الفلسطينيون في الكويت وأزمة الخليج

بقلم: توفيق أبو البكر

      " موقف الفلسطينين من أزمة الخليج، هو واحد من أهم أحداث الأزمة، التي تحتاج إلى تفسير في العمق، وتحتاج لمراجعة قاسية على ضوء الحصاد والنتائج ".
هذا ما يقوله المؤلف في مقدمة الكتاب، وفي معرض تبريره للتأخير المعتمد في إصدار الكتاب، وذلك لارتباط الأمر بالحدث السياسي العاصف نفسه، ألا وهو أزمة الخليج، وبثورة الانفعالات التي رافقتها،وبالتالي، لابد من المرور في فترة من الوقت لاستقاء أكبر قدر من الحقائق والمعلومات تعين على البحث والتدقيق، إضافة إلى أن المؤلف نفسه كان من بين الذين عانوا من الأزمة، حيث عاش ردحاً من الزمن في الكويت، وأنشأ علاقات جيدة و قوية مع مثقفي الكويت والعراق على حد سواء، ولذلك آثر التريث ريثما تنجلي المؤثرات العاطفية والمعاناة الشخصية كيما تؤثر على سير التحليل.
يهدف الكاتب إلى توثيق تجربة الفلسطينيين الذين عاشوا نصف قرن من الزمان فوق أرض الكويت، والتعرف على خلفيات العلاقة الفلسطينية الكويتية قبل نشوب الأزمة- الكارثة، وقراءة الموقف الفلسطيني من الأزمة على الصعيدين الرسمي والشعبي، مع تحليل الأسباب والدوافع لكل من السلبيات والإيجابيات، والأهم- حسب رأي المؤلف- هو ضرورة البحث في داخل المأساة عن إمكانات تجاوز الكارثة لإقامة علاقات شعبية متوازنة بين الفلسطينيين وشعوب منطقة الخليج، التي اهتزت فكرة إيمانها بالعروبة والمصير الواحد، لفترة من الوقت.
يقع الكتاب في خمسة فصول، يتناول الفصل الأول منها ثلاثة موضوعات: الفلسطينيون في الكويت قبل الاستقلال، والعلاقات الفلسطينية الكويتية، ومخاوف الكويت من توطين الفلسطينيين.
يقول المؤلف في الصفحة السادسة من الكتاب: " يعود بدء الوجود الفلسطيني في الكويت إلى عام 1963، حين ذهبت أول بعثة تعليمية من فلسطين إلى تلك الإمارات بقرار من مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وقد ضمت تلك البعثة الطلائع الأولى من المدرسين الفلسطينيين الذين تدفقوا بعد ذلك، وخاصة في عقد الستينات، إلى بلد اللبن والعسل، كما تصوروها، وكما كانت كذلك بالفعل لدى الكثيرين منهم. كانت رواتب أفراد تلك البعثة على حساب الهيئة العربية العليا في فلسطين، إذا لم يكن النفط قد تفجر على أراضي تلك الإمارة. ويذكر الأوفياء من الكويتيين، وهم كثيرون، تلك البداية الطيبة الخالية من المنفعة المادية. غالبية رجالات الدولة في الكويت حالياً تعلموا الحرف الأول على يد هذه الصفوة المختارة من أبناء شعب فلسطين، والذين شاركوا أبناء الكويت منذ الثلاثينات شظف العيش و قسوة الحياة في تلك العهود الغابرة ".
ويواصل المؤلف ربط الأحداث الفلسطينية الكبرى باكتشاف النفط في الإمارة وتدفق الهجرة الفلسطينية إليها، ففي العام 1948، تحطم المجتمع الفلسطيني جراء النكبة، وبدأ آلاف الشباب البحث عن عمل، فكانت الكويت وجهتهم لحاجاتهم الواسعة للعمالة في أعقاب اكتشاف النفط.
أعوام الخمسينات والستينات شهدت قصصاً ملحمية من الكفاح في سبيل الحياة وتأمين لقمة العيش، يقول المؤلف (ص10 من الكتاب): " والتحليل الذي يعيد موقف هذه الفئة، وغيرها من الفئات، لأسباب مادية بحتة، ويرى أن الكويت هي صاحبة الفضل إذ أطعمت هؤلاء الناس من جوع، وأمنتهم من خوف، ووفرت فرص الثراء للبعض منهم، هو تحليل قاصر عن رؤية كافة جوانب الموضوع، وجذوره وتعقيداته، فالإنسان يدافع عن مصالحه بطبيعة الحال، وليس في ذلك أي عيب، والمبادئ هي في النهاية مجموعة من المصالح لطبقة أو تحالف فئات اجتماعية، ترى اعتناق ذلك المبدأ مصلحة مباشرة لها في نهاية المطاف. ووقوف الكويتيين صفاً واحداً ضد ضم العراق لوطنهم، لا يعود فقط لإحساسهم الوطني العميق، والذي لاشك في صدقه، بل يعود أيضاً لمصالحهم التي تتضرر بشكل واسع من جراء ذلك، وهذا ما يفسر وقوف " القوميين " في الكويت ضد الاحتلال العراقي، وبعنف وصوت أعلى من الآخرين، فذلك لا يجد تفسيره في أسلوب الضم القسري فقط، ولا يجد تفسيره في رفض النموذج العراقي للحكم، الذين كانونا يعتزلون به ليل نهار. لقد قاطعني منذ سنوات أحد رموز الكويت الثقافية، والذي قال في الاحتلال العراقي لوطنه ما لم يقله مالك في الخمرة، وكان سبب مقاطعته وتهديده بالاستقالة من موقعه المتميز إذ تعاملت تلك المؤسسة الثقافية مع مؤلفاتي، هو أنني توجهت ذات ليلة وبحضوره الكريم نقداً لطيفاً مؤدباً لانعدام الديمقراطية والتعددية في الدول العربية وفي العراق التي كانت موضوع الحوار في تلك الليلة ".
وينتقل بنا الكتاب في رحلته، بعد ذلك، لتقصي أحوال الفلسطينيين في الكويت: كيف عاشوا، وكيف ساهموا في بناء المؤسسات الكويتية من خلال المثابرة و العمل الجاد باعتراف الكويتيين أنفسهم، ووفق خط بياني يصعد تارة ويهبط أخرى.
يرسم المؤلف صورة العلاقات الكويتية الفلسطينية في محاولة منه لتوصيف الواقع كما هو بالفعل، ليقول ( في ص18 من الكتاب ): " يجب أن نكون أوفياء، ونعترف بأن الكويت وفرت للفلسطينيين وغيرهم من المقيمين على أرضها، الاستقرار والأمن والحرية، وفرت لهم حياة كريمة، وعاشوا آمنين مطمئنين، وعلموا أبنائهم في أرقى الجامعات، وتمكنوا من إعالة مئات الآلاف من الأسر في الأردن والأراضي المحتلة، وكانت نصف تحويلات المغتربين الأردنيين تأتي من الكويت، وبلغت في بعض السنوات سبعمائة وخمسين مليون دولار للأردن ومائة وخمسين مليون دولار للأراضي المحتلة ويجب أن نكون أوفياء ونعترف بأن الكويت قد سمحت للعمل الوطني الفلسطيني بالحرية الكاملة، في حين كان يفتقدها في أغلب البلدان الثورجية العربية ".
من جانب أخر، ينتقل المؤلف للبحث في مخاوف الكويت من توطين الفلسطينيين. فبعد أفول عصر الطفرة النفطية والمالية بسبب سوق المناخ والتزامات الحرب العراقية الإيرانية وتراجع أسعار النفط، وبعد استكمال بناء مشروعات البنية التحتية، أخذت الكويت تصحو على واقع تطور خلال عقد السبعينات ومطالع الثمانينات، تمثل في الهجرة الواسعة واختلال الميزان الديموغرافي، وهو ما شكل الهاجس الأول لصانع القرار وللناس العاديين.
ويستشهد المؤلف بما قاله الدكتور خلدون النقيب عميد كلية الآداب في جامعة الكويت في دراسته المقدمة لندوة " الكويت وتحديات مرحلة إعادة البناء "- القاهرة من 6-11 أيار 1991، من أن توزيع التركيب السكاني لكويت يوم 1/8/1990 بناء على معطيات دراسة غير منشورة للأستاذ جاسم السعدون ( وهو باحث اقتصادي كويتي مرموق ) كان كما يلي:

  1. كويتيون: 000 , 600 أو 27% من السكان.
  2. فلسطينيون: 000 , 300 أو 14% من السكان.
  3. بدون جنسية: 000 , 200 أو 9% من السكان.
  4. مصريون: 000 , 190 أو 7 , 8% من السكان.

     ويمثل غير العرب النسبة المتبقية والأكبر من عدد السكان. ومع أن القلق الناجم عن الخلل الديمغرافي الهائل في المجتمع الكويتي هو قلق المشروع – كما يقول المؤلف -، إلا أن مبالغات كبيرة وتركيزاُ هائلاً كان ينصب على الفلسطينيين، مما خلق المخاوف لدى القيادة الكويتية من التوطين. وتنبع  هذه المخاوف من عدم إمكانية التوصل إلى حل سياسي لقضية الفلسطينيين، ويطالبون خلالها أو يطالب العالم لهم، بحقوق الإقامة الدائمة والتوطين.
وجاء الاحتلال العراقي للكويت ليحقق في بضعة شهور ما عجزت أساليب تقليص الوجود الفلسطيني في الكويت من تحقيق 5% منه في عشرين عاماً أو يزيد، إذ غادر الكويت في فترة الاحتلال حوالي مائة وثمانين ألف فلسطيني، لأسباب متعددة، وهو رقم مرعب بكل المقاييس يفوق نصف عددهم.
وفي الفصل الثاني من الكتاب يتناول المؤلف الموقف الفلسطيني أبان أزمة الخليج، و أثناء الاحتلال العراقي للكويت، الذي شكل كارثة كبرى في كل الاتجاهات وعلى كل الأصعدة.
يتابع المؤلف نبض الشارع الفلسطيني الذي تضرر من الاحتلال، والموقف الفلسطيني الرسمي الذي تصور بأن بإمكانه الاستفادة من المبادرة العراقية في الثاني عشر من آب، وهي المبادرة التي دعت إلى انسحاب إسرائيل من الضفة والقطاع والجولان وجنوب لبنان، وانسحاب سوريا من لبنان، لتقوم بعد ذلك العراق بترتيب حالة الكويتيين بما يتناسب مع تطلعات الكويتيين، وهي المبادرة التي عرفت بمبادرة الربط بين الانسحاب، رغم أنها لاتشير صراحة للانسحاب من الكويت في نهاية المطاف، وإن كان المسؤولون في بغداد قد قالوا أكثر من مرة أنها مبادرة قابلة للتطوير.
هذا الاختلاف في الموقفين الشعبي والرسمي، هو الذي أحدث المشكلات، وما زالت التراكمات تتوالى، والأمر في تقدير المؤلف بحاجة إلى فتح الملفات ودراستها علانية في وضح النهار. ويستطرد الكتاب في وصف حال الفلسطينيين في الكويت، الذين وقعوا بين المطرقة والسندان لكل الأطراف، كما يتابع أحوال الفلسطينيين الذين خرجوا من الكويت والمعاناة الهائلة التي عاشوها مع أهلهم وأبناء وطنهم المقيمين في الأردن وفلسطين.
ويتركز الفصل الثالث من الكتاب في بحث الموقف الفلسطيني الرسمي الذي شكل صدمة عنيفة للقيادة الكويتية، وورطة " حقيقية لأبناء الشعب الفلسطيني الذين كانوا يقيمون فوق أرض الكويت، إذ يناقش المؤلف الموقف الكويتي الرسمي المؤيد لمنظمة التحرير ودعم الانتفاضة الفلسطينية من جهة، كما يسجل على القيادة الفلسطينية أمر عدم حسن صياغة الموقف المتوازن حين تدب الصراعات بين الأطراف العربية، كما جرت عليه العادة في السابق، فقد تمثل الخطأ الاستراتجي في الموقف الفلسطيني الرسمي بعد إدانة الاحتلال علناً، والأسباب التي تقف وراء ذلك ليست بكافية للشفاعة.
وفي الفصل الرابع من الكتاب، يناقش المؤلف الانتفاضة الفلسطينية وأزمة الخليج، فيتحدث بإسهاب عن قصة " الربط " ببين احتلال الكويت والصراع العربي الإسرائيلي، وظروف الانتفاضة الداخلية وحاجتها إلى حاضنة عربية "، وكيف خاطبت الشعارات العراقية ( رغم استحالة تطبيقها ) أحلام الناس في الأراضي المحتلة.
وهو يرى ( في ص123 ) " أن الربط الميكانيكي والتعجزي بعدم حل أزمة الخليج إلا إذا تم حل أزمة الصراع العربي الصهيوني، أدى للكارثة ".
كما تابع المؤلف أحوال الانتفاضة بعد ذلك، وخسائر حرب الخليج وآفاق المستقبل، داعياً العرب إلى معرفة " الآخر- الغرب "، لأن معظم التحليلات المستقاة من هذه الكارثة أثبتت عدم معرفتنا شيئاً عن الآخر، منا أثبتت انهيار الأمن القومي العربي، مما يدفع إلى إعادة طرح العلاقات الاقتصادية العربية ومسألة التنمية العربية وتفعيل الديمقراطية لبناء المستقبل العربي. ويختتم المؤلف كتابه الفلسطينيون وأزمة الخليج " بشهادات قدمها الفلسطينيون الأوائل الذين ساهموا في بناء الكويت في كل المجالات، كما يرفق دراسة الدكتور شفيق الغبرا " الفلسطينيون في الكويت، العائلة وسياسات المحافظة على ( البقاء ) " والتي هي عبارة عن دراسة عملية ميدانية قدمها الباحث شفيق الغبرا لجامعة تكساس الأمريكية لنيل شهادة الدكتوراه.
وهي دراسة تدور حول القضية الفلسطينية " التماسك الأسري ", والتي شكلت الأساس في استمرار المجتمع الفلسطيني في الشتات وحمته من الذوبان والاندماج.
خولة إبراهيم