- اسم الكتاب: المائة سنة الأولى من عمر إسرائيل
- المؤلف: إفرايم كارش (محرر)
- عدد الصفحات: 253
- الطبعة: الأولى 2000
- الناشر: فرانك كاس-لندن
السبب الرئيس في اختيار هذا الكتاب للمراجعة هو استعراض عمق التزييف حول فلسطين الذي تقوم به دراسات لاحصر لها منسوبة إلى حقل الأكاديميات وتدعي الموضوعية فيما هي معبأة بأيديولوجيا العنصرية وإبادة الآخر وشطبه من التاريخ بطريقة باردة وبوعي مسبق. فهدف هذا الكتاب هو تأريخ السنوات المائة الأولى من عمر إسرائيل, وهو عنوان مضلل ومنحاز من البداية, إذ إنه يمد تاريخ الدولة الإسرائيلية خمسين سنة إلى ما قبل عام 1948, وخمسين عاماً بعدها. أي أن الكتاب يفترض بداهة وجود شيء ما اسمه إسرائيل, أو على الأقل شكلا قريبا من الدولة يضرب في التاريخ الحديث نصف قرن قبل التأسيس الرسمي للدولة العبرية.
ومثل هذه الأطروحة ليس غريباً أن يتبناها كاتب مثل إفرايم كارش محرر هذا الكتاب والمعروف بيمينية طروحاته ودفاعه الأعمى عن المشروع الصهيوني وعنصريته وتبرير تلك العنصرية من منظور أكاديمي. لكن الغريب حقاً أن يتواطأ الكتاب المشاركون في الكتاب, بفصل لكل كاتب, على الموافقة على هذا العنوان التزييفي, خاصة وأن من ضمن هؤلاء من يحظى بسمعة بحثية رفيعة مثل أنتوني سميث الذي ساهم ببحث عام في الكتاب حول فكرة قدسية الأرض والصراع القومي. وهو بحث نظري ليس معنياً بالحالة الإسرائيلية بقدر ما هو معني بإمعان النظر في جدلية المقدس والأرض ووظيفتهما في الصراعات القومية. لكن باستثناء هذا المبحث فإن كافة المساهمات الأخرى في الكتاب والبالغة إحدى عشرة مساهمة لا تمثل انحيازاً صارخاً لإسرائيل, بل تزييفاً مباشراً لتاريخها الحديث وإسكاتاً وحشياً لكل عناصره.
يبدأ التزييف بفصل المقدمة المطول الذي كتبه إفرايم كارش نفسه. ففي هذا الفصل يريد كارش إقناعنا بأن الحركة الصهيونية في فلسطين "ناضلت" ضد الدول الكبرى وقاتلت بالأسنان حتى انتزعت "استقلالها". وأن تلك الدول, أميركا وبريطانيا تحديداً, لم تكونا راضيتين, فضلاً عن أن تكونا داعمتين لقيام إسرائيل, خاصة بعد انجلاء غبار الحرب العالمية الثانية, والموقف "المشين" الذي رآه كارش في الموقف المشين" لرئيس الوزراء البريطاني كلمنت آتلي آنذاك بحسب عدم تحمسه بالدرجة المطلوبة لقيام إسرائيل. بل إن كارش يتمادى في التزييف للقول بأن هاري ترومان, الرئيس الأميركي المشتعل حماسة لدعم قيام إسرائيل والمسابق الزمن للاعتراف بها, أصابه التردد أيضاً بعد نهاية تلك الحرب. والصورة التي يحاول كارش فبركتها حول الحركة الصهيونية في عقد الأربعينات تقول بأن هذه الحركة كانت أهم وأشرس حركة ضد الاستعمار والإمبريالية في الشرق الأوسط, وأنها كافحت الاستعمار البريطاني واندرجت في سياق حركات التحرر من الاستعمار التي انتشرت في العالم الثالث في تلك الحقبة. وفي خضم تلفيق الحوادث والأفكار ينسى كارش أن يربط "تلك الحركة التحررية من الاستعمار البريطاني" بوعد بلفور الذي أصدره ذلك الاستعمار ومنح به تلك الحركة من دون وجه حق أن تدعي حقاً لها في فلسطين. يريد كارش أن ينظف الوجه الكالح للحركة الصهيونية ويفك ارتباطها وتحالفها العضوي بالاستعمار البريطاني, وبالدول الكبرى التي بوصلت تدخلها في المنطقة وفق أمر واحد وهو حماية الحركة الصهيونية وتسهيل قيام دولتها ثم رعايتها. لكن لا ينسى كارش أن يذكرنا بكرم الحركة الصهيونية عندما قبلت بتقسيم أرض فلسطين التاريخية عام 1921 عندما "اقتطع" البريطانيون الأرض الواقعة شرق نهر الأردن وأنشؤوا عليها إمارة شرق الأردن ونصبوا الأمير عبدالله بن الحسين حاكماً عليها. فهذه الأرض يراها كارش جزءاً أصيلاً من أرض إسرائيل التاريخية. ليس هذا فحسب, بل إن الصهيونية ازدادت كرماً بقبولها بقرار التقسيم عام 1947 الصادر عن الأمم المتحدة (والواقع أن الصهيونية لم تقبل ذلك القرار, لكن استغلت الرفض العربي له وادعت قبوله, كما يثبت المؤرخون الإسرائيليون الجدد).
أما ديفيد فيتال, أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب, فينخرط في التلفيق من زاوية أخرى في الفصل المعنون بـ "من دولة داخل الدولة إلى دولة", وهي زاوية أنثروبولوجية في التفسير تقترب من العنصرية حيث تضمر ما يشي بأن تفوقاً إثنياً يمتاز به اليهود هو الذي يفسر نجاحهم في إقامة الدولة, بينما تختفي في التحليل الذي يقدمه فيتال العناصر الخارجية الداعمة لليهود والتي مكنتهم من إنجاح مشروعهم. يهدف فيتال في مساهمته في الكتاب الإجابة عن سؤالين مركزيين هما: كيف أمكن أن تنشأ فجأة دولة متكاملة الوظائف وفاعلة في منتصف أيار (مايو) 1948 وفور الإعلان عنها رغم الأحداث العاصفة التي اجتاحت البلاد خلال العام الذي سبق؟ وكيف أمكن أن تكون هذه الدولة الناشئة ديمقراطية منذ البداية, بل وديمقراطية أصيلة؟ وكبقية زملائه في الكتاب يبدأ فيتال نقاشه عبر تطهير عرقي أكاديمي لفلسطين حيث يقول "إن فلسطين كوحدة سياسية لم تكن معروفة قبل الاستعمار البريطاني" (ص 32), ثم يرصد كيف بدأت التجمعات اليهودية بتكوين بنية تحتية أشبه ما تكون بدولة, وبالتالي بدأت "أرض إسرائيل" تظهر على الوجود رويداً رويداً. وفي ظل الوجود الإنجليزي دأبت تجمعات "اليشوف" الاستيطانية على العمل بجد وبلا كلل من أجل ترسيخ العناصر المطلوبة للدولة القادمة. ويرسم لنا فيتال صورة رومانسية حالمة حول تكافل ونشاط ومثالية تلك التجمعات. ولحسن الحظ فإن هذه الصورة المثالية قد بان زيفها على يد مؤرخين إسرائيليين آخرين من أمثال توم سيغيف وإيلان بابيه وغيرهم حيث أثبتوا بالتمحيص التاريخي والأكاديمي, غير الأيديولوجي, أن تلك التجمعات كانت تعج بالعنصرية بين الإشكناز والسفارديم من ناحية, وتعج بالعداء ضد الفلسطينيين العرب من ناحية أخرى. بل أبعد من ذلك يذكر سيغيف أن المستوطنين اليهود كانوا فرحين بمعاناة إخوانهم في أوروبا وخاصة في ألمانيا مع قدوم هتلر وذلك من أجل اضطرار أولئك اليهود للهجرة إلى فلسطين.
أما عن "الجوهر الديمقراطي" لإسرائيل فإن فيتال لا يجد تفسيراً مقنعاً من دون الرجوع إلى تاريخ الجاليات اليهودية في أوروبا, عصر الغيتو اليهودي, ليرسم لنا صورة رومانسية أيضاً عناصرها وجود جماعات يهودية مختلفة في رؤاها واعتقاداتها, لكنها تنتظم في علاقات ودية مع بعضها البعض, ولا يحكمها نظام سياسي تراتبي فوقي مما طور "روحاً حرة" عند تلك الجماعات لا تقبل بالاستبداد ولا يمكن أن ترى غير الديمقراطية وسيلة للحكم في ما بينها. وهكذا فإن المؤرخ الحريص هنا على رسم صورة زاهية الألوان ينسى التراتبية الحاخامية, والضبط الأرثوذكسي الذي ميز الجاليات والغيتوات اليهودية بقدر كبير من الالتحام المقود بنمطية فوقية جذرها الدين. وأهم من ذلك فإن فيتال لا يتعرض بالعمق المطلوب للعناصر الخارجية الضاغطة, بل والشارطة, على الحركة الصهيونية أن تتبع الأساليب الديمقراطية الغربية وذلك حتى يتسنى الدفاع عن الدولة الوليدة في الغرب وتعبئة الرأي العام الغربي وراءها بدعوى أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط الطافحة بالاستبداد. بكلمة أخرى, إن المظهر الديمقراطي كان مكوناً إستراتيجياً في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي من يوم التأسيس, ولم يكن ترفاً فكرياً ولا وراثة أنثروبولوجية كما يريد أن يقنعنا فيتال.
وفي فصل آخر تستعرض روث كارك وجوزيف غلاس كيفية تحول اليهود في فلسطين من الهامش إلى المركز, أي كيف تحولت أقلية محدودة العدد إلى أكثرية حاكمة في غضون زمن قياسي. وربما كان هذا الفصل من أهم فصول الكتاب ليس من ناحية التحليل لكن من ناحية الأرقام والإحصاءات الواردة فيه والتي تدلل على عمق الجريمة البريطانية/الصهيونية بحق فلسطين. وبرغم أن مصادر تلك الأرقام هي إما إحصاءات الانتداب البريطاني أو الوكالة اليهودية, فإنها تشير إلى التواطؤ الاستعماري مع المشروع الصهيوني وهو التواطؤ الذي يحاول كارش أن يقلبه رأساً على عقب ويصف الحركة الصهيونية بأنها حركة تحرر استقلالي ضد "المحتل البريطاني"! وتقول الأرقام إن عدد يهود فلسطين في مطلع القرن التاسع عشر لم يتجاوز 5500 نسمة, أي ما يعادل 2,2 بالمائة من مجمل سكان فلسطين. وقد تضاعف هذا العدد عشرات المرات ليصل إلى 650000 نسمة عشية قيام دولة إسرائيل عام 1948. فلو كانت الحركة الصهيونية تخوض "حرباً طاحنة" ضد الاستعمار البريطاني كما يروج كارش فكيف أمكن إقناع يهود أوروبا بالهجرة من جحيم عنصرية في أوروبا إلى جحيم حرب في فلسطين؟