من لاجئين إلى مواطنين – الحلقة الثانية
تشريد السكان الفلسطينين من فلسطين بدأ مع بداية موجة الهجرة اليهودية الأولى
التهجير والمناورات ذات العلاقة
إن تشريد اليهود للسكان الفلسطينيين لم يبدأ في عام 1967, ولا حتى في عام 1948, فقد توجهت أول موجة هجرة يهودية ( آليا ) إلى فلسطين في عام 1880, ولم يكن يزيد عدد السكان اليهود في فلسطين حينها على (000 , 24) نسمة, بينما كان عدد السكان العرب آنذاك (000 , 47) نسمة, وبحلول عام 1914, وصل عدد السكان اليهود في فلسطين إلى (000 , 90) نسمة, بينما وصل عدد السكان العرب إلى (000 , 500) نسمة. وفي الفترة الواقعة بين بداية الحرب العالمية الأولى ونهاية الحرب العالمية الثانية, فإن الهجرة اليهودية إلى فلسطين الشرعية منها وغير الشرعية تسارعت بشكل هائل. وفي الوقت الذي حدثت فيه هجرة عربية إلى فلسطين فإن الهجرة كانت ذات طبيعة موسمية ولم تكن بقصد الإقامة الدائمة. ولذلك فبالرغم من أن عدد السكان العرب تضاعف في السنوات الواقعة بين 1918و 1945, فقد انخفضت نسبة الفرق بين السكان العرب واليهود من عشرة أضعاف إلى ضعفين فقط.
وفي عام 1948أصبح عدد اليهود المقيمين في فلسطين يساوي عدد السكان العرب في عام 1922, بينما كان عدد السكان العرب في عام 1948 يساوي حوالي ضعف عدد السكان اليهود في عام 1922.
وقد ولد هذا التحول الأساسي آثاراً سياسية ونفسية ضاغطة لكلا الطرفين, منها أن اليهود بدأوا يفتشون عن طريق لتهجير الفلسطينيين منم الأراضي المنوي إقامة الدولة اليهودية عليها وقد قدم أكثر من (60) اقتراحاً لهذا العرض في الفترة الواقعة قبل عام 1948 وحدها.
لم يكن الزعماء الصهيونيون الأوائل في إدراك كامل بالشعور القومي المتنامي لدى السكان العرب وردة فعلهم على الهجرة اليهودية في فلسطين. فقد كان ثيودور هيرتزل يعتقد أن فلسطين هي " أرض خالية " ولم يقدر هو وغيره من الزعماء الصهيونيين تقديراً صحيحاً التطلعات القومية التي كان العرب يسعون إلى تحقيقها. فبعد اختيار فلسطين كموقع للدولة اليهودية, كتب ثيودور هيرتزل في مذكراته يقول إنه بعد احتلال الأرض- سندفع بالسكان العرب عبر الحدود ولن نسمح لهم بالعودة أو العمل في بلدنا. وكانت خطته لشراء الأراضي العربية في فلسطين تقضي بدفع أسعار عالية جداً إلى الحد الذي لا يمكن للفلسطينيين من إعادة شرائها, وفي الوقت نفسه, توفير مساكن وأراضي ووسائل نقل لأصحاب الممتلكات خارج فلسطين.
وكان هناك زعماء صهيونيون آخرون يحملون أفكاراً أخرى, فقد دعا الزعيم الصهيوني آحاد عاهام, الذي ارتبط اسمه بالصهيونية الثقافية إلى الاعتراف بالقومية العربية, بينما كان الزعيم الصهيوني التحريفي فلاديمير جاوبوتنسكي يقول أنه لا يوجد أي وزن سياسي للعرب وأن التفاهم معهم أمرا غير ممكن وغير مستحب. وكان مناحيم أوسيشيكين, رئيس الصندوق القومي اليهودي, ينادي بتهجير الفلسطينيين إلى العراق أو إلى أي بلد عربي آخر وأن لا يبقوا في الدولة اليهودية. أما ديفيد بن غوريون, زعيم حزب العمل الاشتراكي والذي أصبح رئيساً للوزراء فيما بعد, فقد اقترح في عام 1936 توطين المزارعين الفلسطينيين, الذين تم تشريدهم بسبب مشتريات الأراضي اليهودية, في شرق الأردن على نفقة اليهود.
واقترح فيما بعد توطينهم في سوريا. ولكنه كان يقصد في كلا الحالتين على ما يبدو التوطين الطوعي أو الاختياري. وفي حقيقة الأمر اعترف في سياق آخر بحق الفلسطينيين في تقرير المصير مع إنه رفض رفضاً قاطعاً فيما بعد الاقتراحات الداعية إلى عودة اللاجئين أو تعويضهم. فقد قال بن غوريون في عام 1931: " يجب أن يكون للعرب في فلسطين حق تقرير المصير. وهذا الحق ليس حقاً محدوداً ولا تمليه مصالحنا. إن تحقيق تطلعات العرب الفلسطينيين قد يسبب لنا صعوبات جدية غير أن ذلك ليس سبباً لإنكار حقوقهم ".
اقتراح بإعادة توطين الفلسطينين
وفي 11 تشرين الأول 1961, قال بن غوريون بصفته رئيساً لوزراء دولة إسرائيل: " إن إسرائيل ترفض رفضاً قاطعاً الاقتراح الهادم الداعي لمنح اللاجئين حرية الاختيار, وذلك لأنها مقتنعة أن هذا الاقتراح يستهدف تدمير دولة إسرائيل, إن هناك اقتراحاً واحداً فقط عملياً وعادلاً لمشكلة اللاجئين, وهو إعادة توطينهم في البلدان العربية حيث الأرض الجيدة والماء الوفير وحيث تحتاج هذه البلدان إلى المزيد من القوى العاملة ".
ولم يكن اليهود وحدهم هم الذين يفكرون في إعادة توطين العرب الفلسطينيين في بلدان عربية أخرى. ففي عام 1939, أعلن الرئيس الأمريكي فراكلين روزفلت عن خطة لترحيل مئات الآلاف من الفلسطينيين وتوطينهم في العراق على أن يمول هذه العملية صندوق يأتي ثلث أمواله من اليهود, والثلث الثاني من الحكومة البريطانية والثلث الأخير من الحكومة الأمريكية. وفي الأربعينات أصبحت آراء الرئيس رزوفلت أكثر تطرفاً, إذ أنه أوصى بوضع سياج من الأسلاك الشائكة حول فلسطين, بحيث تكون تلك الأراضي أراضي يهودية صرفة, ولا يسمح لأي عربي بالدخول إليها.
توصيات لجنة بيل
غير أن أشهر اقتراح في ذلك الوقت كان الاقتراح الذي قدمته ( لجنة بيل ) التي عينتها الحكومة البريطانية للتحقيق في أسباب الاضطرابات التي وقعت بعد الثورة العربية في عام 1936. وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة مناطق: دولة يهودية تبدأ من الحدود مع لبنان ثم نزولاً إلى صحراء النقب, ودولة عربية تشمل ما تبقى من فلسطين غربي نهر الأردن بما في ذلك شرقي الأردن, ومنطقة داخلية مغلقة تحت الحكم البريطاني تشمل الثلاث مدن المقدسة بالنسبة للمسيحيين, وهي القدس وبيت لحم والناصرة.
وحيث أنه كان يقيم حوالي (000 , 250) فلسطيني ضمن حدود الدولة اليهودية المقترحة وحوالي (500 , 1) يهودي ضمن حدود الدولة العربية المقترحة, فقد اقترحت اللجنة " تبادل الأراضي, وحيثما أمكن, تبادل السكان " وبالرغم من أن تقرير اللجنة كان يكتنفه بعض الغموض, إلا أن تهجير الفلسطينيين من منطقة الجليل كان سيتم على أساس اختياري, بينما تهجير الفلسطينيين المقيمين في حدود الدولة اليهودية المزمع إقامتها وكذلك تهجير اليهود المقيمين في الدولة العربية كان سيتم على أساس إجباري.
ردود الفعل
وقد تفاوتت ردود الفعل على توصيات اللجنة وكان ديفيد بن غوريون وجولدا مائير من مؤيدي بفكرة ضمان الحد الأقصى من الأمن والأوضاع المعيشية الملائمة لمهجرين. ورحبت غولدا مائير بفكرة التهجير الاختياري وضمان الحقوق المتساوية للفلسطينيين الذين يبقون في الدولة اليهودية.
أما الكاتب الإسرائيلي جوزيف شيمستان, فقد سمى توصيات اللجنة " تهجيراً للعرب من جانب واحد " بينما أسماه الكولونيل حوزيا وجودو, أحد أعضاء البرلمان البريطاني " عملية تهجير تستهدف " القذف " بالفلسطينيين إلى أماكن بعيدة عن أراضي أجدادهم. ومع حلول شهر كانون الأول عام 1937, لم يعد لتصويات اللجنة أي أثر يذكر وذلك لأن الحكومة البريطانية أصدت " الورقة البيضاء " والتي جملة من أشياء أخرى, رفضت خطة التهجير.
وفي وقت لاحق, طالبت الأحزاب السياسية الإسرائيلية اليمينية, مثل حزب ( كاخ ) الذي كان يترأسه مائير كاهانا, وحزب موليديت ( الوطن ) بتهجير جميع الفلسطينيين من الأراضي المحتلة إلى الدول العربية الأخرى. وبالرغم من أن حزب كاهانا طرد في النهاية من الكنيست, إلا أن زعيم حزب موليديت, الجنرال ريهافيم زئيفي, خدم في حكومة اسحق شامير في عام 1991.
ومن الجدير بالذكر أن المقاومة العربية لهجرة اليهود إلى فلسطين في الأعوام 1920,و 1921, و 1929, و 1936 قد ساعدت في الحد من الهجرة اليهودية, كما أن البيانات الصادرة عن منظمة التحرير الفلسطينية منذ الستينات وحتى اعتراف المنظمة الضمني بإسرائيل في عام 1988, والتي كانت دائماً تشير إلى " تحرير " فلسطين, كانت بمثابة تذكير لليهود أنهم هم أيضاً مستهدفون بالتهجير, كما أن الميثاق الوطني الفلسطيني حتى تعديله في 24 نيسان 1996 كان ينص على أن " الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين, وإن العمل الفدائي يشكل نواة الحرب الشعبية لتحرير فلسطين " وبموجب نفس الميثاق, فلن يبقى في فلسطين " المحررة " من اليهود إلا الأربعة وعشرون ألف نسمة اتلذين كانوا يقيمون في فلسطين في الثمانينات من القرن التاسع عشر عندما بدأ الغزو الصهيوني لفلسطين, ولكنهم سيعتبرون " فلسطينيين " وليس "يهوداً ".
وهناك زعماء عرب مثل الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي دعا في خطاب له في حلوان بتاريخ 11 تشرين الثاني 1965 إلى القضاء على دولة إسرائيل, حيث قال: " إن هدفنا هو استعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني, وبالتحديد تدمير إسرائيل " وقبل ذلك كان وزير الخارجية المصري محمد صلاح الدين قد قال في 11 تشرين الأول 1949 في تصريح له: " إننا ندعو إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم كأسياد وليس كعبيد, ونفى بوضوح أن
الهدف يجب أن يكون إزالة دولة إسرائيل " إن مثل هذه التصريحات التي كان يرافقها في العادة أعمال إرهابية لا يمكن أن تعني إلا شيء واحداً, وهو تدمير دولة إسرائيل. ولا تزال الفئات الفلسطينية الأصولية مثل " حماس " و " منظمة الجهاد الإسلامي " تستعمل هذه اللغة حتى اليوم وتتصرف على هذا الأساس.
إن الاستعراض المتوازن لقضية تهجير السكان يجب أن يتطرق أيضاً إلى مقاومة الفلسطينيين والعرب لمحاولات إعادة التوطين, وباستثناء الأردن لم تمنح أي دولة عربية أخرى الجنسية إلى اللاجئين الفلسطينيين أو قدمت لهم أي مساعدات مادية مهمة.
وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت الدول العربية تفترض أن أي تسوية لقضية اللاجئين يجب أن لا تنطوي على إعادة توطينهم في الدول العربية على نطاق واسع, بل على عودتهم إلى وطنهم, وبالتالي الإبقاء على الضغط على إسرائيل, وتقول ( مالفينا هالبرستام ) في كتابها: " الأمم المتحدة تصنع السلام: لجنة المصالحة من أجل فلسطين " الذي نشرته صحافة جامعة جون هوبكنز في عام 1972 " بالرغم من أن هناك إحدى وعشرين دولة عربية تمتلك مساحة من الأرض تزيد على خمسة ملايين ميل مربع, اللاجئين الفلسطينيين أو السماح لهم في الذوبان في بوتقة السكان المحليين. وفي الوقت نفسه, فإن إسرائيل التي تمتلك مساحة من الأرض لا تزيد على عشرة ألاف ميل مربع, استطاعت أن تستوعب (3 , 1) مليون لاجئ يهودي (000 , 600 لاجئ يهودي من أوربا و 000 , 700 لاجئ يهودي من الدول العربية ) بالإضافة إلى 000 , 500 لاجئ من الاتحاد السوفياتي سابقاً. إن إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية كانت ستحل مشكلة اللاجئين وتفيد العراق وسوريا اللتين هم بحاجة إلى المزيد من السكان ".
والأهم من ذلك كله أن طبيعة المنفى والمخيم الذي عاش فيه اللاجئ ساهمت في تعزيز شعوره بالهوية الفلسطينية وبالحنين إلى العودة إلى أرض الوطن. وعندما يسأل اللاجئ من أي بلد هو, كان يعطي اسم بلدته الأصلية في فلسطين سواء أكانت هذه البلدة باقية أم أنها أيلت من الوجود.
الرد الدولي
بالرغم من أن بعض الزعماء الصهيونيين والبريطانيين وحتى الأمريكيين كانوا يفكرون بمصير السكان العرب الفلسطينيين بمدة طويلة قبل قيام دولة إسرائيل, إلا أن المجتمع الدولي ككل لم يبدأ في التركيز على الفلسطينيين كوحدة سكانية حتى منتصف عام 1948.
فقد قام الكونت فولك برنادوت السويدي الجنسية بصفته الوسيط الدولي بخصوص فلسطين ورالف بانش الأمريكي الجنسية ممثلاً للجنة الهدنة التابعة للأمم المتحدة بقضاء صيف عام 1948 وهما يبحثان عن الطرق الكفيلة بحل الصراع العربي الإسرائيلي حلاً سلمياً بعد أن نشبت الحرب بين العرب واليهود مباشرة بعد إعلان إسرائيل استقلالها في 14 أيار 1948.
مبادئ برنادوت
وقد أرسل الكونت برنادوت بتقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 16 أيلول 1948 قبل يوم واحد من اغتياله من قبل عصابات شتيرن, وهي إحدى المجموعات الإرهابية التي كانت تعمل في فلسطين, وقد حدد الكونت برنادوت سبعة مبادئ لحل المشكلة الفلسطيني ومنها حق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين. أما الخمسة المبادئ الباقية فهي العودة إلى وضع السلام, والاعتراف بالدولة اليهودية ورسم الحدود, وتحديد حدود دائمة, والاتفاق على وضع القدس. وقد أكد الكونت برنادوت في تقريره حق الأبرياء الذين انتزعوا من أرضهم بسبب حالة الحرب القائمة في العودة إلى وطنهم مع إعطاء التعويض الملائم عن أملاك الذين يختارون عدم العودة.
وأضاف في تقريره أنه يجب ضمان واحترام الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعرب في الأراضي اليهودية وكذلك ضمان واحترام الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لليهود في الأراضي العربية, وقد أجاب المسؤولون الإسرائيليون على مقترحات الكونت برنادوت بقولهم إن عودة ما لا يقل عن (000 , 300) لاجئ فلسطيني خلال فترة الهدنة إلى دولة إسرائيل التي ما تزال تحاصرها الجيوش العربية ستؤدي إلى زعزعة موقف إسرائيل بشكل جدي.
وبالنسبة إلى مشكلة أمن إسرائيل, فقد اقترح الكونت برنادوت حلاً مؤقتاً يستثني عودة الرجال الفلسطينيين الذين هم في سن الجندية.
وقد اقترح الكونت برنادوت أيضاً أن تشرف الأمم المتحدة على عملية عودة اللاجئين وإعادة توطينهم وتأهيلهم وتعويضهم. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد ذلك بثلاثة أشهر قراراها رقم (194) والذي يتضمن البند الحادي عشر منه تعديلاً على الكلمات التي صاغها الكونت برنادوت بخصوص العودة والتعويض حيث يقول البند الحادي عشر من القرار: " يجب أن يسمح للاجئين الراغبين في العودة إلى منازلهم وفي العيش بسلام مع جيرانهم أن يعودوا في أقرب وقت ممكن, وأن تدفع التعويضات عن
وقامت الجمعية العامة بتشكيل " لجنة المصالحة بخصوص فلسطين " من مندوبي فرنسا وتركيا والولايات المتحدة, على أن تقوم اللجنة بتقديم التوصيات الخاصة بالتسوية النهائية للصراع العربي- الإسرائيلي من جميع جوانبها, وأن تشرف من جملة المهمات الأخرى, على " تسهيل عودة اللاجئين وإعادة توطينهم وكذلك تأهيلهم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ودفع التعويضات لهم ".
لجنة المصالحة
وكانت كل من إسرائيل والدول العربية تتصرفان بحذر باتجاه لجنة المصالحة و تشكان في النوايا الضمنية لأعضائها, وعلى سبيل المثال, ففي الفترة التي تعاملت فيها الولايات المتحدة مع المسألة الفلسطينية كان اهتمامها الأساسي منصباً على احتواء النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط. أما القضايا المحددة التي كانت تبرز من المسألة الفلسطينية كقضية الحدود وقضية اللاجئين, فقد كانت الولايات المتحدة تتعامل معها كأولوية من الدرجة الثانية. ويقول فورسيذي في كتابه: " الأمم المتحدة تضع السلام " إن " الدول العربية لم تكن راضية عن وجود دولتين غربيتين كعضوين في لجنة المصالحة, بينما لم يكن هناك سوى دولة مسلمة غير عربية واحدة فيها, غير أن إسرائيل لم تكن راضية عن دعم الدول الثلاث الأعضاء في اللجنة لتدويل القدس ".
وخلال عمل لجنة المصالحة الذي دام (18) عاماً من 1948-1966, فشلت اللجنة في تحقيق موافقة الأطراف المعنية على مقترحاتها, وبالتالي لم تستطع الأطراف المعنية الوصول إلى مستويات مقبولة, وبالرغم من أنها كانت على وشك تحقيق حل عملي لمشكلة اللاجئين خلال مؤتمر عقدته في ( لوزان ) في عام 1949. فقد اقترحت اللجنة على إسرائيل السماح بعودة ما بين (000 , 200) إلى (000 , 300) لاجئ إلى منازلهم, وحثت الولايات المتحدة إسرائيل بقوة على قبول الاقتراح. وبعد سلسلة من المفاوضات, وافقت إسرائيل في شهر آب من ذاك العام على عودة (000 , 100)لاجئ فقط على أساس حالات " جمع الشمل " الأسر, على أن لا يشكلوا خطراً على أمن إسرائيل, وعلى أن لا يعودوا للعيش في قراهم ومدنهم الأصلية, بل في الأماكن التي تحددها إسرائيل لهم, وذلك لأسباب أمنية.
غير أن اقتراح عودة مئة ألف لاجئ قوبل بالمعارضة الشديدة من قبل الدوائر الإسرائيلية السياسية والشعبية. كما أن المجتمع الدولي لم يكن متحمساً لهم كثيراً. وبالإضافة إلى ذلك فقد رفضته الوفود العربية في الأمم المتحدة " كمشروع دعائي إسرائيلي ". وفي النهاية, سحبت إسرائيل عرضها بقبول هذا العدد من اللاجئين.
وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل قد تقدمت بمشروع عودة المئة ألف لاجئ فلسطيني أصدرت مذكرة رسمية تنفي فيها مسؤوليتها تجاه مشكلة اللاجئين, إذ تقول المذكرة التي صدرت في شهر آذار عام 1949: " إن إسرائيل ليست مسؤولة عن خلق مشكلة اللاجئين. كما أن تقديرات إسرائيل لعدد اللاجئين تقل كثيراً عن تقديرات الدول العربية والأمم المتحدة, غير أن الحكومة الإسرائيلية في سياق الحديث عن محادثات سلام شاملة, ستأخذ بعين الاعتبار عما إذا كانت الأوضاع مستقرة بما فيه الكفاية لتسمح بعودة عدد محدود من اللاجئين بدون أن يتسبب ذلك في مشكلة أمنية لإسرائيل. كما أن الحكومة الإسرائيلية تعتقد إن الحل الأساسي لمشكلة اللاجئين لا يكمن في العودة, بل في إعادة التوطين في أماكن أخرى. (س.ج. تيكنيس, اللاجئون العرب: دراسة في إمكانيات إعادة التوطين, لندن, شاتام هاوس, 1949).ويقول كابلان في كتابه " مؤتمر لوزان " إن العرض الإسرائيلي بعودة مئة ألف لاجئ فلسطيني قوبل بمعارضة شديدة داخل إسرائيل, وذلك بسبب مخاوف الأمن الناجمة من أن مثل هذا العدد من الفلسطينيين داخل إسرائيل قد يشكلون " طابوراً خامساً " وإن قبول عودة مئة ألف فلسطيني قد يتبعه المزيد من الضغط بقبول