التطهير العرقي في فلسطين بقلم إيلان بابه

عرض: أسمهان شريح

 يعاني الإسرائيليون من أزمة وجودية لأن دولتهم قامت على أساس غير طبيعي، و تطفو هذه الأزمة الوجودية على السطح في فترات النهوض الوطني الفلسطيني التي ينبثق عنها صدام مباشر بين الفلسطينيين كونهم أصحاب فلسطين الأصليين وبين المستوطنين اليهود. وهذا باختصار ما يعبر عنه المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه من خلال كتابه " التطهير العرقي في فلسطين" الذي قال عنه النائب في مجلس النواب جورج غالوي أنه" نظرات ثاقبة في مأساة تاريخية ذات بعد عالمي، بقلم مؤرخ عبقري".
بين دفتي الكتاب ذي القطع الكبير 347 صفحة بما فيها المقدمة، مضافاً إليها الفهرس وقائمة الصور والخرائط والجداول. تتوزع موضوعات الكتاب على اثنتي عشر فصلاً.
يبدأ الفصل الأول بتسجيل قناعة الكاتب حول مفهوم التطهير العرقي وفحواها "أن   التطهير العرقي هو سياسة محددة جيداً لدى مجموعة معينة من الأشخاص تهدف إلى إزالة منهجية لمجموعة أخرى عن أرض معينة على أساس ديني، أو عرقي، أو قومي. وتتضمن هذه السياسة العنف، وغالباً ما تكون مرتبطة بعمليات عسكرية، ويتم تنفيذها بكل الوسائل الممكنة، من التمييز إلى الإبادة، وتنطوي على انتهاك لحقوق الإنسان والقانون الدولي. . . وتشكل أساليب التطهير العرقي، في معظمها،انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف لسنة 1949، وللبروتوكولات الإضافية لسنة 1977". بعد ذلك يعرض المؤلف التعريفات الرسمية والشعبية لمفهوم التطهير العرقي، وقد غدا الآن يعرّف أنه جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي، ليخلص إلى أن ما جرى في فلسطين سنة 1948 ينطبق عليه تماماً تعريف جريمة التطهير العرقي، فالخطة الإسرائيلية"دالت" التي أُقرت في سنة 1948، تحتوي على تشكيلة من أساليب التطهير المتطابقة، أسلوباً تلو الآخر، مع أساليب التطهير العرقي الموصوفة في التعريف الذي وضعته الأمم المتحدة للتطهير العرقي، وتشكل الخلفية للمجازر التي رافقت الطرد الجماعي.
وتتفق هذه المراجع عن التطهير العرقي مع السائد في أوساط العلماء المختصين، وفي العالم الأكاديمي. وقد نشر دريزن  بتروفيك (Drazen Petrovic ) دراسة تعتبر من أهم المراجع وأوسعها اشتمالاً لتعريفات التطهير العرقي. وفيها يربط بين التطهير العرقي وبين القومية وإنشاء الدول القومية الجديدة والكفاح القومي. ومن خلال هذا المنظور يكشف الصلة بين الساسة والجيش في ارتكاب الجريمة، ويعلّق على كيفية التعامل مع المجازر في إطار هذه الصلة، شارحاً أن القيادة السياسية تخوّل السلطة العسكرية تنفيذ التطهير العرقي من دون أن تزوّدها، بالضرورة، بخطط منهجية أو تصدر إليها تعليمات صريحة، لكنها لا تترك مجالاً للشك فيما يتعلق بالهدف الشامل والنهائي.
وهكذا، وفي وقت ما- وهذا ينطبق أيضاً على ما حدث في فلسطين- تكف القيادة السياسية عن القيام بدور ناشط بينما تتحرك آلة الطرد وتتقدم كجرافة ضخمة مندفعة بقوتها الذاتية، ولا تتوقف إلاّ بعد أن تكون أنجزت مهمتها. أما الناس الذين تسحقهم عجلاتها وتقضي عليهم، فلا يشغل مصيرهم بال الساسة الذين حركوا الآلة القاتلة.
إن التطهير العرقي الذي حدث في فلسطين يجب أن يتجذر في الذاكرة والوعي بصفته جريمة ضد الإنسانية, ويجب أن يستثنى من قائمة الجرائم "المزعومة".إن مرتكبيه هنا ليسوا مجهولين- إنهم مجموعة محددة من الأشخاص: "أبطال حرب الاستقلال اليهودية"، وأسماؤهم مألوفة جداً. والقائمة تبدأ بزعيم الحركة الصهيونية غير المنازع في زعامته، دافيد بن- غوريون، الذي نوقشت في منزله الخاص وحبكت نهائياً الفصول الأولى والأخيرة في قصة التطهير العرقي. وقد ساعدته مجموعة صغيرة من الأشخاص، وهم عصبة سرية تألفت فقط من أجل غاية وحيدة هي التآمر والتخطيط لطرد الفلسطينيين.
وضع هؤلاء خطط التطهير العرقي وأشرفوا على تنفيذها إلى أن تم اقتلاع نصف السكان الأصليين من وطنهم. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يمكن إنكار أن التطهير العرقي الذي جرى في سنة 1948 تم اقتلاعه تقريباً من الذاكرة العالمية الجماعية، ومحوه من تاريخ العالم.

"نحو دولة يهودية حصراً" هو عنوان الفصل الثاني، الذي يتناول نشوء الصهيونية في أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية كحركة إحياء قومي، بدافع من الضغط المتنامي على اليهود في الإقليمين المذكورين. ومع بداية القرن العشرين ربط معظم قادة الحركة الصهيونية هذا الإحياء القومي باستعمار فلسطين.
لقد كانت "أرض إسرائيل"، كما تسمى فلسطين في الديانة اليهودية، محط احترام وتبجيل من جانب أجيال من اليهود بصفتها قبلة حج مقدسة ، ولم تكن قط مكاناً لدولة علمانية مستقبلية. إن التراث والدين اليهوديين يأمران اليهود بانتظار المسيح المنتظر في "نهاية الزمن" قبل أن يكون في استطاعتهم "العودة إلى أرض إسرائيل كشعب يتمتع بالسيادة في دولة دينية يهودية"، أي كخدم مطيعين للرب(وهذا هو السبب في أن عدة تيارات في اليهودية الأرثوذكسية المتعصبة غير صهيونية، أو أنها معادية للصهيونية). وبكلمات أخرى، فإن الصهيونية جعلت اليهودية علمانية وقومية. ومن أجل أن يحقق المفكرون الصهيونيون مشروعهم، طالبوا " بالأرض التوراتية" واستحضروها، أو بالأحرى اخترعوها مهداً لحركتهم القومية الجديدة. وبحسب رؤيتهم، أصبحت فلسطين بلداً يحتله "غرباء"، ويجب استرداده منهم. وصفة "الغرباء" هنا تعني كل من لم يكن يهودياً وعاش في فلسطين منذ الحقبة الرومانية. وفي الواقع، لم تكن فلسطين، في نظر صهيونيين كثيرين عندما قدموا إليها في سنة 1882، حتى أرضاً "محتلة"، وإنما "أرضاً خالية من البشر." أما الفلسطينيون، السكان الأصليون الذين كانوا يعيشون هناك فكانوا في نظرهم، إلى حد كبير، كائنات غير مرئية، أو - إن لم يكونوا كذلك- كانوا جزءاً من عقبات الطبيعة التي يجب التغلب عليها أو إزالتها. لا شيء، لا الصخور، ولا الفلسطينيون، كان يجب أن يشكلوا عائقا في الطريق إلى "استرداد" الأرض التي اشتهتها الحركة الصهيونية وطناً قومياً لها.
وعندما أصبح الهدف الرئيسي جعل فلسطين يهودية حصراً، بدلاً من أن تكون اشتراكية، فإن الحركة العمالية داخل الصهيونية، وهذا أمر بالغ الدلالة، كانت هي التي وضعت حجر الأساس لتطهير البلد من السكان المحليين، ومن ثم قامت بالتنفيذ.
بعد ثورة 1929، بدت الحكومة العمالية في لندن كأنها تميل إلى احتضان المطالب الفلسطينية، لكن اللوبي الصهيوني نجح في إعادة توجيه الحكومة البريطانية للسير في طريق وعد بلفور. وهذا ما جعل اندلاع ثورة أخرى أمراً حتمياً. وفعلاً اندلعت الثورة في سنة 1936، وكانت ثورة شعبية قاتلت بتصميم شديد أرغم الحكومة البريطانية على حشد قوات عسكرية في فلسطين أكثر مما كان موجوداً في شبه القارة الهندية. وبعد ثلاثة أعوام، تخللتها هجمات وحشية وعديمة الرحمة على الريف الفلسطيني، نجحت القوات البريطانية في إخماد الثورة. ونفيت القيادات الفلسطينية، وحُلّت الوحدات شبه النظامية التي أدارت حرب عصابات ضد قوات الانتداب. وفي غضون ذلك اعتُقل وجرح عدد كبير من القرويين الذين شاركوا في الثورة. وقد سهّل غياب معظم القادة الفلسطينيين، وحلّ الوحدات المقاتلة الفلسطينية، على القوات اليهودية في سنة 1947 اجتياح المناطق الريفية الفلسطينية من دون أية صعوبة.
وفيما بين الثورتين، لم يهدر القادة الصهيونيون الوقت لوضع الخطط من أجل تحويل فلسطين إلى بلد يقطن فيه اليهود حصراً: أولاً في سنة 1937، بقبولهم بجزء متواضع من البلد عندما رحبوا بتوصية لجنة بيل الملكية البريطانية بتقسيم فلسطين إلى دولتين. وثانياً في سنة 1942، بتجريب استراتيجيا أكثر طموحاً، مطالبين بفلسطين كلها. ولربما تغيرت المساحة الجغرافية التي وضعوها نصب أعينهم تبعاً للوقت والأوضاع والفرص، لكن الهدف الرئيسي بقي كما هو. فالمشروع الصهيوني ما كان ليتحقق إلاّ بإقامة دولة يهودية محضة في فلسطين. ومثل هذه الدولة كان لا بد أن تكون يهودية حصراً، لا في بنيتها الاجتماعية- السياسية فحسب، بل أيضاً في تركيبتها الإثنية.
ولا يفوت المؤلف الحديث عن التسهيلات التي قدمتها السلطات الانتدابية البريطانية للحركة الصهيونية بحيث تمكنت الأخيرة من إنشاء كيان مستقل لها في فلسطين.
يتناول الفصل الثالث قرار الأمم المتحدة 181 وتداعياته وهي التقسيم والتدمير. ورغم الإيحاءات االتي يوردها المؤلف للتدليل على الإجحاف الذي لحق بحق فلسطين وسكانها الأصليين بسبب هذا القرار الجائر، إلا أنه  يرى أن هذا القرار الصادر عن الأمم المتحدة يعود إلى افتقارها للخبرة، حيث لم يكن قد مضى على تأسيسها سوى عامين. كما أن الأمم المتحدة كانت قد عهدت بمسألة مستقبل فلسطين إلى لجنة خاصة، اتضح أن أياً من أعضائها لم تكن لديه خبرة مسبقة بحل النزاعات، أو معرفة بتاريخ فلسطين. وقد قررت هذه اللجنة تبّني التقسيم مبدأً موجهِّاً فيما يتعلق بالحل المستقبلي، وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947.
ويقرّ المؤلف أنه من الواضح بأن الأمم المتحدة، بقبولها قرار التقسيم، تجاهلت كلياً التركيبة الإثنية لسكان البلد. ولو قررت الأمم المتحدة أن تجعل الأراضي التي استوطنها اليهود في فلسطين متناسبة مع حجم دولتهم العتيدة، لما كانت أعطتهم الحق في أكثر من 10% من البلد. وبذلك ثبت أن تقسيم البلد- الذي كان في أغلبيته الساحقة فلسطينياً أغلبيته الساحقة فلسطينياً- إلى جزأين متساويين تقريباً، كان حلاً كارثياً، لأنه تم ضد إرادة السكان الأصليين الذين كانوا يشكلون الأغلبية. والأمم المتحدة بإعلانها نيتها إيجاد كيانين سياسيين متساويين في فلسطين، أحدهما يهودي، والآخر فلسطيني، انتهكت حقوق الفلسطينيين الأساسية، وتجاهلت كلياً قلق العالم العربي الواسع على فلسطين في ذروة النضال ضد الاستعمار في الشرق الأوسط.
والأسوأ جداً من ذلك، كان تأثير قرار التقسيم في البلد وفي سكانه. فبدلاً من تهدئة الوضع كما كان القصد منه، فاقم التوترات، وتسبب بتدهور البلد إلى واحد من أسوأ أدوار العنف في تاريخه. فقد أتاح الرفض الفلسطيني  والعربي لخطة التقسيم لبن- غوريون والقيادة الصهيونية الادعاء أن خطة الأمم المتحدة أصبحت باطلة في اليوم ذاته الذي قُبلت فيه – ما عدا، طبعاً، البنود التي تعترف بشرعية الدولة اليهودية في فلسطين. وبحسب بن- غوريون، فإن حدودها، في ضوء الرفض العربي والفلسطيني، سوف تتعين بالقوة، لا بقرار التقسيم. وهذا ما سيحدث بالنسبة إلى مصير سكانها الفلسطينيين.
بدأت الحركة الصهيونية عمليات التطهير العرقي في أوائل كانون الأول ديسمبر 1947، وكان سكان البلد خليطاً من الفلسطينيين واليهود. وكان السكان الفلسطينيون الأصليون يشكلون أغلبية تبلغ نسبتها ثلثين في المائة من مجموع السكان، بعد أن كانت تسعين في المائة في بداية الانتداب.  
 تحدث الفصل الرابع عن بلورة الخطة الرئيسية لعملية التطهير العرقي. فالرغبة في إخلاء فلسطين من سكانها، كانت من الدعامات الأساسية للفكر الصهيوني منذ لحظة ظهور الحركة الصهيونية أول مرة على المسرح السياسي. وقد بلور بن- غوريون أفكاره في هذه المسألة بوضوح سنة 1937.
كانت الخطوة الأولى باتجاه الهدف الصهيوني المتمثل في الحصول على أكثر ما يمكن من فلسطين مع أقل عدد من الفلسطينيين، هي تحديد ما يشكل دولة قابلة للحياة بمصطلحات جغرافية. فقررت القيادة الصهيونية تحديد المساحة الجغرافية لدولتها العتيدة بناء على موقع المستعمرات اليهودية الأكثر بعداً وعزلة، إلاّ أن التزام القيادة الصهيونية بما تواطأت عليه مع الملك الأردنيين حسم أمر المساحة الجغرافية التي تطلعت إليها الحركة الصهيونية، لكن هذا الاتفاق شكّل من نواح عديدة، الخطوة الثانية في اتجاه ضمان أن تتقدم عملية التطهير العرقي من دون عوائق، إذ أنه حيّد الجيش الأقوى في العالم العربي، وحصر معركته مع القوات اليهودية في جزء صغير جداً من فلسطين.
الخطوة الثالثة، وربما الأكثر حسماً، في اتجاه ضمان تطهير عرقي ناجح، كانت بناء قدرة عسكرية ملائمة. وتم لها ذلك بحصول القوات العسكرية اليهودية، بمساعدة الحزب الشيوعي في البلد، على شحنة كبيرة من الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفيتي. فقد أراد بن- غوريون ومستشاروه أن تكون القوات المسلحة اليهودية، بما لا يدع مجالاً للشك، قوية بما فيه الكفاية كي تنفذ الخطة الرامية إلى تحقيق هدفين: الاستيلاء على معظم فلسطين، واقتلاع الفلسطينيين منها. و نشطت على هامش القوة العسكرية اليهودية الرئيسية مجموعتان متطرفتان: الإرغون المنشقة عن الهاغاناه، وعصابة شتيرن. وقد شكلت المنظمات الثلاث جيشاً موحداً، مع أنها لم تعمل بانسجام وتنسيق، وهي تتحمل مسؤولية ارتكاب عدد من الأعمال الوحشية التي رافقت عمليات التطهير.
وفي هذا الفصل، يسرد المؤلف نماذج للتطهير العرقي يبيّن فيها كيف تمت إبادة وتدمير قرىً صغيرة وادعة عن بكرة أبيها، رغم أن سكانها استمروا في زرع أراضيهم وجني محاصيلهم، ولم تبدر منهم أية مقاومة أو ممانعة للوجود اليهودي، حيث اعتبروه نوعاً جديداً من الاستعمار الذي طالما مرّ بأرضهم.
خصص المؤلف الفصل الخامس للحديث عن مخطط التطهير العرقي المعروف بالخطة دالِتْ، التي تمت مناقشة  مسودتها في شباط/ فبراير 1948، وتم وضع اللمسات الأخيرةعليها في وقت مبكر من آذار/ مارس.
تجلت طبيعة خطة دالت المنهجية والمنظمة جيداً في دير ياسين. وهي قرية هادئة ومسالمة توصلت إلى معاهدة عدم اعتداء مع الهاغاناه في القدس. لكن حُكم عليها بالهلاك لأنها كانت تقع داخل المناطق التي عينتها الخطة دالت أهدافاً للتطهير. ولأن الهاغاناه كانت وقّعت اتفاقاً مع القرية، فإنها قررت أن ترسل إليها قوات الإرغون وعصابة شتيرن، كي تعفي نفسها من أية مسؤولية رسمية. ويُذكر أنه في التطهيرات اللاحقة لـ "القرى الصديقة" تخلّت الهاغاناه عن اعتبار هذه الخدعة ضرورية.
كانت المنطقة الأولى التي اختيرت لوضع الخطة دالت موضع التطبيق، الهضاب الريفية الواقعة على المنحدرات الغربية لجبال القدس، في منتصف الطريق المفضي إلى تل أبيب. واتخذ القرار بتنفيذ عملية نحشون، التي ستشكل نموذجاً للحملات التالية: الطرد الجماعي المفاجئ الذي جرى تطبيقه سيبرهن أنه الوسيلة الأكثر فعالية للمحافظة على المستعمرات المعزولة، أو فتح الطرقات الواقعة تحت تهديد العدو، كالطريق المؤدي إلى القدس وبينما كانت الخطة دالت الرسمية تعرض على القرية خيار الاستسلام، فإن الأوامر العملانية لم تستثنِ أية قرية من التدمير والطرد مهما يكن السبب. وبذلك تحولت الخطة الرئيسية إلى أمر عسكري بالشروع في تدمير القرى. وقد اختلفت التواريخ بحسب الجغرافيا: لواء ألسكندروني، الذي سيجتاح الساحل العامر بعشرات القرى، مخلفاً وراءه قريتين فقط، تلقى أوامره مع اقتراب نيسان/ أبريل من نهايته؛ والتعليمات بتطهير الجليل الشرقي وصلت إلى قيادة غولاني في 6 أيار/ مايو 1948، وفي اليوم التالي أقدم على تطهير القرية الأولى من "منطقته"، وهي قرية الشجرة.
تلقت وحدات البالماخ أوامرها بالقيام بعملية نحشون في اليوم الأول من نيسان 1948. وكانت الهيئة الاستشارية  اجتمعت في الليلة السابقة في منزل بن- غوريون لوضع اللمسات الأخيرة على التعليمات للوحدات. كانت الأوامر واضحة: "الهدف الرئيس للعملية هو تدمير القرى العربية. . . وطرد القرويين كي يصبحوا عبئاً اقتصادياً على القوات العربية العامة".
إن ثقة القيادة اليهودية في أوائل نيسان/ أبريل بقدرتها لا على الاستيلاء على المناطق التي منحتها الأمم المتحدة للدولة اليهودية فحسب، بل أيضاً على تطهيرها، يمكن سبرها من الطريقة التي وجهت فيها الهاغاناه، مباشرة بعد عملية نحشون، اهتمامها إلى المراكز الحضرية في فلسطين. وقد هوجمت هذه المراكز بصورة منهجية خلال بقية الشهر، بينما كان موظفو الأمم المتحدة والموظفون البريطانيون يراقبون ما يجري بلا مبالاة ومن دون أن يحركوا ساكناً.
كانت طبرية أول المراكز الحضرية التي استهدفها الهجوم. فما إن وصلت أخبار دير ياسين، وأخبار المجزرة التي وقعت بعد ثلاثة أيام في 12 نيسان/ أبريل في قرية ناصر الدين، إلى السكان الفلسطينيين في طبرية، حتى هرب كثيرون منهم. وكان السكان قد أفزعهم القصف اليومي العنيف من جانب القوات اليهودية المتمركزة على الهضاب المشرفة على هذه العاصمة التاريخية القديمة الواقعة على شاطئ بحيرة طبرية، حيث كان نحو 6000 يهودي و5000 عربي يعيشون هم وأجدادهم معاً بسلام منذ عدة قرون. ولم يتمكن جيش الإنقاذ، بسبب العرقلة البريطانية، من نجدة المدينة بأكثر من ثلاثين متطوعاً. ولم يكن هؤلاء نداً لقوات الهاغاناه، التي كانت تدحرج براميل مملوءة بالمتفجرات من الهضاب إلى المدينة، وتستخدم مكبرات الصوت لإصدار أصوات مخيفة لبث الذعر في قلوب السكان- نسخة مبكرة عن اختراق الطائرات المقاتلة جدار الصوت فوق بيروت 1983 وفوق غزة في سنة 2005، الذي دانته منظمة حقوق الإنسان بصفته عملاً إجرامياً. وسقطت طبرية في 18 نيسان/ أبريل.
وقد أدى البريطانيون دوراً مشبوهاً في الهجوم على طبرية. في البداية عرضوا على السكان الفلسطينيين الحماية، لكنهم ما لبثوا أن حثوهم على التفاوض مع القوات اليهودية من أجل إخلاء عام للمدينة. أما الملك عبد الله فكان "عملياً" أكثر منهم: أرسل ثلاثين شاحنة للمساعدة في نقل النساء والأطفال. وادعى لاحقاً في مذكراته أنه كان مقتنعاً بأن مجزرة دير ياسين أخرى كانت على وشك الوقوع.
تعاون البريطانيون مع الذين قاموا بطرد السكان من طبرية. لكن دورهم سيكون أوضح، وأكثر سلبية، في الفصول التالية من تدمير المدن الفلسطينية عندما احتُلت. وهذه صورة جزئية من تطهير حيفا:
داس الرجال أصدقاءهم وداست النساء أطفالهن. وسرعان ما امتلأت القوارب في الميناء بحمولاتها البشرية. وكان الازدحام مخيفاً. وانقلب كثير منها وغرق ركابه جميعاً.
وكان آخر اتصال بين قادة حيفا وستوكويل القائد البريطاني للقوات البريطانية في حيفا، الذي كان على علم مسبق بالهجوم اليهودي الوشيك على المدينة، رسالة تُغني عن مجلدات:
"إننا نشعر بالألم والأسى الشديدين لغياب التعاطف من السلطات البريطانية في تقديم الإسعاف للجرحى مع أنها طولبت بذلك".  
والجدير ذكره أن القوات اليهودية اتبعت سياسة ارتكاب المجازر في بعض القرى، التي كانت قريبة من المراكز السكانية الحضرية كي تسرّع هروب السكان من المدن والبلدات المجاورة. وهذا ما حدث في قرية ناصر الدين القريبة من طبرية، وعين الزيتون بالقرب من صفد، وطيرة حيفا المجاورة لحيفا. وفي هذه القرى الثلاث، أعدمت الهاغاناه مجموعات من الرجال، أو بحسب تعبيرها، "ذكوراً تتراوح أعمارهم بين سن العاشرة وسن الخمسين".
وينهي المؤلف هذا الفصل بالحديث عن خيانة الأمم المتحدة، التي كان يتعيّن عليها، بموجب قرار التقسيم، أن تكون حاضرة على الأرض لتشرف على تنفيذ خطتها للسلام، أي جعل فلسطين بكاملها بلداً مستقلاً، يشتمل على دولتين متميزتين تجمعهما وحدة اقتصادية. وقد تضمن القرار الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 أوامر إلزامية واضحة جداً، منها التعهد بأن تمنع الأمم المتحدة أية محاولة من الطرفين لمصادرة أراضٍ تعود ملكيتها إلى مواطني الدولة الأخرى.

الحرب المزيفة والحرب الحقيقية على فلسطين كان عنوان الذي اختاره المؤلف للفصل السادس. أما الحرب المزيفة فهو التعبير الذي أطلقه الإنكليزي غلوب باشا رئيس هيئة أركان الفيلق العربي ( الجيش الأردني)، لأن الجيش الأردني كان أقوى الجيوش العربية، ومن شأنه أن يشكّل وقتها عدواً مرعباً للدولة اليهودية، إلاّ أنه حُيِّد منذ اليوم الأول بالذات للحرب في فلسطين بفعل التضامن الضمني الذي عقده الملك عبد الله مع الحركة الصهيونية. ولم يكن غلوب باشا مدركاً تماماً القيود التي فرضها الملك عبد الله على نشاطات الفيلق العربي فحسب، بل كان أيضاً مطلعاً على المشاورات والاستعدادات العربية العامة. وكان يعلم مثل المستشارين البريطانيين للجيوش العربية- وكانوا كثيرين- أن التحضيرات الأساسية التي كانت تقوم بها الجيوش العربية الأُخرى من أجل عملية إنقاذ في فلسطين كانت عقيمة- بعض زملائه وصفها بأنها "مثيرة للشفقة"- وهذا التقييم ينسحب أيضاً على جيش الإنقاذ. التغيير الوحيد الذي نجده في السلوك العربي العام فور انتهاء الانتداب كان في الخطاب البلاغي. طبول الحرب أصبح ضجيجها أعلى وأكثر صخباً من ذي قبل، لكنها فشلت في تغطية التقاعس والارتباك والفوضى التي كانت سائدة. قد يكون الوضع اختلف من عاصمة إلى أخرى، لكن الصورة العامة كانت واحدة. ففي القاهرة، قررت الحكومة إرسال قوات إلى فلسطين في اللحظة الأخيرة فقط، قبل يومين من نهاية الانتداب. واشتملت القوة، المكونة من 10.000 جندي التي أفرزتها الحكومة لأداء المهمة، على فرقة كبيرة، نحو 50% من عديدها من الإخوان المسلمين المتطوعين. وقد نظر أعضاء هذه الحركة السياسية- التي تدعو إلى إعادة مصر والعالم العربي إلى طرائق الإسلام التقليدية- إلى فلسطين باعتبارها ميداناً لمعركة حاسمة ضد الإمبريالية الأوروبية. لقد كان الإخوان المسلمون في الأربعينيات يعتبرون الحكومة المصرية حكومة متعاونة مع ا لإمبريالية، وعندما لجأ الأعضاء الأكثر تطرفاً بينهم إلى العنف في نشاطهم، اعتقل آلاف منهم وزجّوا في السجون. وأفرج عنهم في أيار/ مايو 1948 كي ينضموا إلى الحملة العسكرية المصرية. غير أنهم على الرغم من حماستهم، فإنهم لم يكونوا مدربين على القتال، ولا نداً للقوات اليهودية. وكانت القوات السورية أفضل تدريباً، والساسة السوريون أكثر التزاماً. لكن سورية كانت حصلت عل الاستقلال قبل أعوام قليلة فقط، في إثر انتهاء الانتداب الفرنسي. والقوات القليلة العدد التي أُرسلت إلى فلسطين كان أداؤها سيئاً إلى درجة أن الهيئة الاستشارية، حتى قبل انصرام أيار/ مايو 1948، بدأت تبحث في توسيع حدود الدولة اليهودية في الجهة الشمالية الشرقية إلى داخل سورية، بحيث تشمل مرتفعات الجولان. أما الوحدات اللبنانية، فكانت أقل عديداُ وأقل التزاماً.
وكانت القوات العراقية المكوِّن الأخير والأكثر إثارة للفضول في المجهود العربي. كان عديدها عدة آلاف، وأمرتها حكومتها باتباع الخط الموجِّّّّّّّّه الأردني، أي عدم مواجهة الدولة اليهودية، والدفاع فقط عن المنطقة المخصصة للملك عبد الله، أي الضفة الغربية.
اكتشف ضباط القوات العربية التي دخلت فلسطين أنه لم يكن هناك من ينسِّق بين الجيوش المتعددة، وذلك بسبب قرار جامعة الدول العربية تعيين الملك عبد الله قائداً أعلى لجميع القوات العربية المشاركة، وعميد عراقي كقائد تنفيذي. وبينما لم يلتفت الأردنيون إلى تلك الأيام في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 1948، التي فعلوا فيها كل ما في وسعهم لتقويض المجهود العربي العام، قدَّم الحكام الثوريون في العراق، الذين تولوا السلطة سنة 1958 عمدائهم للمحاكمة جرّاء دورهم في النكبة.
في المقابل فالحرب الحقيقية هي التي خاضتها القوات اليهودية المسلحة، التي يفوق تعدادها أعداد القوات العربية مجتمعة والمجهزة بمعدات قتالية جيدة، بالإضافة إلى أنها كانت تخوض حربها وفق خطة حربية معدة بإتقان، ناهيك عن التعبئة النفسية، حيث أقنعهم بن- غوريون بأن هولوكوست آخر ينتظرهم على يد الجيوش العربية.
تناول الفصل السابع تصاعد عمليات التطهير بعد انسحاب قوات الانتداب البريطاني، وبالتالي الإعلان عن قيام الدولة اليهودية، على الرغم من المفاوضات المستمرة التي كان يجريها وسيط الأمم المتحدة، الكونت فولك برنادوت، من أجل التوصل إلى هدنة، فقد استمر التطهير العرقي في تقدمه دون أي عائق.
ومثل عاصفة هوجاء آخذة في التفاقم، لم تعد القوات الإسرائيلية توفر أحداً في حماستها التدميرية. كما أصبحت الوسائل كلها مشروعة، بما في ذلك إحراق البيوت في حال وجود نقص في الديناميت، وإشعال النار في حقول وبقايا القرى الفلسطينية التي هوجمت. وقد جاء التصعيد في عمليات التطهير، التي كان الجيش الإسرائيلي يقوم بها، نتيجة اجتماع عقدته الهيئة الاستشارية الجديدة المصغّرة في 1 حزيران/ يونيو في غياب بن- غوريون. وأخبروه لاحقاً بأن القرويين كانوا يحاولون العودة إلى بيوتهم، ولذلك قرروا إصدار تعليمات إلى الجيش بمنعهم مهما كلف لأمر. وقد طلب بن- غوريون، من أجل ضمان عدم اعتراض الأعضاء الأكثر ليبرالية في حكومته على هذه السياسة، موافقة مسبقة عليها، وحصل على تفويض مطلق بالتصرف في 16 حزيران/ يونيو 1948.
وضع بن- غوريون بمساعدة يوسف فايتس قائمة بأسماء القرى المحتلة، ومساحة أراضيها، وعدد الناس الذين طردوا منها، وأدرج القائمة بحذافيرها في يومياته. ولم تعد لغته حذرة: " هذه قائمة بأسماء القرى المحتلة والمُخلاة من سكانها." وفي السابع من حزيران/ يونيو عقد بن- غوريون اجتماعاً في منزله مع يوسف فايتس لتقدير قيمة الأموال التي نهبت من مصارف العرب، وبيارات الحمضيات، والأملاك الأخرى التي صودرت حتى ذلك الوقت، وأقنعه وزير المالية، إليعيزر كابلان، بمصادرة جميع الأملاك الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها لمنع المشاحنات الصاخبة التي كانت على وشك أن تندلع بين الطيور الجارحة المحوّمة في انتظار الانقضاض على الغنائم.
كان الهدم جزءاً مركزياً من النشاط الإسرائيلي منذ لحظة بدء تطبيق الهدنة ( أُعلنت رسمياً في 8 حزيران/ يونيو 1948، على أن يسري مفعولها لمدة شهر، لكنها عملياً بدأت في 11 من الشهر نفسه). وقد قام الجيش الإسرائيلي خلالها بعمليات تدمير هائلة لعدد من القرى التي تم طرد سكانها.
أبدت قرى الجليل شجاعة في مواجهة القوات اليهودية، وقاومت القوات المتقدمة بقوة أشد. وكان ذلك أحد أسباب بقاء قرى فلسطينية في الجليل الأعلى قائمة حتى اليوم. ومن سخريات القدر ن جزءاً من الأراضي التي أُخذت بالقوة في سنة 1948 بقي مهجوراً عقوداً من الزمن، بل حتى كان يزرعه فلسطينيون يعيشون في الجوار، إلى أن صودر مرة أخرى في السبعينيات في سياق ما تدعوه إسرائيل تهويد الجليل".
إنجاز مهمة التطهير العرقي تناولها الفصل الثامن. وفيه يعتبر المؤلف أنه في الأسبوعين الأولين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1948، إضافة إلى القتال البطولي لإنقاذ وادي عارة، من الفصول المثيرة للإعجاب في تاريخ المقاومة الفلسطينية خلال فترة النكبة. فقد ألقى سلاح الجوّ الإسرائيلي 10.000 منشوراً تدعو السكان إلى الاستسلام، من دون وعد بحصانة ضد الطرد. لكن أياً من القرى لم تستسلم، وانبرت جميعاً ككل واحد تقريباً لمجابهة القوات الإسرائيلية.
وهكذا، لفترة وجيزة، ولأول مرة منذ بدأ التطهير العرقي، وفي تحدٍّ شجاع للقوة الإسرائيلية المتفوقة بما لا يقاس، تحولت القرى إلى معاقل وقفت صامدة في وجه القوات الإسرائيلية التي حاصرتها. تخندق خليط من شبان محليين وبقية من جنود جيش الإنقاذ في مواقعهم لمدة أسبوع أو أسبوعين، وقاتلوا بأسلحتهم القليلة، إلى أن تغلب عليهم المهاجمون بقوتهم الطاغية. دافع خمسون رجلاً من هؤلاء الشجعان عن رميش؛ ودافع آخرون عن دير القاسي، ولم يكن معظمهم هنا في الحقيقة من المحليين، وإنما كانوا لاجئين من صفورية، أخذوا على أنفسهم عهداً بألاّ يُطرَدوا مرة أخرى. وكان يقودهم رجلاً من جيش الإنقاذ يدعى أبو حمود. ولسوء الحظ، لا يتوفر سوى القليل من أسماء هؤلاء الضباط الشجعان، وهي موجودة في ملفات جهاز الاستخبارات الإسرائيلي وفي التواريخ الشفهية، مثل أبو ابراهيم الذي دافع عن كفر مندا، والضباط العراقيين الذين ورد ذكرهم في الحديث عن حملة وادي عارة. وهؤلاء وغيرهم- حسب المؤلف- يجب أن تُدوّن مآثرهم في سجل التاريخ الفلسطيني، بل العالمي، بصفتهم أبطالاً، فعلوا كل ما في وسعهم لمنع حدوث التطهير العرقي. إن إسرائيل والغرب عامة، يشيران إليهم بصيغة المجهول والجمع كمتمردين أو إرهابيين عرب- كما كانا يشيران إلى الفلسطينيين الذين قاتلوا في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية حتى الثمانينيات من القرن الماضي، وكما يشيران إلى الآخرين الذين قادوا الانتفاضة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة في سنة 1987 وسنة 2000. ولا يساور المؤلف أي ظن في أن هذا الكتاب يمكن أن يغيّر واقعاً يشيطن شعباً استُعمر، وطُرد واحتُلت أراضيه، ويمجّد بالذات من استعمَر، وطرَد، واحتَلَّ أراضي الشعب الآخر.
هذه الحفنة من المقاتلين كان من المحتم أن تُهزم بعد تعرضها لقصفٍ كثيف من الجوّ وهجمات برية عنيفة. وقد انسحب متطوعو جيش الإنقاذ أولاً، ومن ثم قرر القرويون المحليون الاستسلام، على الأغلب من خلال توسط الأمم المتحدة. لكن ما يميّز هذه المرحلة من النكبة هو انسحاب المتطوعين، الذين كانوا أمضوا وقتها عشرة أشهر في فلسطين، جرى بعد أن قاتلوا بعناد دفاعاً عن القرى، وفي معظم الأحيان خلافاً لأوامر قياداتهم لهم بالانسحاب. وقد قضى أربعمئة متطوع نحبه في تلك الأيام من تشرين الأول/ أكتوبر. وفي هذا الشهر اكتسبت كلمة التطهير معنى جديداً. فقد كانت لا تزال تعني، كما في السابق، الطرد الكلي وتدمير القرية. لكن كان يمكن أن تعني أيضاً إجراءات أُخرى، كعمليات تفتيش وطرد انتقائي.
وقد عمدت القوات الإسرائيلية في البداية إلى ترحيل المسيحيين بشكل روتيني مع المسلمين إلى خارج البلد، إلاً أنها في وقت لاحق بدأت بنقلهم مع المسلمين إلى معسكرات انتقالية في المناطق الساحلية الوسطى. لكن نادراً ما كان المسلمون يبقون في تشرين الأول/ أكتوبر طويلاً في تلك المعتقلات، إذ كانوا ينقلون_ على حد تعبير لجيش الإسرائيلي- إلى لبنان. أما المسيحيون فكانت تُعرَض عليهم صفقة مختلفة: في مقابل قَسَم الولاء للدولة اليهودية، كان يُسمح لهم بالعودة إلى قراهم لفترة قصيرة. ويُسجَّل لهم أن معظمهم رفض المشاركة في عملية انتقائية من هذا النوع. وكانت النتيجة أن الجيش الإسرائيلي سرعان ما عاد إلى معاملة القرى المسيحية التي لا يوجد فيها دروز بالطريقة نفسها التي كانت تُعامل بها القرى الإسلامية.
في تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر، استمرت نشاطات التطهير العرقي في الجليل، لكنها اتخذت شكلاً دعاه الإسرائيليون "عمليات التخلص ممن تبقى". وكانت هذه في الجوهر "إعادة نظر"القصد منها تطهير قرى لم تُستهدف في الأصل.
تنوعت الأساليب التي اتُبعت في عمليات التطهير في شتاء 1948. وكانت حالة إقرت وقرية كفر برعم المجاورة من الأمثلة القليلة المعلنة التي قرر السكان فيها أن يخوضوا معركة طويلة الأمد بحثاً عن الإنصاف من خلال المحاكم الإسرائيلية. فالقرويون، لأنهم مسيحيون، سُمح لهم بالبقاء في البلد، لكن ليس في قريتهم. غير أنهم لم يستسلموا، وبدأوا كفاحاً قانونياً طال أمده، من أجل حقهم في العودة إلى قريتهم، مطالبين باحترام وعد الجيش لهم. وها قد مضى ستون عاماً تقريباً وما زالوا يواصلون كفاحهم لاسترداد حياتهم المسروقة.
ركزت عمليات التطهير العرقي الرئيسية في نهاية 1948 على تطبيق سياسة إسرائيل المعارضة لعودة اللاجئين إلى مواطنهم. وتجلى ذلك في مستويين: المستوى الأول قومي، ودشنه قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في آب/ أغسطس 1948 قضى بتدمير جميع القرى التي تم إخلاؤها وتحويلها إلى مستعمرات يهودية، أو إلى غابات "طبيعية". والمستوى الثاني دبلوماسي، انصب الجهد فيه على تفادي الضغط الدولي المتنامي على إسرائيل للسماح بعودة اللاجئين. وكان الاثنان مرتبطان أحدهما بالآخر، إذ سرّعت إسرائيل عمداً عملية التدمير والهدم لتحقيق هدف محدد هو تفادي أي بحث في موضوع عودة اللاجئين إلى بيوتهم باعتبار أن هذه البيوت لن تكون موجودة.
ومن الجدير ذكره أن بن- غوريون في هذه الفترة، كان أجرى مناقشات تتعلق بالخطط المستقبلية، بما في ذلك ضرورة احتلال الجنوب اللبناني والضفة الغربية، مع لجنة مؤلفة من خمسة أشخاص، إلا أن هذه اللجنة لم توافقه بحجة أن الحصول على الأرض يستدعي الحصول على سكانها، ولم يعد بالإمكان إجراء عمليات تطهير كالتي قاموا بها في المناطق التي احتلوها. ومع ذلك فإن الجنوب اللبناني شهد عملية تطهير عرقي.
كانت خطط الاستيلاء على الجنوب اللبناني مبنية على تقارير استخباراتية تفيد بأن ليس لدى اللبنانيين خطط هجومية، وإنما خطط دفاعية فقط. وقد احتلت القوات الإسرائيلية ثلاث عشرة قرية في الجنوب اللبناني، ووجدت بين أيديها عدداً كبيراً ممن سمتهم "أسرى حرب"- خليطاً من قرويين وجنود – أكثر مما تستطيع التعامل معهم. وبالتالي نُفّذت هنا أيضاً عمليات إعدام ففي 31 تشرين الأول/أكتوبر 1948، أعدمت القوات اليهودية أكثر من ثمانين قروياً في قرية حولا وحدها، بينما قتلت في قرية الصالحة أكثر من مئة شخص. وقد أحيل إسرائيلي واحد، شموئيل لاهيس، الذي أصبح لاحقاً المدير العام للوكالة اليهودية، على محكمة عسكرية وقتها لأنه أعدم بمفرده خمسة وثلاثين شخصاً.
ومن الوقائع الهامة في حملة التطهير العرقي في فلسطين، يتناول المؤلف مجزرة الدوايمة التي لم يتم تسليط الضوء عليها، رغم أن ما جرى لها ربما كان أسوأ ما حدث في تاريخ الأعمال الوحشية التي ارتكبت خلال النكبة, وقد ورد ذكر هذه المجزرة في تقرير للأمم المتحدة مؤرخ في 14 حزيران/ يونيو 1949. كما أكد الكاتب الإسرائيلي عاموس كينان، الذي شارك في المجزرة حقيقة وقوعها، وقد راح ضحيتها 455 شخصاً بينهم 170 طفلاً وامرأة.
وصف الجنود اليهود الذين شاركوا في المجزرة مشاهد تقشعرّ لها الأبدان: أطفال رضع حطُّمت جماجمهم، ونساء اغتصبن أو أحرقن داخل بيوتهن، ورجال طعنوا حتى الموت. ولم تكن هذه روايات  قيلت بعد أعوام، وإنما روايات شهود عيان في تقارير رفعت إلى القيادة العليا خلال أيام قليلة من وقوع الحدث. وكان ذلك نتيجة لأمر تلقاه قائد الكتيبة 89 في اللواء الثامن من رئيس الأركان يغئيل يادين: "يجب أن تتضمن استعداداتك حرباً نفسية ومعالجة أمر المواطنين كجزء لا يتجزأ من الخطة."
كانت مجزرة الدوايمة آخر مجزرة كبيرة ارتكبتها القوات الإسرائيلية في سنة 1956، عندما قتلت تسعة وأربعين قروياً من قرية كفر قاسم، التي منحتها لإسرائيل اتفاقية الهدنة مع الأردن.
والنتيجة أن التطهير العرقي ليس إبادة عرقية، لكنه ينطوي على أعمال وحشية وقتل جماعي ومجازر. آلاف الفلسطينيين قُتلوا بوحشية ومن دون رحمة بأيدي جنود إسرائيليين من خلفيات ورتب وأعمار متعددة. وأياً منهم لم يحاكم على ارتكابه جرائم حرب رغم الأدلة الوافرة.
في الفصل التاسع يتناول المؤلف الاحتلال ووجهه القبيح، حيث استمرت أعمال التنكيل بالفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم. إذ أمضى نحو 8000 شخص سنة 1949 بكاملها في المعتقلات، وعانى آخرون جراء الاعتداء عليهم جسدياً في المدن. وتعرّضت أعداد كبيرة من الفلسطينيين للمضايقة بطرق متعددة تحت الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل عليهم. واستمر نهب بيوتهم، وصودرت حقولهم، ودُنست أماكنهم المقدسة، وانتهكت إسرائيل حقوقهم الأساسية، كالحق في حرية الحركة والتعبير، والحق في المساواة أمام القانون، وهو أمر لا يزال مستمراً حتى اليوم.
كان من المناظر المألوفة في الريف الفلسطيني في أعقاب حملة التطهير العرقي، معتقلات ضخمة احتُجز فيها القرويون الذكور من السنة العاشرة إلى سن الخمسين، بعد أن جرى فرزهم في عمليات "التفتيش والاعتقال التي صارت روتينية. وهذه صور من الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
1- سجل محمد نمر الخطيب، وهو أحد الناجين من الطنطورة في كتابه الشهادة التالية عما جرى له في أحد المعتقلات الإسرائيلية:
كنا ثلاثمئة رجل، والقبو لا يتسع لنا ونحن وقوف مهما التصقنا ببعضنا. وبقينا على هذه الحال ثلاثة أيام كاملة لم نذق فيها شيئاً من الطعام. من هنا أبت على الصهاينة ديمقراطيتهم! إلاّ إشباع الرؤوس المرفوعة ضرباً وتنكيلاً، فجرى الدم وتلطخت الثياب. وصلنا المعسكر الجديد وإذا هو بقايا قرية أم خالد المحتلة. 
2- بعد شهرين من احتلال الإسرائيليين يافا اكتشف مندوبو الصليب الأحمر كومة من الجثث. فطلبوا عقد اجتماع عاجل مع حاكم يافا العسكري، الذي اعترف لمندوب الصليب الأحمر، السيد غوي، بأن أصحابها ربما قتلهم جنود إسرائيليون لأنهم لم يلتزموا الأوامر.
3- كان الموظفون الذين نهبوا مخازن الأغذية هم أنفسهم الذين وعدوا سكان حيفا الفلسطينيين وسكان المدن الأخرى المحتلة أن مراكز مجتمعهم، وأماكنهم المقدسة، والمؤسسات المدنية لن تنهب أو تسرق. لكن الناس سرعان ما اكتشفوا أن هذا كان وعداً مخادعاً عندما دُنّست جوامعهم وكنائسهم وخُرّبت أديرتهم ومدارسهم. وقد رفع الكابتن ف. مارشال، أحد مراقبي الأمم المتحدة، وقد تملكه اليأس تقريراً إلى منظمته جاء فيه أن"اليهود خرقوا مراراً وتكراراً التعهدات التي قدمتها السلطات اليهودية عدة مرات باحترام المباني التابعة للجماعات الدينية."
4- كشفت الذاكرة الشفهية عن حالات اغتصاب عديدة خلال احتلال القرى الفلسطينية، بدءاً بقرية الطنطورة في أيار/ مايو، مروراً بقرية قولة في حزيران/ يونيو، وانتهاء بقصة بعد أخرى من قصص الاعتداء والاغتصاب في القرى التي احتُلت في عملية حيرام. وقد وثّق موظفو الأمم المتحدة كثيراً من الحالات بعد أن أجروا مقابلات مع عدد من نساء القرى اللواتي أبدين استعدادهن للتحدث عما جرى لهن.
أما عن تقسيم الغنائم: فقد سارع بن غوريون إلى تكثيف توطين المهاجرين اليهود في الأراضي المصادرة والبيوت المفرغة من أصحابها. وعندما اعترض شاريت وكابلان، لتخوفهما من الإدانة الدولية لأفعال كهذه، عيّن بن- غوريون هيئة أشبه بعصبة سريّة، سرعان ما عمدت إلى تشجيع مئات الآلاف من اليهود المهاجرين من أوروبا والعالم العربي على الاستيلاء على البيوت الفلسطينية المتروكة في البلدات والمدن، وعلى بناء مستعمرات على أنقاض القرى التي طُرد سكانها. 
ومن أجل استباق الغضب الدولي من الاستيلاء الجماعي على الأملاك المكتسبة حديثاً، عيّنت الحكومة "قيماً" عليها ريثما يتم اتخاذ قرار نهائي بشأنها. ثم ما لبث بن- غوريون أن عيّن دانين وفايتس كلجنة من شخصين لتتخذ جميع القرارات النهائية فيما يتعلق بالأملاك الفلسطينية والأرض؛ وهي قرارات كانت سمتاها الرئيسيتان التدمير والمصادرة. 
محو ذكرى النكبة هو ما أظهره الفصل العاشر، حيث قام كل من الصندوق القومي اليهودي، بصفته مالكاً أراضي على وجه العموم، ومع جهات أخرى تملك أراضٍ تابعة للدولة، مثل سلطة أراضي إسرائيل والجيش والحكومة، ضالعاً في إنشاء مستعمرات يهودية جديدة على أراضي القرى الفلسطينية المدمرة. وهنا رافقت عملية الطرد إعادة تسمية الأراضي التي احتُلت ودمرت، وأعيد الآن تكوينها. وقد أُنجزت هذه المهمة بمساعدة خبراء بعلم الآثار والعلوم التوراتية تطوعوا للعمل في لجنة التسميات الرسمية التي كانت مهمتها عبرنة جغرافية فلسطين.
ولم تكن الحماسة الأركيولوجية لاإعادة إنتاج خريطة إسرائيل"القديمة"، في الجوهر، سوى محاولة "معرفية"، سياسية وعسكرية منهجية، لإزالة الطابع العربي عن البلد- الأسماء والجغرافيا، وقبل كل شيء التاريخ.
عندما شرع الصندوق القومي اليهودي في إنشاء حدائقه العامة في مواقع القرى العربية المقتلعة، قرر نوعية الأشجار التي ستُغرس فيها وهي الصنوبريات في الدرجة الأولى، بدلاً من النباتات الطبيعية الملائمة لمناخ فلسطين. وكان ذلك جزئياً محاولة لإضفاء مظهر أوروبي على البلد، مع أن هذا لا يظهر كهدف في أية وثيقة رسمية. إنما، بالإضافة إلى ذلك، كان القصد من اختيار أشجار الصنوبر والسرو- وهذا تم ذكره بصراحة- تدعيم صناعة الخشب الطموحة في البلد.
واندمجت بسرعة الأهداف الثلاثة المتمثلة في إبقاء البلد يهودياً، وأوروبي المظهر، وأخضر، في هدف عريض واحد. وهذا السبب في أن الغابات في أرجاء إسرائيل اليوم تحتوي على 11% فقط من أنواع النباتات الأصلية، وفي أن مجرد 10% فقط من إجمالي الغابات يرجع إلى ما قبل 1948. وفي بعض الأحيان تعود الأشجار الأصلية إلى الظهور بطرق مذهلة. لم تُزرع أشجار الصنوبر فوق البيوت المهدمة فحسب، بل في الحقول وكروم الزيتون أيضاً. ففي بلدة التطوير الجديدة مغدال هعيمك، على سبيل المثال، بذل الصندوق القومي اليهودي كل ما في وسعه لتغطية خرائب قرية المجيدل الفلسطينية، الواقعة عند مدخل المدينة الشرقي، بصفوف من أشجار الصنوبر، لم تشكل في هذه الحالة غابة وإنما مجرّد حرج صغير. ويمكن رؤية مثل هذه "الرئات الخضر" في كثير من مدن التطوير الإسرائيلية التي تغطي القرى الفلسطينية المدمرة( طيرات هكرمل فوق طيرة حيفا، كريات شمونة فوق الخالصة، أشكلون فوق المجدل، إلخ.). لكن هذا النوع من الشجر فشل في التأقلم مع تربة المجيدل. وعلى الرغم من المعالجات المتكررة، فقد ظلت الأشجار تصاب بالأمراض. وقد أخبر أقرباء بعض سكان قرية المجيدل الأصليين، زاروا القرية في وقت لاحق، كيف أن بعض أشجار الصنوبر انشق نصفين، وبرز وسط الجذوع المنشقة أشجار زيتون متحدية الأشجار الغريبة التي غرست فوقها قبل ستة وخمسين عاماً.
وعلى الرغم من هذه التغطية المتعمدة للتاريخ، يختم المؤلف هذا الفصل، فإن مصير القرى المدفونة تحت حدائق التنزه والاستجمام في إسرائيل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل العائلات الفلسطينية التي كانت تعيش فيها ذات مرة، والتي لا تزال إلى الآن، بعد ستين عاماً تقريباً، تعيش في مخيمات للاجئين، أو بعيداً في الشتات.
ويبقى حلّ مشكلة اللاجئين المفتاح لأي تسوية عادلة ودائمة للنزاع في فلسطين. ولا يزال الفلسطينيون، بعد ستين عاماً تقريباً، صامدين كأمة في مطالبتهم بالاعتراف بحقوقهم المشروعة، وقبل كل شيء حق العودة، الذي كفلته لهم الأمم المتحدة أصلاً في سنة 1948. ولا يزالون مستمرين في مواجهة سياسة الإنكار الرسمية الإسرائيلية ورفض قبول حقهم في العودة، والتي يبدو أنها أصبحت أكثر تشدداً بمرور الوقت.
هناك عملان نجحا حتى الآن في تبديد جميع الفرص للتوصل إلى حلّ عادل للنزاع في فلسطين، حسب المؤلف: أيديولوجيا التفوق العرقي الصهيونية، و"عملية السلام". وهما عقبتان تخلدان مشكلة اللاجئين وتقفان في طريق حلول سلام عادل وشامل في البلد.
إنكار النكبة وعملية السلام هو عنوان الفصل الحادي عشر. وفي هذا الفصل يبيّن المؤلف كيف استُبعدت قضيتا النكبة واللاجئين دائماً عن جدول أعمال السلام . ولفهم ذلك يجب سبر عمق مستوى إنكار إسرائيل المستمر حتى الآن للجرائم التي ارتُكبت في سنة 1948، وربطه بوجود إحساس حقيقي بالخوف من ناحية، ومشاعر عنصرية عميقة الجذور تجاه العرب من ناحية أخرى، وكلاهما يجري التلاعب به بشدة.
ورغم إخفاق الأمم المتحدة سنة 1948، فقد بقي لديها شيء من الطاقة في السنتين التاليتين للنكبة لمحاولة معالجة قضية فلسطين؛ حيث بادرت إلى سلسلة من الجهود الدبلوماسية التي أملت بأن تتوصل من خلالها إلى إحلال السلام في البلد، تُوّجت بمؤتمر للسلام في لوزان بسويسرا، في ربيع سنة 1949. وقد عقد المؤتمر على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194، وركّز على الدعوة إلى حق اللاجئين في العودة.  ففي نظر هيئة الوساطة التابعة للأمم المتحدة، لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين، كانت عودة اللاجئين غير المشروطة أساس السلام، مع الحل القاضي بإيجاد دولتين يُقسَّم البلد بينهما مناصفة وتدويل القدس. وقد قبل الجميع هذه المقاربة الشاملة: الولايات المتحدة والأمم المتحدة، والعالم العربي، والفلسطينيون، ووزير خارجية إسرائيل شاريت. لكن المحاولة نُسفت من جانب رئيس حكومة إسرائيل دافيد بن- غوريون، وملك الأردن عبد الله، الذين كانا مصممين على اقتسام ما بقي من فلسطين. وقد أتاحت سنة انتخابات أميركية وبداية الحرب الباردة في أوروبا لهذين الاثنين النجاح في مسعييهما وتأكيد دفن فرص السلام مرة أخرى. وهكذا أحبطا المحاولة الوحيدة في تاريخ النزاع لاتباع مقاربة شاملة من شأنها أن تؤدي إلى إحلال سلام حقيقي في فلسطين/ إسرائيل.
في أواسط 1949 تدخلت الأمم المتحدة لمحاولة التعامل مع النتائج المرة التي نجمت عن خطة السلام التي أقرتها في سنة 1947. وكان واحداً من أول القرارات المضللة عدم إشراك منظمة اللاجئين الدولية، وإنما إنشاء وكالة خاصة للاجئين الفلسطينيين. وكانت إسرائيل والمنظمات اليهودية في الخارج وراء القرار بإبقاء  منظمة اللاجئين الدولية خارج الصورة، إذ كانت هذه المنظمة بالذات هي التي ساعدت اللاجئين اليهود في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، وكانت المنظمات الصهيونية حريصة جداً على منع أي شخص من أن يقيم ارتباطاً أو مقارنة بين الحالتين، ناهيك عن أن هذه المنظمة كانت توصي دائماً بالعودة كخيار أول يحق للاجئين ممارسته.
وبعد حرب 1967، قامت وفود بريطانية وفرنسية وسوفياتية في الأمم المتحدة بمبادرات  بهدف إحلال السلام، لكن سرعان ما تسلم الأمريكيون الزمام في سياق محاولة ناجحة من جانب الولايات المتحدة لإبعاد الروس عن جميع جداول الأعمال الخاصة بالشرق الأوسط. وكان كل ما قدمه الإسرائيليون على أنه مقترحات سلام يُقبل دائماً كأساس للسلام الأميركي الهابط على منطقة الشرق الأوسط.
بعد 1967 وضعت إسرائيل ثلاثة خطوط موجِّهة جديدة للتوصل إلى تسوية، أولها أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يرجع في أصله إلى سنة 1967, وثانيها أن كل شيء مرئي في الضفة والقطاع يمكن تقسيمه أكثر مرة أخرى. وثالثها أن لاشيء مما حدث قبل سنة 1967، بما في ذلك النكبة والتطهير العرقي، يمكن التفاوض في شأنه.
وضمن هذه الخطوط الموجهة  جرت التسوية مع مصر، كما جرت محاولة للتسوية مع الأردن، إلاّ أن الملك حسين  اعتبر الحصة المخصصة له غير كافية. إذ كان مثل جده يريد الضفة الغربية بأسرها، بما في ذلك القدس الشرقية. وجرى إعادة ربط وتوضيح بديهيات إسرائيل بشأن "السلام" خلال أيام يتسحاق رابين، الذي ضغط في سنة 1994 من أجل توقيع اتفاق أوسلو (ب)، الذي حبس الفلسطينيين في الضفة الغربية داخل عدة بانتوستانات.
في صميم مساعي رابين السلمية كان يقف اتفاقا أوسلو اللذان بدآ تدحرجهما في أيلول/ سبتمبر 1993. وهنا مرة أخرى، كان التصور وراء العملية صهيونياً: كانت النكبة غائبة تماماً، وتم تحاشي قضية اللاجئين. وقد وجدت حركة السلام شريكاً فلسطينياً في شخص ياسر عرفات مستعداً لسلام يدفن حرب 1948 وضحاياها.
اختار المؤلف "إسرائيل القلعة" عنواناً للفصل الأخير يختم فيه كتابه. وخصصه للحديث عن " المشكلة الديمغرافية" الناجمة عن استمرار وجود فلسطينيين في إسرائيل. فمن اليسار إلى اليمين، أبرزت برامج جميع الأحزاب الصهيونية خلال الحملة الانتخابية في سنة 2006 سياسات ادعت أنها ستجابه مجابهة فعالة "المشكلة الديمغرافية" التي يضع الوجود الفلسطيني في إسرائيل الدولة في مواجهتها. وقرر أرييل شارون أن الانسحاب من غزة هو أفضل حل لها، بينما أيد حزب العمل الجدار الفاصل معتبراً إياه  الطريقة المثلى لضمان أن يبقى عدد الفلسطينيين في إسرائيل محدوداً. وكان للمجموعات غير البرلمانية أيضاً وصْفاتها المفضلة لكيفية التعامل مع "المشكلة الديمغرافية".
وباستثناء عشرة أعضاء يمثلون الأحزاب الفلسطينية، وعضوين يهوديين أشكنازيين متعصبين غريبي الأطوار، فإن جميع أعضاء الكنيست الجدد وصلوا إلى الكنيست بفضل الوعد أن وصْفتهم السحرية ستحل "المشكلة االديموغرافية" مرة وإلى الأبد.
ثمة نقطة هامة يثيرها الكاتب بهذا الصدد تتمثل بأن إسرائيل نجحت بعد 11/ 9 في جعل الغرب يفكر في "العرب" في إسرائيل والفلسطينيين في المناطق المحتلة كـ "مسلمين"، ومن يومها وجدت من السهل عليها الحصول على تأييد لسياستها الديموغرافية هناك أيضاً، وبالتأكيد في مقر الكونغرس الأميركي.وقد نشرت الصحيفة الأكثر شعبية في إسرائيل وهي معاريف في 2 شباط/ فبراير 2003 مقالة تعكس بصورة نموذجية المزاج الجديد، تحت العنوان الرئيسي التالي" "ربع الأطفال في إسرائيل مسلمون." ووصفت المقالة هذه الحقيقة بأنها "القنبلة الموقوتة" التالية. فالزيادة الطبيعية لم تعد فلسطينية، وإنما أصبحت "مسلمة"- 2,4% سنوياً- ولم تعد توصف بأنها مشكلة، وإنما "خطر".
إن هدف المشروع الصهيوني كان دائماً بناء قلعة"بيضاء" (غربية) في عالم "أسود" (عربي)، والدفاع عنها. ويكمن في صميم رفض السماح للفلسطينيين بممارسة حق العودة خوف اليهود الإسرائيليين من أن يتفوق العرب عليهم عددياً في النهاية. ويثير هذا التوقع- أن تصبح قلعتهم مهددة- مشاعر قوية إلى درجة أن الإسرائيليين لم يعد يهمهم، كما يبدو، أن يدين العالم بأسره أفعالهم.
يدل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في أيار/ مايو 2000، ومن قطاع غزة في آب أغسطس 2005، على أن الحكومة الإسرائيلية انتقلت إلى التركيز على الجوانب التي تعتقد أنها الأجدى في الحفاظ على مناعة القلعة: القدرة النووية، والدعم الأميركي غير المشروط، وجيش قوي. وعادت البراغماتية الصهيونية إلى الظهور في سياسة ستعيّن أخيراً حدود الجيب. وبموجب القانون الدولي، لا تستطيع أي دولة أن تعين حدودها من جانب واحد، لكن هذه فكرة لا يمكن أن تخترق جدران القلعة السميكة. والإجماع في إسرائيل الراهنة هو على دولة تشتمل حدودها على 90% من فلسطين، شرط أن تحاط أراضيها بسياجات مكهربة وجدران ظاهرة وغير ظاهرة. 
وفي الخاتمة يقول المؤلف: ليس اليهود في إسرائيل جميعهم عمُياً عن أشلاء القتلى الذين كانوا ضحايا جيشهم في سنة 1948، ولا كلهم صمّ عن صرخات المطرودين والجرحى والذين تعرضوا للتعذيب والاغتصاب، التي مازال تصلنا من خلال الناجين، ومن خلال أبنائهم وأحفادهم. وفي الواقع، أصبحت أعداد أكثر فأكثر من الإسرائيليين مدركة حقيقة ما جرى سنة 1948، وتفهم تماماً المضامين الأخلاقية للتطهير العرقي الذي اجتاح البلد. وتدرك أيضاً مخاطر إعادة تفعيل برنامج التطهير في محاولة يائسة للمحافظة على الأغلبية اليهودية المطلقة.
وبين هؤلاء نجد الحكمة السياسية التي افتقدها، ويفتقر إليها كلياً، جميع وسطاء السلام الذين سعوا في الماضي ويسعون حالياً لحل الصراع. ويعي هؤلاء تماماً أن مشكلة اللاجئين تقف في صميم الصراع وأن مصير اللاجئين محوري لأي حلّ لديه فرصة للنجاح.
إيلان بابه، التطهير العرقي في فلسطين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، الطبعة الأولى، 2007.