادي .
قبل انعقاد مؤتمر آنابوليس، قصد صائب مقرّ وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب، بعد أن علق لبعض الوقت عند حاجز قلنديا شمال القدس، ليجتمع الى البروفسور آريه أرنون في مكتب لواء الاحتياط عاموس جلعاد، حيث عرض أمام ممثّل وزير الدفاع في طاقم مفاوضات آنابوليس كرّاساً ضخماً يضم مقترحات لحلول سياسية واقتصادية للمشكلتين الرئيسيتين في المفاوضات: مشكلة اللاجئين ومشكلة القدس .
أهمية هذه الوثيقة، التي تسرّب مضمونها قبل أيام من انعقاد مؤتمر آنابوليس، أنها سوف تشكّل الطبق الأساسي للمفاوضات التفصيلية التي سوف تبدأ في 12 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، عندما يجلس الفلسطينيون والإسرائيليون في قاعة مقفلة، ويناقشون البدائل الممكنة للتعويض عن لاجئي 1948، بعدما تخلّوا عن مبدأ العودة أو لا حلّ، وكثيرون يميلون الى الاعتقاد بأن الحلّ بات جاهزاً، بموافقة ضمنيّة فلسطينية، بعد خمسة أعوام من البحث المتواصل في إطار «حلّ الدولتين ».
كيف وُلدت «وثيقة إكس»؟
المعلومات التي نشرت في إسرائيل تقول إن مجموعة عمل تشكّلت في العام 2002 بمبادرة من البروفسور زيلبر نبحيون، وهو يهودي فرنسي من مواليد المغرب، وقد حصلت على تمويل من الاتحاد الأوروبي وبنك هلؤومي وجهات يهودية تقيم في جنوب فرنسا، خصوصاً في مدينة مرسيليا، وبدأت مشاوراتها بالتنسيق مع «مركز بيريز للسلام» ومعهد الأبحاث «داتا» في بيت لحم، وجامعة بول سيزان في مرسيليا التي أمّنت مقرّ إقامة للمجموعة. ومنذ بدأت اجتماعاتها، شاركت في اللقاءات جهات حكومية مراقبة ومكاتب فلسطينية وإسرائيلية رسمية .
المناقشات انطلقت من التسليم بأن إسرائيل والفلسطينيين أخطأوا عندما اعتمدوا منذ توقيع أوسلو 1993 قاعدة تدريجية للتفاوض من دون التوصّل الى نتائج نهائية، وانطلاقاً من هذا التسليم حاول المجتمعون وضع إطار نهائي للحلّ وبلورة القواسم المشتركة الممكنة ومناقشة سبل تطبيقها .
في هذه المحاولة اعتمدت إحصاءات الأونروا (وكالة الأمم المتحدة) للعام 2006 التي تقول بأن عدد اللاجئين الفلسطينيين يبلغ 4.4 ملايين بينهم 3.1 ملايين في مخيمات لبنان وسورية والأردن والضفة وغزّة، و1.7 مليون في أراضي السلطة منهم 550 ألفاً داخل المخيمات .
'وثيقة إكس' (على اسم مدينة إكس أن بروفانس الفرنسية) تقول إن الحلّ الطويل المدى والعادل لمشكلة لاجئي 1948 يفترض أن يستند الى قرارات الأمم المتحدة بما فيها القرار 194، وهذا القرار الصادر في شهر كانون الأول 1948 (أي منذ 59 سنة) يتيح لجميع اللاجئين الخيار، في إطار شروط معيّنة، ما بين العودة الى منزل الآباء والجدود أو الحصول على تعويض مالي. ومن أجل إزالة هذا العائق، فقد أحاطت الوثيقة القرار 194 بإضافة تقول «في ظل الوعي بأن تطبيق صيغة هذا القرار غير ممكنة بسبب التغيّرات في الأراضي، يمكن اعتماد البدائل التي تقرّ بحق العودة وتقترح تعويضات ملائمة ».
والحلّ الذي تقترحه الوثيقة يتطرّق الى المطالب الخاصة والاعتبارات الجماعية ويقترح التسوية بينها. فمن جهة يستطيع اللاجئون اختيار أماكن سكنهم الدائم، ومن جهة أخرى يستطيعون الحصول على تعويضات عن «أملاكهم المهملة» في دول اللجوء، بما فيها فلسطين وإسرائيل .
نقرأ أيضاً في الوثيقة: من خلال الوهلة الأولى، يبدو المعيار الاقتصادي لتطبيق حلّ مشترك لمشكلة اللاجئين أمراً خيالياً، لكن إذا ما قارنّاه بالبديل، وأخذنا بعين الاعتبار أنه سيتوزّع على عشرة أعوام، وسيتلقّى دعماً عبر مساعدة دوليّة سخيّة، فإن المهمّة معقولة وتقدّر ما بين 55 ـ 85 مليار دولار حسب ما ذكرته المجموعة. ومن دون حلّ يضع حدّاً لمعاناة اللاجئين ولمكانتهم الخاصة، لن تكون هناك نهاية للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني الذي يؤثّر في استقرار المنطقة بأكملها، فعلى سبيل المثال حسب «بنك إسرائيل»، فإن الانتفاضة الأولى ألحقت ضرراً بالاقتصاد الإسرائيلي يصل الى أربعة مليارات دولار في كل عام من أعوامها الأولى، والحرب في العراق تكلّف دافع الضرائب الأميركي ما يزيد على 20 مليار دولار شهرياً. وفي إطار ما يلائم النهج الذي طرحه الرئيس كلينتون على الأطراف في العام 2000، وحسب استطلاع تمّ إجراؤه وسط اللاجئين، يقترح أعضاء المجموعة أن يتمكّن اللاجئون من الاختيار بين بدائل عدة: نقل مسكنهم الى أماكن جديدة، القيام بإصلاحات في مواقع سكنهم الحالي، تعويض في المال أو الممتلكات، أو الانتقال الى الأراضي التي سيتم نقلها لفلسطينيين في إطار تبادل أراض مع إسرائيل .
وحسب «وثيقة إكس»، فإن كل لاجئ يستطيع الاختيار بين البدائل، وسيتمّ الاتفاق على هامش زمني لإنهاء ذلك تحت مراقبة وكالة دولية ستتمّ إقامتها لهذه الغاية. وستكون الوكالة الدولية مسؤولة عن خيارات اللاجئين، وعن الاتفاق بين الدولتين الذي سيحدّد قيوداً على الانتقال من مكان الى آخر بصورة منسّقة. وحسب ما ذكرته المجموعة، فإن حق العودة الى الوطن، حتى ولو كان هذا في إطار محدّد، خصوصاً بملازمة خطوات أخرى مثل «الاستيعاب» في أماكن جديدة والاصلاح أو التعويض، هو أمر حيوي للتوصّل الى التسوية الدائمة .
ومن أجل تطبيق الخطّة الجديدة لإعادة التوطين مجدّداً، ستحتاج وكالة اللاجئين الى 8 ـ 19 مليار دولار خلال عقد من الزمن، بما يتلاءم مع عدد اللاجئين الذين سيختارون التعويض. ومن أجل تطبيق خطّة الاصلاح لأولئك الذين سيبقون في أماكن سكنهم الحالية، ستحتاج الوكالة الى 10 ـ 14 مليار دولار، هذا أيضاً يتلاءم مع عدد اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات لاجئين والذين سيحسمون خياراتهم. وفي ما يتعلّق بالتعويض عن «الممتلكات المهملة» التي أبقاها اللاجئون في إسرائيل للسلطة الفلسطينية، فإن لدى إسرائيل والأمم المتحدة معلومات مفصّلة عنها، فكل دونم في يافا وكل منزل في حيفا مسجّل بوثائق رسمية. والمشكلة ستكون كما هو معلوم في تقدير هذه الممتلكات، لذا يقترح القائمون على الوثيقة بأن تنظر لجنة دولية في هذا وتصادق على مطالبات الملكيات المتوقّعة. وحسب معيار اقتصاديي المجموعة، فإن المبلغ العام سيراوح ما بين 15 ـ 30 مليار دولار .
تضيف الوثيقة: إن مسألة إعادة ملكية ما، ستدرس في حالات عدم اقتراح «تعويض منطقي»، وفي حال وجود الملكية بشكل يمكن أن يجعل إعادتها منطقياً. وبالاضافة الى ذلك، فإن المجموعة توصي بإقامة صندوق رابع، إذ أنها ستحتاج الى 22 مليار دولار تقريباً لضرورة التعويض على الوضع السياسي من دون علاقة بمطالبات ملكية أو أي خطط أخرى، وأن أي لاجئ مسجّل سيحصل على مبلغ 5 آلاف دولار للفرد، وهو مبلغ مضاعف للدخل السنوي لعائلات اللاجئين التي تتألّف من ستة أو سبعة أفراد .
ويقول البروفسور أرنون «إن المعيار الاقتصادي ليس معياراً ثانوياً، فإن لم توفّر التسويات الاقتصادية الظروف الملائمة للتطوّر الحقيقي، فإن الاتفاقيات السياسية ستفشل أيضاً. إن عمل المجموعة يبرهن على أن الحلول المناسبة قائمة وموجودة ولكنها صعبة على كلا الطرفين، لكن يمكن تطبيقها. وحسب ما يراه بامية، فإن الوقت لحلّ دولتين يضيع ويتناقص «إذا لم يتمّ تبنّي أفكار مثل أفكارنا في الوقت القريب العاجل، فسيضطر الطرفان للتفكير في حلّ سياسي بديل في حال عدم اتخاذهما خطوات جريئة، إذ إن رؤية دولة واحدة لشعبين ستطرح على جدول الأعمال ».
وماذا عن القدس؟
تعرض الوثيقة ثلاثة سيناريوات محتملة لتسوية في القدس: تقسيم المدينة، بحيث تكون فيها الحدود السياسية حدوداً مادية أيضاً، أو مدينة مفتوحة تكون بين أجزائها حركة تنقّل حرّة للأشخاص والبضائع، أو تكون مدينة نصف مفتوحة حيث تكون المنطقة المفتوحة مثل البلدة القديمة، صغيرة أكثر .
وحول وضع الحدود في القدس هناك مقترحات عدة: حدود سياسية على طول امتداد حدود 1967 مع تعديلات بسيطة، وإخلاء جميع الأحياء اليهودية شرقي المدينة، ما عدا الحيّ اليهودي في البلدة القديمة، أو حدود تعكس القسم الجغرافي بين اليهود والعرب على غرار «معادلة كلينتون»، أو الدمج بين البدائل الأولى بصورة تبقي عدداً من الأحياء اليهودية شرق القدس تحت سيادة إسرائيل. وحسب الوثيقة ستقام منطقة تجارة حرّة، وهو الأمر الذي سيكون من السهولة تطبيقه في مدينة مفتوحة، وفي المنطقة التجارية سيتمّ تحديد ضرائب خاصة على البضائع من دول العالم الثالث. وهذه الاتفاقية التجارية من هذا النوع، من الممكن أن تكون ذات تكاليف باهظة للطرفين بسبب عمليات التهريب وخسارة المداخيل، لذا هناك شك كبير في الجدوى الخاصة بالبديل للمدينة المفتوحة .
أما الخدمات والبنى التحتية المشتركة بين دولتين، فمن الممكن أن تؤدّي الى عدم المساواة في منح الخدمات لأسباب سياسية. لذا فإن القائمين على الوثيقة يوصون بعد أن تكون هناك فترة انتقالية بتقسيم الخدمات بين قسمي المدينة، ويوصون كذلك بأن يواصل الفلسطينيون في شرق القدس، الذين يحصلون على مخصّصات ربح بسبب مكانة المواطنة الإسرائيلية التي في حوزتهم، ذلك كي يقوموا بإعادة جدولة المبالغ المالية الخاصة بهم للضمان القومي الفلسطيني .
يبقى سؤال: أين موقع حق العودة في الخطاب الرسمي الفلسطيني وفي اتفاقات أوسلو بصورة خاصة؟
بمصادقة المجلس المركزي الفلسطيني في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1993 على اتفاقية «أوسلو 1» في دورته المنعقدة في 22 نيسان (أبريل) 1996، يمكن القول إن منظمة التحرير تخلّت ضمناً عن حق العودة، إذ لم يرد في أوسلو أي نصّ مباشر أو غير مباشر يتضمّن هذا التعبير (حق العودة). وما يتجاهله الكثيرون هو أن مؤتمر مدريد الذي انعقد في العام 1991، لم يأت بدوره على هذا الحق، عندما أشار الى أن مرجعيات السلام هي القراران 242 و338 الصادران عن مجلس الأمن، وأغفل القرار 194، وقد جاء بعده اتفاق أوسلو يهبط بمشكلة اللاجئين عن مضمون القرار 242، ويرحّل المشكلة الى مفاوضات التسوية النهائية التي يفترض أن تغطي مسائل المستوطنات والترتيبات الأمنيّة والحدود والعلاقات والتعاون مع الجيران .
وخلاصة القول إن قضية اللاجئين، منذ مؤتمر مدريد، مروراً بأوسلو، وصولاً الى آنابوليس، كانت ولا تزال غارقة في الضبابية، وقد جاءت «وثيقة إكس» تحسم الجدل وتترجم «حق العودة» الى أرقام لتكرّس الاجحاف والغبن التاريخي بلغة المركّبات الاقتصادية. وقد عكست مسيرة المفاوضات السياسية الطويلة في أهم محطّاتها، أن ميزان القوى على الأرض هو العامل الأول والرئيسي في مجمل العملية التسووية وفصولها المتعاقبة، وأن كل الاقتراحات الإسرائيلية والأميركية بشأن قضية اللاجئين اقتراحات توطينية. ومجموعات العمل الدولية الخاصة باللاجئين، وأبرزها «مجموعة بيرون» التي قدّمت «وثيقة رؤية» باسم الحكومة الكندية، تؤكّد «أن على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي التخلّي من دون مواربة عن المحرّمات كي يستطيع اللاجئون أن يشكّلوا خيارهم الحرّ«، بدءا بتوطين مئات الآلاف في دول اللجوء. والوثيقة تدعو الى بناء شرق أوسط جديد من دون لاجئين، ومنح الهويّة لمن يريدها، وإحلال التنمية مكان الفقر، والضواحي مكان المخيّمات، والتطبيع مكان عدم الاستقرار .
وفي مفاوضات «كامب ديفيد» (2000) بين كلينتون وعرفات وباراك، وافق باراك على إقامة دولة فلسطينية على قرابة 90 بالمئة من الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967، لكنه رفض الاعتراف بحق العودة للاجئين وحدّد مسؤولية إسرائيل في حل قضية اللاجئين في إطار صندوق دولي. وعندما تمسّك عرفات بموقفه ورفض الخوض في المبالغ المطلوبة لتعويض اللاجئين، قبل باراك بإعطاء اللاجئين في لبنان الأولوية في العودة، وشرح وضعهم الصعب في المخيّمات اللبنانية، وعندما استفسر كلينتون عن عددهم وسمع رقم 380 ألفاً، قال إنه يمكن تنظيم عودتهم في خلال عشر سنوات... ولم يعلّق «أبو عمار»، واعتبر صمت باراك موافقة على الاقتراح الأميركي .