قاب قوسين أو أدنى من السلام

غلاف الكتاب

-اسم الكتاب: قاب قوسين أو أدنى من السلام.. تفاصيل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في كامب ديفد2
-المؤلف: جلعاد شير، ترجمة: بدر عقيلي
-عدد الصفحات: 528
-الطبعة:
الأولى 2002
-الناشر: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، عمان

يعرض هذا الكتاب القضايا التي بحثت في قمة كامب ديفد الثانية التي أعقبتها انتفاضة الأقصى، مثل القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات والأمن والمياه وغيرها من القضايا الساخنة التي كان لها أهمية خاصة لدى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يقدم صورة تفصيلية للمشهد السياسي في الشرق الأوسط عشية الانتفاضة.

وكان مؤلف الكتاب جلعاد شير يعمل مديرا لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، كما كان يقوم بدور مركزي في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في عامي 1999 و2000.

إستراتيجية باراك للتسوية
شكل باراك حكومته من ائتلاف هش متناقض يجمع بين أقصى اليمين الإسرائيلي المتطرف واليسار المعتدل. وكان هذا التشكيل من أهم نقاط الضعف التي منعت الحكومة الإسرائيلية من اتخاذ مواقف حازمة وتاريخية في الوصول إلى حالة إنهاء النزاع التاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

كانت إستراتيجية باراك للتسوية قائمة على أن الزمن لا يعمل لصالح إسرائيل ويفضل الإسراع في الوصول إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين، وكانت فكرته هي التنازل عن مساحة كبيرة من الأرض للفلسطينيين مقابل تنازلهم عن حق العودة للاجئين.

وقد أعجب الرئيس المصري حسني مبارك بفكرة الدمج بين الاتفاقات المرحلية والتسوية النهائية، وأعلن أن الأمور بدأت تتحرك إلى الأمام. وبدأ تعاون أمني واستخباري بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية قام فيه محمد دحلان الذي كان ركيزة أساسية لشبكة العلاقات الثنائية، بدور مركزي.

وفي الوقت نفسه فقد قدم باراك نظرية سياسية جديدة قائمة على تعزيز شرعية السلطة الفلسطينية وسياسة إسرائيلية بعيدة المدى تتطلب توطيد العلاقات مع الأردن ومصر. وجرت مفاوضات شاقة شارك فيها المصريون والأميركان توجت بتوقيع باراك اتفاقية شرم الشيخ التي وقع عليها الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبد الله ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت شهودا. ونصت اتفاقية شرم الشيخ على أن الاتفاقية الدائمة ستشمل عاملين: "اتفاقية إطار حول التسوية الدائمة" و"اتفاقا كاملا حول التسوية الدائمة" والذي سيوقع فيما بعد على أساس المبادئ والخطوط الموجهة والجداول الزمنية التي سيتم تحديدها في اتفاقية الإطار. وتم الإفراج عن 350 معتقلا مع تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة إمكانية إطلاق سراح معتقلين آخرين.

وأوفى الطرف الفلسطيني بالتزاماته المتعلقة بالأمن والتعاون الأمني وجمع الأسلحة واعتقال المشبوهين ونقل قائمة بأسماء الشرطة الفلسطينية إلى الجانب الإسرائيلي لدراستها. وهكذا استطاعت إسرائيل ترميم صورتها على الصعيدين الدولي والإقليمي.

وحددت الاتفاقية آلية لاستمرارية المسيرة وضمنت الاستقرار لمدة سنة أخرى، وأزالت الكثير من الخلافات، وبدأ الإعداد لمسيرة اتفاقية الإطار.

ولكن حدثت مشكلات وأزمات كثيرة عقب الاتفاق بسبب الاختلاف على خرائط إعادة الانتشار، وواجه الائتلاف الحكومي الإسرائيلي أزمة كبيرة بسبب الخلاف السياسي الكبير والمتراكم، وأعلنت السلطة الفلسطينية أن يوم 13 سبتمبر/ أيلول 2000 هو موعد إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد.

وقدمت مصر بالتعاون مع الولايات المتحدة صيغة حل وسط قائمة على اتفاقية إطار وإعادة انتشار واتفاقية تسوية دائمة وإقامة دولة فلسطينية.

وكانت القضايا الرئيسية تبدو صعبة الحل في الزمن المتاح، وكان الاقتراح يقضي بأن يوقع اتفاق إطار ثم تعلن الدولة الفلسطينية أوائل عام 2001، ثم تجرى مفاوضات بين الدولتين إسرائيل وفلسطين حول قضايا الأمن والاقتصاد والمياه واللاجئين وغيرها.

مفاوضات سرية
أجريت مفاوضات سرية في ستوكهولم والقدس لتكون أكثر حرية، ودارت غالبية النقاشات حول المستوطنات والحدود والقدس، وعرض أبو علاء الموقف الفلسطيني باختصار كما يلي: لن يتم إرجاء أي قضية، والاتفاق يقوم على قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 وإنهاء النزاع، والاستيطان غير مشروع، ولا يمكن اعتباره مبررا لإجراء تغييرات حدودية، ورغم ذلك سننهج توجها لينا لتلك الحدود. ونظرا لأن الأمر يتعلق بالتسوية الدائمة فيجب علينا بلورة توجه جديد لمعالجة القضايا الأمنية ربما على هيئة دوريات مشتركة أو وجود أميركي ومنشآت إنذار مبكر، وبمقدورنا الدخول إلى التفاصيل بشأن الحدود الشرقية لدولة فلسطين، أما فيما يتعلق بالحدود الغربية فقولوا لنا ما هي احتياجاتكم وسنكون على استعداد لمناقشة الحدود الناجمة عنها، وبشأن اللاجئين نحن نحاور بالاستناد إلى قرار الأمم المتحدة رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة والذي يجدد كل عام.

وكان الاتجاه العام لدى الإسرائيليين هو إعطاء نسبة من الضفة والقطاع للفلسطينيين لا تقل عن 80 - 90% وإقامة دولة مستقلة منزوعة السلاح تعترف بها إسرائيل. وطرحت إسرائيل في مقابل موضوع اللاجئين الفلسطينيين موضوع اللاجئين اليهود الذين هاجروا أو أخرجوا من الدول العربية.

الانسحاب الإسرائيلي من لبنان

حدث الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في أثناء انعقاد المفاوضات السرية التي كانت تجرى في فلسطين والسويد، وقد جعل ذلك الفلسطينيين يقارنون بين الوضع في جنوب لبنان وبين الضفة الغربية. وقد عكس هذا الانسحاب آثارا سلبية على المسيرة التفاوضية مع الفلسطينيين، وفسره العرب بأنه هزيمة، وتبلورت لديهم فكرة أنه عبر النضال المتواصل يمكن طرد إسرائيل من الأراضي المحتلة.

ولكن رغم تلك الأجواء التي أحاطت بالمفاوضات فقد أعد الإسرائيليون وثيقة لمسودة اتفاقية الإطار من مبادئها الإعلان عن نهاية النزاع التاريخي وإطلاق سراح جميع المعتقلين الأمنيين. وتفضي الاتفاقية إلى إعلان الدولة الفلسطينية في موعد متوقع يوم 13/9/2000، ويوقع الاتفاق الكامل مع الدولة الفلسطينية، وستبحث الدولتان قضية القدس على أساس قدسيتها لجميع الأديان وحرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة، وإقامة نظام خاص في حوض المدينة القديمة، واعترافا متبادلا بحق السيادة للإعلان عن مدينة عاصمة في المناطق التي هي مناطق إسرائيلية ومناطق فلسطينية، وتكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح والقوات العسكرية باستثناء قوة شرطة وأمن داخلي.

وبالنسبة للاجئين فيجري إعلان مشترك حول ضرورة حل مشكلة اللاجئين. وتعترف إسرائيل بمعاناة اللاجئين الفلسطينيين التي سببتها حرب 1947 - 1949 واستعدادها للمشاركة في حل المشكلة، وتخصص لذلك مبلغا ماليا يتم تحديده وتوزيعه على عدة سنوات ويؤخذ من إيرادات القيّم على أموال الغائبين، في حين يلتزم الفلسطينيون بعدم طرح مطالب أخرى. وتستوعب إسرائيل عددا قليلا من اللاجئين سنويا وفقا لتقديراتها السيادية وعلى أسس إنسانية، ويعرض على باقي اللاجئين مخططات تأهيل، ويعقد الفلسطينيون وإسرائيل مؤتمر مساهمات مالية لحل مسألة اللاجئين وجمع 20 مليار دولار.

وكانت قضيتا القدس واللاجئين هما مقتل المفاوضات، وأعطى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان زخما إعلاميا وسياسيا لضرورة تحقيق مكاسب تجعل العرب يؤيدون عرفات، وبعد مفاوضات طويلة ومعقدة أعلن أبو علاء أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.

 

وبدأت تجري مفاوضات ماراثونية تمهيداً لقمة إسرائيلية فلسطينية، وضغطت واشنطن باتجاه تحقيق إنجازات مرضية للفلسطينيين مثل إعادة الانتشار. وجرت جولة مكثفة من المحادثات في قاعدة سلاح الجو الأميركي "أندروز" قرب واشنطن، وكان التقدير الإسرائيلي للموقف الفلسطيني أن الورقتين الأساسيتين اللتين يمسك بهما الفلسطينيون هما الترتيبات الأمنية وإنهاء النزاع، وأن الفلسطينيين مستعدون لإبقاء 2 - 3% من الضفة الغربية بيد إسرائيل دون تبادل مناطق.

وقد أدى تأخير إعادة الانتشار وتسليم القرى المتفق عليها للسلطة الفلسطينية وعدم الإفراج عن المعتقلين إلى أن يغضب عرفات ويهدد بخلق وضع شبيه بما عاشه الإسرائيليون مع حزب الله في لبنان.

وفي نهاية يونيو/ حزيران 2000 وبعد سلسلة من الاجتماعات مع عرفات والمبعوث الأميركي دينس روس والسفير الأميركي لدى إسرائيل إيندك -وهو يهودي ناشط عمل في منظمة إيباك (اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة)- والسفير المصري لدى إسرائيل محمد البسيوني ووزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت ومستشار الأمن القومي الأميركي بيرغر، تكونت صورة مبدئية للاتفاق تقوم على أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين يقتصر على الدولة الفلسطينية، وتستوعب إسرائيل عددا قليلا على أساس إنساني مثل لم شمل العائلات والاحتفاظ بغور الأردن لمدة 30 عاما على أن تتم مراجعة كل عشر سنوات ودراسة إعادة أجزاء إلى الفلسطينيين.

قمة كامب ديفد2
بدأت الوفود الإسرائيلية والفلسطينية في مطلع يوليو/ تموز 2000 تسافر إلى واشنطن وتلتقي المسؤولين الأميركان تمهيدا لقمة إسرائيلية فلسطينية تعقد في كامب ديفد.

وكان الموقف الفلسطيني مصرا على مناطق ذات تواصل جغرافي معقول، وأن يبدو الأمر كما لو أن الفلسطينيين استعادوا من الأرض أكثر مما كان معروضا على مصر والأردن، وكانوا مستعدين لتبادل مناطق مع إسرائيل والقبول بانسحاب متدرج وفق جدول زمني وأن تكون الحدود تحت سيطرتهم، وقد يقبلون لفترة زمنية محدودة أن تكون ثمة سيطرة أجنبية غير إسرائيلية على قسم من الحدود والمعابر. وفي مجال اللاجئين تغلب الخيال برأي المؤلف على الجوهر، وفي مجال الترتيبات الأمنية كانت الأمور الظاهرية أهم بالنسبة لهم فقد أرادوا أن يرفعوا رؤوسهم ويرضوا كرامتهم الوطنية في هيئة قوة تبدو في أعين الجماهير الفلسطينية والعربية قوة عسكرية، وفضلوا استخدام مصطلح "دولة مسلحة تسليحا محدودا" بدلا من منزوعة السلاح، ويصر الفلسطينيون على سيادة علنية على الأماكن الدينية والأحياء العربية في القدس.

وقدمت الإدارة الأميركية وثيقة للحل تقوم على إقامة عاصمتين للدولتين في الإطار البلدي الحالي، ووافق عرفات موافقة غير علنية وغير رسمية على إبقاء نسبة تتراوح بين 8 - 10% من الضفة الغربية بيد إسرائيل.

وظل باراك متطرفا في مواقفه تجاه الأفكار الأميركية، وبقيت القدس موضع النزاع وحجر العثرة، وشعر باراك باليأس وأمر بالإعداد للرحيل، وكانت أغلبية الوفد الإسرائيلي تفضل الانتظار، وأقنع كلينتون الجميع بالانتظار حتى يعود من مؤتمر قمة الدول الثمانية الكبار G8 في اليابان.

ووكل كلينتون إدارة المفاوضات وتنسيقها إلى أولبرايت وكانت الوفود كأنها في سجن، وأحيانا توضع اللجان في غرفة مغلقة ويمنع الحراس أعضاء الوفود من الخروج نهائيا لأي سبب، وبعد عودته من اليابان قام كلينتون بجولة اجتماعات مع الطرفين، وقدم الأميركان اقتراحا حول اللاجئين وقدم الإسرائيليون اقتراحا بضم 650 كلم2 من الضفة الغربية -تشكل حوالي 10% منها- إلى إسرائيل، وإدراج 80% من المستوطنين في كتل استيطانية تضم إلى إسرائيل ضمن عمليات تبادل أراض ومناطق.

وانفض المؤتمر دون التوصل إلى حل أو تسوية، وعادت الوفود الفلسطينية واستقبل عرفات في غزة استقبال الأبطال، وأمسكت مصر بزمام المبادرة ودعت إلى لقاءات جديدة في شرم الشيخ.