من لاجئين إلى مواطنين

بقلم: دونا أريزت
ترجمة: جورج عطا الله مصلح


مقدمة:
قد لا يختلف اثنان من الفلسطينيين والعرب في هذه المرحلة على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي جوهر القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي أولاً, وعلى أنها قضية الظلم والاضطهاد الكبرى بالنسبة للفلسطينيين ثانياً, وعلى أنها أخطر قضية متفجرة تواجه عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية ثالثاً، وإنه لا يمكن أن تسوى الأمور ويستتب الأمن والسلام في المنطقة إذا لم تحل هذه القضية إذا لم تحل هذه القضية المتفجرة حلاً جذرياً مرضياً رابعاً.
وعلى أساس هذه الخلفية بالغة الأهمية والخطورة المنطوية عليها, نرى أن مختلف المؤسسات والجهات السياسية أو الأكاديمية الفلسطينية أو العربية أو الإسرائيلية أو الدولية أدلت بدلوها في هذه القضية عبر طرح جملة من الأفكار أو المشاريع أو المقترحات التي تعرض سيناريوهات معينة لحلها.
في هذا السياق صدر في الآونة الأخيرة كتاب جديد في الولايات المتحدة يحمل عنوان " من لاجئين إلى مواطنين- نهاية الصراع العربي- الإسرائيلي " وهو من تأليف الكاتبة " دونا أرزت " أستاذة القانون الدولي في جامعة سيراكيوز ويشتمل الكتاب على كم كبير من الأفكار والمعطيات الهامة المتعلقة بالخلفيات والمفاهيم والأوضاع والسيناريوهات المحتملة لقضية اللاجئين.
الدستور كعادتها تابعت الكتاب باهتمام كبير وحصلت على ترجمة غير حرفية وعلى تلخيص مكثف مفيد للكتاب قام به جورج عطا الله مصلح.

مجلس الوزراء الإسرائيلي اتخذ قراراً بعدم عودة اللاجئين بعد شهر من إعلان إسرائيل

تأليف: دونا. آرزيت
ترجمة وتلخيص: جورج عطا الله مصلح/ الحلقة الأولى

دراسة وتوصيات

       في أعقاب توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين, قام مجلس الشؤون الخارجية الأمريكية بتشكيل مجموعة دراسة مهمتها دراسة الجوانب المعقدة من القضية الفلسطينية وتقديم التوصيات بخصوصها, وذلك انطلاقاً من الافتراض أن هذه الاتفاقية تشكل انطلاق جديدة في اتجاه التسوية الشاملة. وقد أشرفت الأستاذة دونا ي. آرزيت من جامعة (سيراكوز ) الأمريكية على مجموعة الدراسة هذه. وقد تركزت دراسة المجموعة على ما اعتبرته أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط, وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين. وعقدت مجموعة العمل خمسة اجتماعات إبتداءاً من شهر تشرين الثاني 1993 وانتهاء بشهر حزيران 1994. وكانت هناك اختلافات جدية بين أعضاء المجموعة حول تقييم هذه القضية.
غير أن مجموعة الدراسة اقترحت حلولاً بناءة لقضية اللاجئين ضمن اللاجئون الفلسطينيون. وقد نشر هذا الكتاب من قبل مجلس الشؤون الخارجية الأمريكية في عام 1997.
المنفى

     بالنسبة لليهود, فإنهم يسمونها " الغالوت " وبالنسبة للفلسطينيين, فإنهم يسمونها " الغربة ". وبالنسبة للشعبين, فإنها تعني " المنفى " وهي حالة مادية ومعنوية يتشوق فيها المرء إلى العودة إلى أرض الميعاد, وأرض الوطن. فاليهود يحلمون بـ " الآلياه " أو العودة إلى صهيون, والفلسطينيون يحلمون بـ" العودة " إلى فلسطين. وفي كلتا الحالتين, فإنها
الصورة الذاتية التي يرى فيها الشعبان وضعهما. أنها صورة الشعبين الذين يعيشان في " عالم المنفى ", في عالم من الحصار والعزلة. لقد أسمى الشاعر الفلسطيني محمود درويش الفلسطينيين " ضحايا الخارطة ". وأسماهم الصحفي الإسرائيلي داني روبنسين " شعب بلا هوية ".
إن التاريخ بالنسبة للشعبين اليهودي والفلسطيني يقترن
تفاصيلها تختلف من شعب إلى أخر. فبالنسبة إلى الشعب اليهودي, كانت النكبة أو " شواح " على أيدي النازيين. وبالنسبة للشعب الفلسطيني, فقد كانت " النكبة " التي حلت بهم في عام 1948 وتشتتوا بعدها إلى كل أنحاء المعمورة. لقد كانت الغربة والشعور بالقهر هي التي ولدت لدى الفلسطينيين هذا الشعور القومي والوطني, تماماً كما تولد نفس الشعور لدى اليهود عندما تاهوا في صحراء سيناء بعد تحريرهم من العبودية في مصر. ويقول المؤرخ الفلسطيني موسى البديري في هذا الصدد: " لقد ولدت الهوية الوطنية الفلسطينية في مخيمات اللاجئين وبلاد الغربة, وليس في فلسطين.
وأخذت هذه الهوية شكلها الحالي بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964 برعاية جامعة الدول العربية. وقد عزز قيام المنظمة من شعور الفلسطينيين بالغربة عن الدول العربية التي يقيمون فيها. ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أن الفلسطينيين لم يكونوا شعباً متميزاً واضح المعالم قبل عام 1964 أو قبل عام 1948.
هناك الكثير من الأشياء المشتركة بين الفلسطينيين واليهود, إلى درجة أن أعداهم عاملوهم بنفس الطريقة. فالرفض العدائي للفلسطينيين في الكويت بعد حرب الخليج, حيث اسماهم مسؤول كويتي " جالية من الخونة " يقابله رفض اليهود في روسيا الستالينية حيث كانوا يدعون " شعب بلا شرف وبلا أخلاق, قساة,. غلاظ القلوب ". ويتقاسم الشعبان أيضاً تهمة " الولاء المزدوج " في البلدان التي يقيمون فيها. لقد وصف المسؤول الكويتي الفلسطينيين بأنهم " شعب مخادع, فقد خانوا الكويت التي استقبلتهم بالكرم والترحاب. لقد عاشوا على ثروة الكويت وشعبها. والمشكلة هي أن الشعب الفلسطيني لا يعترف بجميل أحد ولا يشعر بالولاء اتجاه أي بلد, على خلاف اللبنانيين و السوريين والمصريين ".
يتميز تاريخ الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني بظواهر الرفض والشك والاتهامات المتبادلة, وكأن كلا من الشعبين ينظر إلى شعب أخر مرآة مزدوجة لا يرى بها فقط عيوب الطرف الآخر, بل أيضاً شعوره هو وتطلعاته وإحباطاته.
إن الهوية الفلسطينية والهوية الإسرائيلية تتقاطعان عبر التاريخ. وهما متشابهان إلى حد كبير في القيم المشتركة التي تربطهما. ولذلك, فمن الواضح أنهما يستطيعان تسوية الصراع القائم بينهما إذا ما عملا معاً في هذا الاتجاه. وهذا الأمر واضح من تصريحات أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا وراء مفاوضات أوسلو التي أدت إلى الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية, إذ قال: " لقد أقنعنا الفلسطينيين أنهم على مستوى صنع القرار الإسرائيلي, فإن هناك رغبة حقيقية للوصول إلى تسوية قائمة على أمن إسرائيل ومساعدة الفلسطينيين على إقامة كيان قوي ومستقر ومزدهر لهم. وفي المقابل, فقد أقنعنا المفاوضون الفلسطينيون أن قيادتهم تدرك أن الإرهاب والكفاح المسلح لن يحقق لها الحلم الفلسطيني, وأن الحل الوحيد يكمن في المصالحة والحوار السياسي ".
وقد أفضى رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في محادثات أوسلو الثانية بتصريحات مماثلة قال فيها: " لقد قلت أنني متفهم لموقفكم, ونحن مقتنعون بحاجتكم للأمن. ولكننا نريد الاستمرار, ونريد أرضنا لنا حتى لو حصلنا عليها على مراحل ". فقد أدت تلك المفاوضات التي عقدت في أيلول من عام 1995 إلى الوصول إلى الاتفاقية المؤقتة حول الضفة الغربية.
وبالرغم أن كلا الطرفين يعبران عن نفس الشيء بطريقة مختلفة, فإن الصراع العربي- الإسرائيلي لا يدور حول الأرض أو الدين أو القومية, بل حول تحديد الحدود الديمغرافية والاجتماعية لكل منهما. وبكلمات أخرى, فإنه حول مدى استعداد ورغبة كل طرف أن يقبل الطرف الأخر جاراً له. ففي نفس الوقت الذي يتحد فيه الإسرائيليون حول " شعار الأمن الإسرائيلي " يتحد الفلسطينيون حول شعار " الكرامة الفلسطينية ". وبالنسبة للفلسطينيين, فإن " الكرامة الفلسطينية " تعني قبولهم جيراناً وليس أعداءً, وهي حال عقلية على نفس الأهمية بالنسبة للسلام كالاستقرار العسكري والاقتصادي والسياسي.

النهضة المركزية

     إن النقطة المركزية التي يدور حولها الكتاب هي إنه إذا أردنا حلاً دائماً ومقبولاً للصراع العربي- الإسرائيلي, فيجب أن يشمل هذا الحل منح الجنسية للاجئين الفلسطينيين في كل أنحاء الشرق الأوسط, ولن يتوقف هذا الصراع ما لم يحصل اللاجئون الفلسطينيون على الجنسية, لأن ذلك يعني أنهم لن يعودوا بعدها مجرد ورقة للمساومة في جدول أعمال
كل من طرفي النزاع. ويجب أن يكون قبول متبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. و لا يمكن أن يتحقق هذا القبول إلا إذا تغير وضع الفلسطيني وعقيلته كلاجئ ثم استيعابه ضمن خطة إقليمية دائمة تقوم على أساس عودة عدد محدد من اللاجئين إلى إسرائيل والضفة الغربية و قطاع غزة ودمج اللاجئين الفلسطينيين في المجتمعات السورية والأردنية واللبنانية التي يقيمون فيها وإعادة توطين عائلات فلسطينية في بلدان أخرى من الشرق الأوسط وفي البلدان الغربية. كما يجب دفع التعويضات للفلسطينيين الذين لا يعودون إلى أراضهم عن الممتلكات التي خسروها هناك, ويجب السماح لهم أيضاً بأن يحملوا جنسية مزدوجة, هي الجنسية الفلسطينية وجنسية البلد الذي يقيمون فيه.
إن مؤلفة هذا الكتاب لا تتخذ موقفاً رسمياً حول الحدود النهائية أو الوضع القانوني الدائم للضفة الغربية وقطاع غزة. غير إن إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة, سواء كانت مستقلة أو متحدة اتحاداً كونفدرالياً مع الأردن, هي أفضل بكثير من أي خطة لحكم ذاتي هزيل, وذلك لأنه لا يمكن استقطاب الفلسطينيين للقبول بالتنازلات إلا إذا كانت لهم دولة ذات سيادة, كما لا يمكن الوصول إلى حل نهائي لقضية اللاجئين في غياب مثل تلك الدولة ومثل هذا الرأي يتبناه الكثير من المعتدلين الفلسطينيين من أمثال رشيد الخالدي وزياد أبو زياد وإيليا زريق.
لماذا يجب أن نغير هوية اللاجئ الفلسطيني من وضع اللاجئ إلى وضع المواطن الذي يحمل الجنسية؟ إن الجواب على ذلك أن الجنسية تعني الانسجام و التأقلم والسلامة. إن جوهر السلام الدائم في الشرق الأوسط يكمن في الاستقرار الإقليمي الذي يعتمد على الاستيعاب الدائم القائم على الجنسية. و لا تعني الجنسية هنا بشكلها الرسمي أو القانوني فقط, بل جوهرها المعنوي والسياسي والاجتماعي والنفسي أيضاً, أو ما يسميه عالم الاجتماع روجرز بروبيكر " الجنسية ذات المحتوى " أي التي تشمل على الحقوق والواجبات المدنية والسياسية وخاصة الاجتماعية.
ومن الجدير بالذكر أن عالم الاجتماع البريطاني ت. اتش. مارشال يعرف الجنسية بأنها " المساواة الإنسانية الأساسية التي تقترن بفكرة العضوية الكاملة في
المهم بالنسبة للمواطن التوقعات المشروعة التي يتطلع إليها من جراء الاعتراف به رسمياً كمواطن في دولة ما. ولذلك عندما يقول الفرد " أنني مواطن ", فإن ذلك يعني حقه الفعلي في جميع الحقوق الناشئة عن المواطنة والتزامه الفعلي أيضاً بجميع الواجبات المترتبة على تلك المواطنة.
إن الجنسية تعني أكثر من مجرد الإقامة. إنها " وضع شخصي دائم لا تنشأ من الإقامة القصيرة أو الطويلة ولا يمكن إلغاؤها بالغياب المؤقت أو الطويل عن بلد ما ". ونظراً لميزة الديمومة الشخصية المترتبة على الجنسية, يستطيع المواطن أن يشارك بالفعل في الحياة المدنية وفي بناء مستقبل دولته ومجتمعه, وذلك لأن له مصلحة في نجاح مجتمعه وتقدمه. أو كما يقول هارفن في كتابه " نهاية عصر من التضحيات " أن الروح المدنية " تكمن جذورها في كرامة الجنس البشري, في حاجتنا في أن يحترم كل منا الأخر كما هو ". أو كما قال رئيس محكمة العدل العليا الأمريكية السابق, القاضي إيرل وارين لدى تفوهه بالحكم في قضية ( بيريز مقابل بروونيل ): " إن الجنسية تعني الحق في أن يكون لك حقوق.وإذا نزعت هذا المقتنى الذي لا يقدر بثمن من أي إنسان, فإنه لن يبقى منه سوى إنسان بدون وطن محتقر ومهان في أعين مواطنيه ".
وإذا قامت كل من الدول المتجاورة بمنح الجنسية لمواطني بعضها البعض, فسيتعزز الاستقرار الإقليمي وستخف حدة التوتر والحساسيات بين الدول. وفي سياق حديثه عن الإسرائيليين والفلسطينيين ومستقبلهم المشترك الذي يتم بناؤه عن طريق عملية السلام, قال الكاتب الإسرائيلي ألوب هارفن: " لقد منح الشعبان حرية الاختيار, منفردين ومجتمعين, من أجل تحقيق أكبر نقطة تحول في تاريخها, وهي تجاوز عصر من التضحيات كانت النظرة فيه إلى اناس متفوقين واناس أقل تفوقاً والدخول في عصر إنساني ينظر فيه إلى الناس كبشر ومواطنين يحترمون جميع الناس كبشر ومواطنين بغض النظر عن لغتهم وديانتهم وآرائهم ".
غير أن الجنسية يجب أن لا تعني إذابة الآخرين في مجتمع ما أو عزلهم ليعيشوا في جيثوات منفصلة حيث الشعور بالاغتراب عن المجتمع الذي يعشون فيه. إن فكرة وجود الدولة لا تتناقض مع المحافظة على الهوية العرقية والثقافية المميزة لأي فئة من فئات المجتمع ضمن إطار الهوية الوطنية الأكبر. فإذا ما أعطي الفلسطينيون المقيمون في سوريا الجنسية السورية, على سبيل المثال, خلال يتوجب على الفلسطينيين أن " يتسرينوا " من أجل الحصول على الحقوق والقيام بالواجبات المترتبة على الجنسية السورية. فالقانون الدولي يتوجب منح الاقليات حق المحافظة على ثقافتهم وعلى صلاتهم مع مجموعاتهم العرقية خارج الحدود الدولية, وكذلك المحافظة على تاريخهم المميز وعاداتهم وتقاليدهم وشخصيتهم العرقية من خلال التعليم. كما يتوجب السماح للاقليات, على المستوى الفردي والجماعي, بالاشتراك في الحياة السياسية للدولة التي يقيمون فيها. وهذه الحقوق واردة في المادتين 25و26 من الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية الصادرة في عام 1966, وكذلك الإعلان الخاص بحقوق الاقليات القومية والعرقية والدينية واللغوية الصادر في عام 1993. ويمكن إيجاد مثل هذا التوازن من خلال إصدار قرارات رسمية تجيز للفلسطيني أن يحمل الجنسية المزدوجة, أي السورية والفلسطينية مثلاً أو الفلسطينية وجنسية أي دولة عربية أخرى, وهو اقتراح يرضى عنه الفلسطينيون, بالرغم من أن معظم الدول العربية ستعارض مثل هذا الإجراء, ويقول سليم تماري في كتابه " العودة وإعادة التوطين والتعويض: مستقبل اللاجئين الفلسطينيين ومفاوضات السلام " وهو مجموعة من الأبحاث تم تحضيرها لمعهد الدراسات الفلسطينية في القدس في عام 1996, ولم تنشر بعد: " إن على الفلسطينيين أن يسعوا بجد لإلغاء قوانين الجامعة العربية التي تحرم على المواطن العربي أن يحمل الجنسية المزدوجة ". ومن المقترحات العديدة التي قدمت إلى " مؤتمر تعزيز التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط " الذي انعقد في مدينة فولاغمني باليونان في شهر تشرين أول عام 1994 بخصوص اللاجئين, كان هناك اقتراح يدعو إلى النظر في منافع ومساؤى الجنسية المزدوجة للفلسطينيين (واليهود) باعتبارها أحد جوانب الحل الذي يمكن اللاجئين الفلسطينيين من الاندماج في البلدان الأخرى بدون أن يفقدوا هويتهم الوطنية والسياسية. وقد تبنى المؤتمر هذا الاقتراح كإحدى التوصيات التي صدرت عنه.
لقد اتخذت الخطوات الأولى في اتجاه الحصول على الجنسية الفلسطينية من خلال عملية مدريد للسلام وعملية أوسلو للسلام. ومن المعروف أن مهمة المجموعة العاملة المتعددة الأطراف بخصوص اللاجئين, التي كانت أحد المقومات الرئيسية لعملية مدريد, كانت العمل على اقتراح الإجراءات الضرورية لبناء الثقة وذلك بالتركيز على تحسين الأوضاع المعيشية للاجئين الفلسطينيين على المدى القصير بدون الانتظار إلى تحقيق تقدم سياسي طويل المدى من خلال عملية المفاوضات السياسية. وعلى نفس القدر, فإن المقصود بهذه الفترة المؤقتة التي تسبق المفوضات الإسرائيلية- الفلسطينية بخصوص الوضع النهائي والتي من المفترض أن تبدأ في شهر أيار عام 1996 هو بناء الثقة واستكشاف طرق وأساليب التعاون. إن اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية ودول عربية مثل مصر والأردن في هذه المفاوضات هو بمثابة قبول لمبدأ رفضه العرب وخاصة الفلسطينيين على مدى الأربعة والأربعين عاماً الماضية, وهو أنه يمكن تحسين نوعية الحياة للاجئين الفلسطينيين بدون المساس بحقوقهم الأساسية أما كلاجئين أو كعائدين.
أن الحلول القائمة على أساس العصف الفكري لمشاكل شائكة هي أفضل مجال حيوي للمفاوضات الناجحة. وفي هذه المرحلة من عملية السلام, يبدو أنه لايمكن استثناء أي خطة أو اقتراح, أو اعتباره نهائياً.
ولذلك, فإن السيناريوهات المقترحة في هذا الكتاب تستهدف تقديم أفكار جديدة لتشجيع الحوار بخصوص قضية كانت تقع في نطاق المحظور أن يخاض فيها, وهي إمكانية تحقيق تسوية تفاوضية للوضع الدائم للاجئين الفلسطينيين. فقد قال السيد فيصل الحسيني في مقابلة له
واحد بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد زال وانتهى. وفي حقيقة الأمر, فإن قضية القدس التي تعتبر قضية شائكة لم تبقى ضمن المحظور, بل قدم بخصوصها أكثر من (60) اقتراحاً للحل. وقد نشر الكثير من هذه الاقتراحات في " مجلة فلسطين وإسرائيل " عام 1995 على أثر مؤتمر طاولة مستديرة بعنوان " البحث عن الحلول " عقد في نفس العام,. وكذلك في كتاب " الانتقال إلى الحكم الذاتي الفلسطيني: خطوات عملية في اتجاه السلام ", لمؤلفته آن موسلي ليتش, الذي نشر في الولايات المتحدة في عام 1992, وكتاب " القدس, أفكار تستهدف إلى التسوية السياسية " الذي نشره المعهد الأمريكي للسلام في عام 1993, وكتاب " المشاعر تنفجر من خلال الحجارة " لمؤلفه بولد جولد بيرغر الذي نشر في الولايات المتحدة في عام 1993, وكتاب " المعركة من أجل القدس " لمؤلفيه إيزبيل كيرشز وتوم ساويسكس الذي نشر في القدس عام 1994, وكتاب " القدس: مدينة واحدة وستة وخمسون حلاً " لمؤلفيه يائير ستيليغ, الذي نشر في القدس في عام 1993. وعلى نقيض ذلك, فإن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تعالج بمثل هذا التوسع ولم تحظ بالكثير من المقترحات بل بقيت محصورة ضمن نطاق ضيق, حيث ينادي طرف واحد " بعودة جميع اللاجئين " بينما يصر الطرف الأخر " على عدم عودة حتى لاجئ واحد ". وعلى سيبل المثال, فإن حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية المعروفة باسم " حماس " أعلنت في عدة مناسبات عن رفضها القاطع أن تكون قضية عودة جميع اللاجئين قضية يمكن المساومة عليها, مؤكدة أن حق العودة غير خاضع للمساومة مع أولئك الذين اغتصبوا هذا الحق. أما الموقف الرسمي الإسرائيلي, حتى في ظل حكومة العمل التي كان يترأسها اسحق رابين, فقد عبر عنه نائب وزير الدفاع مردخاي غور آنذاك حيث قال: " من وجهة نظر الحكومة, فإن حق العودة غير مقبول في هذه الاتفاقية, ولن نسمح بأية عبارة في أي اتفاق يمكن اللاجئين من العودة وإغراق إسرائيل ".

هدف الكتاب

     إن الهدف من هذا الكتاب هو تزويد صانعي القرار والمشاركين في عملية السلام في الشرق الأوسط بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا وروسيا والنرويج, وجميع المهتمين بشؤون اللاجئين والعلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط بتقييم واقعي لموقع قضية اللاجئين في الصراع العربي- الإسرائيلي مع إعطائهم الثقة أن هذه القضايا قابلة للحل. ويؤكد الكتاب على الحاضر والمستقبل أكثر من تأكيده على الماضي, ويحاول أن يضع إطاراً عملياً ومتوازناً لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من خلال تطبيق خطة استيعاب إقليمية دائمة لهم. ولا نتطرق في هذا الكتاب إلى وضع اللوم علة من سبب هجرة الفلسطينيين الأصلية في عام 1948, ولكننا نتعامل مع قضية اللاجئين وتجمعاتهم كحقيقة قائمة تشكل مشكلة نحاول إيجاد الحلول لها ضمن إطار عملية السلام العربية- الإسرائيلية في أسرع وقت ممكن.
لقد شهد التاريخ المعاصر أزمات عانى فيها الكثير من الناس من التشرد بسبب الحروب والاضطهاد والأوبئة. وما تدفق اللاجئين من البوسنة ورواندا بسبب سياسة " التطهير العرقي " إلا مثالان على مثل هذه الأزمات. وفي مثل تلك الحالات, تنصب مهمات المنظمات الإنسانية والحكومية على مساعدة هؤلاء اللاجئين بكل الوسائل الممكنة لإنهاء هذا الوضع بالسرعة الممكنة وإيجاد مأوى دائم وملائم لهؤلاء اللاجئين. غير أن اللاجئين الفلسطينيين, على نقيض ذلك, بقوا يعيشون في مخيماتهم المكتظة في لبنان والأردن وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 1948 أو على الأقل منذ عام 1967, وهي فترة أطول بكثير من أن نسميها " حالة حادة من التشرد ". لقد أصبح اللاجئون الفلسطينيون أقدم لاجئي العالم وأكثرهم عدداً وأطولهم إقامة وأبرزهم شهرة بين كل مشردي العالم. وفي حقيقة الأمر, فإن محنتهم الطويلة هي أزمة في حد ذاتها. لقد استنفذ في الكتابة عنهم حبراً أكثر, إن لم يكن دم أكثر, مما استنفذ في الكتابة عن أية مجموعة      
أخرى من اللاجئين. والفرق بينهم وبين غيرهم من المتشردين أن قضية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني هي قضية شائكة تحيط بها متاهات لا حدود لها, وأنه قبل البدء في مفاوضات السلام الأخيرة, فقد تعمد الفلسطينيون, بتشجيع ضمني من الدول العربية وإسرائيل على حد سواء, تسييس وضعهم كلاجئين والإبقاء على هذا الوضع, وذلك برفضهم أية محاولة تستهدف استيعابهم بشكل دائم في أي مكان عدا فلسطين. وفي الوقت نفسه, فإن أزمة اللاجئين الفلسطينيين لا تتمتع بحصانة أو مناعة ضد التأثر بقضايا وأزمات اللاجئين الأخرى في العالم. وبالإضافة إلى ذلك, فإن جميع الأطراف الداخلة في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني تعاملت مع قضية اللاجئين على أساس أنها قضية استثنائية فريدة من نوعها, وخاصة عندما كانت المصلحة الذاتية لهذه الأطراف تتطلب ذلك, أي دائماً. ولكن منذ نهاية التسعينات, بدأت قضية اللاجئين تبرز كجزء من تحول كوني أواسع في مجالين على الأقل: الهجرة القسرية للناس التي تؤدي إلى إعادة تعريف الحدود السياسية, وإعادة صياغة الأفكار المتعلقة بالهوية الوطنية والعرقية وعلاقتها مع المواطنة والمجتمع. وإنه لمن قصر النظر في هذا المنعطف التي تمر به القضية الفلسطينية أن نحاول أن نحدد الخيارات المتوفرة للفلسطينيين بدون أن نتعلم من تجارب اللاجئين في جنوب أفريقيا وجنوب شرق آسيا وبلدان بحر البلطيق.
والجزء الأول من هذا الكتاب وعنوانه " الماضي والحاضر " يتألف من ثلاثة فصول, ويشرح الخلفية الأساسية للوضع التاريخي والديمغرافي والقانوني للاجئين الفلسطينيين. وإن هذه القضية هي قضية خلافية تلهب المشاعر. ولذلك, فإن عروضات هذا الكتاب تتجنب إثارة المشاعر وتركز بشكل عملي على البيانات والأرقام الواقعية وعلى الأفكار التي تؤدي إلى المصالحة وتسوية الصراع بالوسائل السلمية.
أما الجزء الثاني من الكتاب, فعنوانه " الحاضر والمستقبل " وهو يبدأ من الفصل الرابع, حيث نقترح فيه خطة تقوم على الاستيعاب الإقليمي الدائم للاجئين الفلسطينيين بحيث يصبح هؤلاء اللاجئين مواطنين في البلدان التي يقيمون فيها.
وتقترح الخطة الاعداد المستهدفة والجداول الزمنية والأولويات والإرشادات الأخرى المقترحة, وذلك ضمن الجهد الذي نبذله للمساعدة في إدخال قضية اللاجئين على جدول أعمال مفاوضات الوضع النهائي. كما يبحث هذا الجزء في الدعم الذي يمكن للحكومات الغربية أن تقدمه من أجل حل قضية اللاجئين, كعقد مؤتمر يستهدف إعادة توطين اللاجئون أو المساهمة في عملية استيعابهم في الدول الأخرى.
ويتناول الفصل الخامس من هذا الجزء الجوانب القانونية في هذه الخطة, بما في ذلك قضايا الجنسية وحرية التنقل وحقوق الإنسان العائدة للاقليات.
وقد استفادت هذه الدراسة من تجارب اللاجئين الآخرين والاقليات الأخرى في أزمان وأماكن مختلفة لنقدم للفلسطينيين والإسرائيليين والحكومات الراعية ووكالات الإغاثة " أسس تنفيذ الخطة ".
وأخيراً, وبعد خلاصة قصيرة, نجد مقالاً ببليوغرافياً شاملاً وملحقاً يحتوي على مقتطفات من الوثائق القانونية العالمية الخاصة بقضية اللاجئين.
وضمن إطار عملية السلام العربية- الإسرائيلية, فإن قضية اللاجئين ليست مسألة تجريدية يمكن فصلها بسهولة عن مواطن القلق الأخرى, كالإرهاب الذي يمارسه المتطرفون الفلسطينيون واليهود على حد سواء, أو المواضيع المتعلقة بالوضع النهائي كالحدود والأمن الإقليمي والقدس والمياه والتجارة أو حتى المستوطنات اليهودية وتعويضات اللاجئين اليهود من الدول العربية, التي هي مواضيع لا يتطرق لها هذا الكتاب.
والموضوعان الآخران, وهما المستوطنات اليهودية وتعويضات اللاجئين اليهود من الدول العربية, يقعان تحت إطار " القضايا السكانية ", وهي قضايا لا يتناولها هذا الكتاب. أما قضية المستوطنات اليهودية, فإنها تندرج تحت إطار الحدود الدائمة والأمن. أما بخصوص اللاجئين اليهود من البلدان العربية, فقد لوحظ أن عددهم قد بلغ (000 , 588) لاجئ, وهذا الرقم, وعلى سبيل الصدفة, هو نفس عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا من فلسطين في عام 1948. وقد أجاب الفلسطينيون على محاولة الربط بين اللاجئين اليهود والفلسطينيين بقولهم أنه لايمكن إجراء المقارنة بين هاتين الموجتين من الهجرة. فمعظم اليهود غادروا البلدان العربية بطوع اختيارهم, وليس أثناء الحرب. وبالتالي فإن التعويض عن الأملاك التي تركوها في البلدان العربية هو موضوع يخضع للمحادثات الثنائية بين إسرائيل والدول العربية المعنية, وهو موضوع لا يخص الفلسطينيين من بعيد أو قريب. وقد قال السيد زياد أبو زياد في هذا الخصوص: " نحن الفلسطينيين لم يخبرهم على مغادرة تلك البلدان. وبالتالي, فإنه يجب التفاوض حول الموضوع مباشرة مع الدول العربية التي قدم منها هؤلاء اللاجئون ".
أن من الضروري الدخول في حوار حول كل هذه القضايا التي تتعلق بالوضع النهائي, كل على حدة, وذلك لأن الحوار ضروري من أجل خلق روح من التعاون والمرونة والخيال والمقايضة التي نحتاجها من أجل الوصول إلى تسوية نهائية شاملة.
أين نبدأ إذن؟ إن المكان المناسب الذي يمكن أن نبدأ فيه هو مجموعة من المبادئ التفاوضية التي تستهدف تشجيع التسوية العملية والعادلة.
أن موضوعاً شائكاً مثل قضية اللاجئين يرتبط بالضرورة بهوية الشعبين وبحاجتهما إلى العدالة والأمن. ويمكن أن نحل قضية اللاجئين هذه إذا سرنا على هدي المبادئ الأربعة التفاوضية الأساسية التالية:

  1. إن بحث قضية اللاجئين يجب أن يكون متطلعاً إلى الأمام, لا إلى الخلف, وذلك حتى لا تكون المعارك القديمة وذكريات التشرد سبباً في الخصام. إن " التطلع إلى الأمام " لا يعني نسيان الماضي, بل إنه يعني بكل بساطة إن على الطرفين أن يتحركا قدماً إلى الأمام, أو كما قال وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شمعون بيرز, وهو أحد أكثر الناس حماساً لعملية أوسلو" إن الشيء العظيم هو أن نطلق أنفسنا من عالم الأمس ونصبح على إدراك بعالم اليوم الذي نعيش فيه. وفي واقع الأمر, فإن القول أسهل من العمل, لأن الاتفاقيات الواقعية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الأرقام الديمغرافية المعاصرة التي تستند جميعها إلى الرقم الأساس المختلف عليه كثيراً.ويجب الأخذ بعين الاعتبار أيضاً عدد الفلسطينيين الذين هاجروا خلال حرب عام 1948. كما أن هناك ضرورة لضبط النفس لدى استعمال الألفاظ السياسية المشحونة في التصريحات والخطب, مثل " العودة " و " التهجير " و " إعادة التوطين " و " الحقوق " و " اللاجئين ".

     وفي تصريح له لصحيفة الجيروزالم بوست في 1 تموز 1994, قال شمعون بيريز أيضاً: " القدس لن تصبح برليناً أخرى ".