محتويات الكتاب
- مدخل
- الهوية الفلسطينية
- جوهر قضية فلسطينيي الخارج
- لاجـئـــون
- مسألةالجنسيةالفلسطينية
- ما هو مستقبل قضية فلسطيني الخارج في اطار
مدخل
موضوع مستقبل فلسطينيي الخارج في ظل اتفاقات التسوية مطروح اليوم بإلحاح، في وسطهم ووسط إخوانهم فلسطينيي الداخل، تكتنفه مشاعر مفعمة بالقلق تعبر عنها كلمات تتردد عن المتاهة والضياع وغياهب الجب، ومشاعر مفعمة بالعزم على متابعة العمل للعودة إلى الوطن، ويشغل هذا الموضوع أيضا أبناء أمتنا العربية وعددا من الحكومات العربية بحكم موضعه من قضية فلسطين، تماما كما يحتل مكانا بارزا في مخططات التحالف الصهيوني الاستعماري لتصفية قضية فلسطين .
الموضوع متصل بقضية فلسطينيي الخارج التي بدأت منذ أن أخرج هذا التحالف هؤلاء من ديارهم عام1948. وجوهر هذه القضية هو تطلعهم للعودة إلى الوطن المحرر. وهي جزء من قضية فلسطين الواحدة، تتكامل مع قضية فلسطيني الداخل في فلسطين المحتلة عام 1948، ومع قضية فلسطينيي الداخل في فلسطين المحتلة عام 1967، ومع قضية القدس بقسمها المحتل عام 1948 وقسمها المحتل عام 1976. وقد درست هذه الأجزاء الأربعة في قضية فلسطين الواحدة بفعل تعامل المنظمة الأممية مع أحداث الصراع العربي الصهيوني .
مرت قضية فلسطيني الخارج بمراحل تبعا لقضية فلسطين الواحدة. ودخلت معها ومع الصراع العربي الصهيوني مرحلة جديدة في أعقاب زلزالي أوروبا الشرقية والخليج وانتهاء الحرب الباردة، آذن بها انعقاد مؤتمر مدريد يوم 30/10/91 ومباشرة عملية تسوية للصراع دعاها مصممها الأمريكي وراعيها الرئيسي "عملية سلام الشرق الأوسط" وبلغت هذه المرحلة الجديدة في قضية فلسطينيي الخارج ذروة عند إعلان المبادئ الخاصة بترتيبات حكومات ذاتية انتقالية فلسطينية بين الكيان الصهيوني الإسرائيلي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية يوم 13/09/93 في واشنطن فيما اشتهر باسم اتفاق أوسلو عاصمة النرويج التي استضافت التفاوض السري عليه. وقد اكتمل هذا الاتفاق بتوقيع اتفاقية غزة - أريحا يوم 4/5/1994 ، ثم بتوقيع الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني الانتقالي بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة، في واشنطن يوم 28/9/1995 الذي أشتهر باتفاق أوسلو2 وهو متضمن الاتفاقين السابقين في ثناياه .
إن تشوف مستقبل فلسطينيي الخارج في ظل اتفاقات التسوية يتطلب منا بداية وفق منهجنا في علم دراسة المستقبل الذي شرحناه في كتابنا (تجديد الفكر استجابة لتحديات العصر) الإحاطة بواقع فلسطينيي الخارج برؤيا شاملة وسبر أغوار هذا الواقع تحليلا، والتعرف على ما جاء في اتفاقيات (عملية السلام في الشرق الأوسط) بشأن فلسطينيي الخارج وما جرى من ممارسات على أرض الواقع لتنفيذ هذه النصوص. ثم استحضار جذور هذا الواقع وتبين الحركة التاريخية التي حكمت هذا المسار المؤدي إليه، وصولا إلى دراسة المستقبل بالتعرف على مخططات أطراف الصراع وإدخال عاملي الحلم وإرادة الفعل اللذين يفعلان فعلا كبيرا في صنع المستقبل بعد استشرافه وتشوفه ورؤيته .
الإحاطة بواقع فلسطينيي الخارج برؤية شاملة تقتضي بداية تعريف هذا المصطلح وتحديد من هم الذين يحملونه، ثم معرفة أين هم وما عددهم وكيف يتوزعون، ثم التعرف على أوضاعهم بأبعادها المختلفة .
مصطلح (فلسطينيي الخارج ) يتألف من كلمتين، الأولى فلسطين المكان والوطن الذي ينسب إليه كل فلسطيني. والأخرى (الخارج) أي خارج فلسطين الذي يعيش فيه (فلسطينيي الخارج) بعد أن أبعد عن وطنه . وهناك من يستخدم لفظ كلمة (الشتات) للدلالة على (الخارج) الذي يعني التفرق والتشتت خارج الوطن .
الهوية الفلسطينية
إن تحديد من هم فلسطينيي الخارج اليوم يتطلب منا أن نستحضر تحديد من هم الفلسطينيون اليوم، لأن فلسطينيي الخارج هم جزء من شعب فلسطين، يحملون هويته الفلسطينية. وحين نتأمل في الهوية - أية هوية- نجد أنها تتجلى في رؤية (ذاتية ) فردية وجماعية، وفي رؤية الأخر لحامل هذه الهوية .
رؤية الفلسطيني لذاته
الرؤية (الذاتية) للفلسطيني صاغها الميثاق الوطني الفلسطيني صياغة دقيقة في مواده السبعة الأولى. وذلك في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في أيار - مايو 1964 بالقدس. ففلسطين هي وطن الشعب العربي الفلسطيني. وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير. والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية. (المادة 1 ). وفلسطين هذه لها حدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني. وهي وحدة إقليمية لا تتجزأ. (المادة 2). والشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه وفق مشيئته وبمحض اختياره (المادة 3). والشخصية الفلسطينية هي صفة أصيلة لا تزول، وهي تنتقل من الأباء إلى الأبناء. وهذا الاحتلال الصهيوني وتشتيت الشعب الفلسطيني نتيجة النكبات التي حلت به لا يفقدانه شخصيته وانتماءه الفلسطيني ولا ينفيانهما. (المادة 4 ).
والفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو من بقي فيها. وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين سواء من أخرج منها أو من بقي فيها. وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها (المادة 5 ). والفلسطينيون العرب غالبيتهم مسلمون وفيهم مسيحيون نصارى، ويهود كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها. (فهؤلاء اليهود أيضا يعتبرون فلسطينيين). (المادة 6). وهذا الانتماء الفلسطيني للفلسطينيين وارتباطهم المادي والروحي والتاريخي بفلسطين حقائق ثابتة. وتنشئة الفرد الفلسطيني على إدراكه وتوعيته وتثقيفه وتعريفه في وطنه روحيا وماديا وتأهيله للنضال والكفاح المسلح والتضحية بماله وحياته لاسترداد وطنه حتى التحرير واجب قومي (المادة 7 ).
هذه "الرؤية الذاتية" الجماعية للهوية الفلسطينية، تتجلى عند الفرد الفلسطيني برؤية ذاتية لذاته وهويته، فهو عربي فلسطيني ابن عربي فلسطيني ينتمي إلى فلسطين العربية التي هي جزء من وطن عربي كبير، وللشعب العربي الفلسطيني الذي هو جزء من شعوب الأمة العربية، وللحضارة العربية الإسلامية التي شارك في إقامتها العرب مسلمون ونصارى وملل أخرى ومع العرب أقوام آخرون. وهكذا ففلسطين في نظر هذا الفرد أرض آبائه وأجداده، وهي أيضا أرض أبنائه وأحفاده، وهي الوطن المحتل ونصب عينه تحريره. وقد يحدث أن يضطر فرد فلسطيني إلى (تناسي) هذه الرؤية أو (إنكاره) تحت ضغوط معينة، ولكنه يشعر أنها لا تزال تحكمه في داخله، وأن هويته الفلسطينية كامنة فيه. كما قد يحدث أن ينشأّ فرد من أصل فلسطيني على هوية أخرى جديدة، ثم تأتي لحظة تتفاعل فيها ظروف خارجة عنه يكتشف فيها هويته الأولى فيقبل على تتبع جذوره ولا يلبث أن يكوّن رؤيته الذاتية لهويته الفلسطينية .
رؤية الآخر للفلسطيني
رؤية الآخر لحامل الهوية الفلسطينية، تسهم إسهاما فعالا في تعزيز الهوية الفلسطينية، وفي تقوية الرؤية الذاتية الجماعية والفردية لها. والحق أن (الآخرين) كثيرين على صعيد رسمي جماعي في حكومات كثيرة ينظرون إلى كل ما هو من أصل فلسطيني على انه فلسطيني مهما كانت الجنسية التي صار يحملها. وذلك لأسباب مختلفة، لعل من أهمها ما خططت له قوى الطغيان الدولية والصهيونية في قلبها، من وضع الفلسطينيين تحت نظر أجهزتها الخفية تحسبا من قيامهم بالعمل لتحرير وطنهم، ومن مواجهتهم بإجراءات تجعلهم مشغولين بدرجة كبيرة بتذليل صعوبات أمورهم الحياتية اليومية من كسب رزق وعمل مرخص وتنقل وإقامة وتعليم وصحة. ويحرك قوى الطغيان هذه شعور كامن بالإثم بما فعلته بهم وخوف كامن من متابعتهم العمل لاستعادة وطنهم. وهكذا يجد كل من كان من أصل فلسطيني نفسه في نظر هذه الحكومات أنه فلسطيني أيا كانت جنسيته الحالية، وهو يعامل معاملة جوهرها كونه فلسطينيا. ويتجلى هذا في معاملة دخول الدول ومنها المطارات. ويمكن رواية قصص بعدد أبناء فلسطين أضعافا لطبيعة هذه المعاملة. وإذا كانت رؤية الآخر لمن هو من أصل فلسطيني على الصعيد الفردي تختلف من فرد لآخر حسب دينه وقوميته وتقاليده، إلا أنها تلتقي فيما بينها ورؤية الحكومات في النظر إليه باعتباره فلسطينيا .
مثل واحد نسوقه على الرؤية الذاتية لهوية الفلسطيني ورؤية الآخر . فهذا شاب أمريكي المولد والجنسية وهو من أصل فلسطيني. نشأ في وسط لم يسمع فيه كلمة عن أصله ولا عن فلسطين، وترعرع أمريكيا إلى أن دخل الجامعة سنة قيام الانتفاضة عام 1987 في فلسطين،. ولفته وهو يتابع الإعلام الطلابي الجامعي نشرة تذكر أخبار الانتفاضة، ولاحظ أنها تتحدث عن مقتل شباب وأطفال فلسطينيين وتستخدم دائما صيغة المبني للمجهول تجنبا لذكر القاتل. فكتب ببراءة لمحرري النشرة، دون أن يعلم أنهم من اليهود الأمريكيين الصهاينة، مستفسرا. فإذا بالرد يأتي حادا منفعلا يتهمه أنه فلسطيني متعصب مستدلا باسمه ويدعوه إلى مناظرة علنية. ويتنبه هذا الشاب إلى حقيقة أنه من أصل فلسطيني، ويتجه لقبول المناظرة ولكنه يواجه على أنه لا يعرف شيئا عن فلسطين وقضيتها، فيبحث ويتعلم ويناظر ويفوز. ويتحمس في الإجازة لزيارة الوطن العربي للتعرف على أقاربه، ويفاجأ في أول مطار عربي بنظرات متفحصة عند دخوله بجوازه الأمريكي وبمشكلة عند خروجه تتطلب تأجيل سفره والعودة إلى دائرة بعينها ليثبت أمرا بأن أصله فلسطيني. ويمر الشاب بتفاعلات كثيرة ينتهي بها إلى إدراك أن لفلسطين جزء من هويته، فهو أمريكي عربي فلسطيني. ويحثه هذا الإدراك إلى أن يمضي عاما دراسيا بعد أن أنهى دراسته العليا في الوطن العربي ليعطي أصله الفلسطيني العربي حقا من المعرفة .
بقاء الهوية الفلسطينية
الهوية الفلسطينية إذا باقية. وهي تشمل اليوم كل أبناء الشعب العربي الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها. وكل واحد من هؤلاء (فلسطيني)، ومنهم كثيرون يعيشون خارج فلسطين لا يمكنّون من العودة إليها، مع أنها وطنهم ووطن آبائهم وأبنائهم. وهؤلاء هم (فلسطينيو الخارج) الذين يسميهم البعض (فلسطينيي الشتات ) وتتفاعل لديهم رؤيتهم للذات ورؤية الآخر لهم، لتبرز هويتهم الفلسطينية التي تجمعهم بإخوانهم الموجودين داخل فلسطين الذين يشكلون معا شعب فلسطين العربي أحد شعوب أمتنا العربية .
جوهر قضية فلسطينيي الخارج
فلسطينيو الخارج اليوم لهم قضيتهم التي هي جزء من قضية فلسطين . وجوهر هذه القضية تطلعهم للعودة إلى وطنهم فلسطين، والحفاظ على حقوقهم، في وقت يحول المحتل بالقوة دون عودتهم، ويسعى مع قوى هيمنة دولية إلى إنكار حقوقهم. والغالبية العظمى من فلسطينيي الخارج يبرزون هويتهم الفلسطينية العربية ويعتزون بها شأن بني البشر في تعاملهم مع هوياتهم .
حقائق وأرقام
في محاولتنا للإحاطة بواقع فلسطينيي الخارج برؤية شاملة نتعرف على أماكن تواجدهم وعلى عددهم وتوزعهم. يقيم غالبية فلسطينيي الخارج في الدول العربية الأربع المجاورة لفلسطين، الأردن ولبنان وسوريا ومصر. ويقيم بعض منهم في باقي الأقطار العربية، وبعض أخر في أنحاء أخرى من العالم .
الأرقام التي تعطى لعددهم تقريبية، توردها جهات معينة مثل وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين أو مركز الإحصاء الفلسطيني، وتقارير رسمية صادرة عن دول، وكتب مختصة. وقد نشرت وكالة الغوث إحصائية لعام 1995وردت في صحيفة الحياة يوم 1/7/96 تحت عنوان "الانتشار الفلسطيني " أوضحت أن مجموع المقيمين في الدول العربية المجاورة من فلسطيني الخارج هو 3127375 غالبيتهم في الأردن حيث يعيش 2145451، ومنهم في لبنان 550000 وفي سوريا 374000 ومصر 57791. كما أوضحت أن مجموع المقيمين من فلسطيني الخارج في منطقة الخليج 370359 نسمة أكثرهم في السعودية حيث يعيش 240128، ومنهم في الكويت 26000، وفي البحرين وقطر والإمارات العربية 104225. كما يعيش في العراق وليبيا 73359 نسمة، وفي باقي الدول العربية 85746 نسمة. وهكذا يكون مجموع من يعيش في جميع الدول العربية 3656833 من فلسطينيي الخارج يمثلون حوالي 47.5% من مجموع شعب فلسطين العربي. وهناك 224241 نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية و 244722 نسمة في أقطار أخرى من عالمنا، بما يمثل 6.09% أي أن فلسطيني الخارج يمثلون 53.59% من مجموع الشعب الفلسطيني العربي البالغ حسب هذه الإحصائية 7697930 نسمة. وهذا يعني أن عدد فلسطينيي الداخل الموجودين اليوم على أرض فلسطين هو 3572134 نسمة منهم 1064975 في فلسطين المحتلة عام 48 وفي القدس الشرقية المحتلة عام 67 و950345 في قطاع غزة و1556814 في الضفة الغربية. كما أن العدد الكلي لفلسطيني الخارج هو 4125796 نسمة حسب هذه الإحصائية التي تعود إلى عام 1995.
الرقم الذي توصل إليه د. سلمان أبو سته لعدد فلسطيني الخارج في بحثه الذي أنجزه هو 4942119 نسمة. والأرقام التفصيلية التي يوردها لعدد الفلسطينيين في كل دولة أو منطقة تتقارب مع أرقام وكالة الغوث عدا بعض الاستثناءات منها لبنان الذي يستضيف حسب رأيه 710912 من فلسطيني الخارج. وقد ذكرت الرابطة المارونية اللبنانية أن في لبنان 600000 من الفلسطينيين منهم 260000 دخلوا الجنوب والبقاع في ثلاث موجات على حد قول سليم نصار في محاضرته عن اللاجئين الفلسطينيين في النادي العربي في لندن في صيف 1997. وتتجلى لنا حقيقة أن العدد الكلي لفلسطيني الخارج تقريبي حين نقرأ إحصاءات أخرى وردت في كتب عن الفلسطينيين، مثل كتاب (دونا إرزت) أستاذة القانون الدولي في جامعة سيراكوز وعنوانه (من لاجئين لمواطنين: الفلسطينيون وإنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي)، فأرقامها لا تتطابق مع ما أوردنه وإن تقاربت. أما الأرقام الواردة في الكتب الإسرائيلية فهي مختلفة لأن هذه الكتب تحاول التقليل من عدد الفلسطينيين .
مجمل القول بشأن عدد فلسطينيي الخارج وتوزعهم في ضوء ما سبق هو أننا نتحدث عن حوالي خمسة ملايين نسمة، أكثر من سبعين بالمائة منهم يعيشون في الدول المجاورة لفلسطين، وخمسة عشرة بالمائة منهم في بقية الأقطار العربية، والباقي في أنحاء أخرى من العالم .
الحاجة إلى حصر دقيق
إن الحاجة ماسة اليوم وفي ضوء ما سبق وأمام إلحاح قضية فلسطينيي الخارج إلى القيام بحصر دقيق لعددهم في مختلف أنحاء تجمعهم. ويشمل هذا الحصر كل فلسطيني ينطبق عليه تعريف الميثاق الوطني الفلسطيني لمن هو الفلسطيني . وهذه مهم تستحق أن يتعاون على إنجازها دائرة العائدين في منظمة التحرير الفلسطينية مع إدارة فلسطين في جامعة الدول العربية المضيفة مع وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين، بحيث يصبح لدى دائرة العائدين في المنظمة سجل دقيق و(ذاتية) منظمة، وكذلك لدى إدارة فلسطين في جامعة .
فلسطينيون وجنسيات
حين ننظر في أوضاع فلسطينيي الخارج من حيث الجنسيات التي يحملونها، نجد أن غالبية المقيمين في لبنان وسوريا ومصر يحملون الجنسية الفلسطينية التي أخرجوا من ديارهم بها عام 1948. ويحمل غالبية المقيمين في الأردن الجنسية الأردنية. ويحمل عدد غير محدود آخر جنسيات بعض الدول العربية التي يقيمون فيها. وقد تجنس كثير من الفلسطينيين الذين استقروا في الأمريكيتين وفي الخارج البعيد عموما وحملوا جنسيات الدول التي يقيمون فيها .
يعاني فلسطيني الخارج الذي يحتفظ بجنسيته الفلسطينية ويحمل وثيقة سفر مؤقتة للفلسطينيين من صعوبات كثيرة في التنقل والإقامة والعمل تختلف درجتها من دولة لأخرى. وإذا استثنينا سوريا فإن دولا مضيفة أخرى لا تعتبر الوثيقة التي تمنحها للفلسطيني تمكنه من العودة التلقائية إلى بيته وأسرته فيها، بل لا بد من الحصول على تأشيرة عودة لها شروطها. وهذه الصعوبات الكثيرة التي شملت في العقدين الأخريين التعليم والصحة تجعل كثيرا من هؤلاء يسعون إلى الحصول على جنسية أخرى ظنا منهم أنها تسهّل لهم أمورهم. وقد اتجه بعضهم إلى الهجرة لكندا واستراليا وأمريكيا اللاتينية. ويحمل غالبية الفلسطينيين في الأردن الجنسية الأردنية، وهم يعتبرون مواطنين أردنيين. ويتضمن جواز السفر الأردني الذي يحلونه ما يشير إلى أصلهم الفلسطيني .
أوضاع فلسطينيي الخارج
تتفاوت الأوضاع الاقتصادية لفلسطينيي الخارج. وهناك نفر خاض غمار التجارة وعالم رجال الأعمال وحقق نجاحا. وهناك نسبة أكبر من الفنيين ذوي الدخل المتوسط. وهناك نسبة أكبر من العمال الذين يجهدون لكسب قوت اليوم ولعيش (مستور ) ، وترتبط هذه الأوضاع الاقتصادية بأحوالهم الاجتماعية والثقافية. ولا يزال الترابط الاجتماعي قويا في العائلة الفلسطينية. وقد استجاب لتحدي نكبة 1948 فكان عاملا أساسيا في الصمود الفلسطيني أمامها ومن ثم النهوض. وأمثلته كثيرة تستحق التسجيل لما تحفل به من تعبير عن قيم (الرحم) في حضارتنا العربية الإسلامية. كما شملت الاستجابة الفلسطينية لتحدي نكبة 1948 إقبالا على تحصيل العلم والثقافة، فسجلت نسبة التعليم بين جيل النكبة رقما عاليا. وبرز متفوقون كثيرون في مختلف الميادين بين فلسطيني الخارج والداخل على السواء. وقد تفاعلت مجموعة عوامل في العقدين الماضيين لتوجد صعوبات أمام فلسطينيي الخارج في تحصيل العلم، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نسبة التعليم وتراجع نوعيته. وهذا ما نبهت إليه تقارير المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم الفلسطيني الذي ناقش سبل تذليل هذه الصعوبات وطرح أفكارا للتغلب عليها . وتبدو الحاجة ماسة في ضوء الواقع التربوي لفلسطيني الخارج إلى إيلائه عناية خاصة في هذه المرحلة. وهذه مسئولية تقع على عاتق التربية والتعليم في منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن هذه الدائرة شأن دوائر المنظمة الأخرى انشغلت عن متابعة أحوال فلسطينيي الخارج منذ عام 1994 بأحوال فلسطينيي الداخل، وتحول العاملون فيها إلى العمل في إدارات سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني. الأمر الذي يدعو إلى عودة هذه الدوائر للانشغال بأحوال فلسطينيي الخارج، وإلى قيام مبادرات أهلية فلسطينية تعني بأوضاعهم وأحوالهم .
لاجـئـــون
حين يذكر فلسطينيو الخارج يتداعى إلى الخاطر تعبير (اللاجئين الفلسطينيين). وهو التعبير المستخدم رسميا للدلالة عليهم في غالب الأحيان. والحق أن وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين ميزّت في أحصيتها آنفة الذكر في حديثها عن الانتشار الفلسطيني بين فلسطين في الخارج (مواطن) في الدولة التي يقيم فيها، وآخر (لاجئ) غير مسجل وآخر مسجل. وميزت بين لاجئ مسجل يقيم في مخيم وآخر يقيم خارج المخيم، وقد شاع في الوسط الفلسطيني إطلاق كلمة (لاجئ) على من شردتهم نكبة 1948، وإطلاق اسم (نازح) على من شردتهم حرب حزيران- يونيو 1967. ولمصطلح (النازح) لدى المفوضية الدولية لشئون اللاجئين مدلول آخر (فهو الذي يترك بيته إلى مكان آخر داخل حدود الدولة التي ينتمي إليها). كذلك فإن التعريف الدولي للاجئ الذي جاء في اتفاقية 1951 لا يفي بتعريف اللاجئ الفلسطيني لأن العامل الحاكم فيه هو عنصر الخوف من الاضطهاد لسبب أو لآخر ولا يبرز بشكل واضح عنصر الإخراج من الديار والوطن بالقوة . كما لا يميز بين لجوء ناجم عن أسباب اجتماعية وسياسية ولجوء ناجم عن استعمار استيطاني عنصري إحلالي .
هناك مخيمات للاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين في الأردن عددها عشرة، وفي لبنان ثلاثة عشر مخيما، وفي سوريا عشرة مخيمات،. أما في الداخل فهناك ثمانية مخيمات في قطاع غزة وعشرون مخيما في الضفة الغربية، وهذه المخيمات تضم 35% من اللاجئين المسجلين لدى الوكالة .
إن الرؤية الشاملة لواقع فلسطينيي الخارج تدعو إلى الخاطر موجتي الإخراج من الوطن التي تعرضوا لها . وكانت الأولى أبان حرب 1948، وقد شردت قرابة مليون. ثم جاءت الثانية عام 1967 لتشرد حوالي مائتي ألف نصفهم من لاجئ الموجة الأولى. وتضاعف العددان مرات مع تكاثر هؤلاء .
واضح أن أوضاع فلسطينيي الخارج وأحوالهم حافلة بمشكلات تتطلب حلولا على عدة صعد بدءا من الجنسية إلى العمل فالتعليم والصحة. وقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست عام 1964 تحاول معالجة هذه المشكلات، باعتبارها ممثلة للشعب العربي الفلسطيني الموجود داخل فلسطين وخارجها. كما كانت تناضل من أجل تحرير فلسطين وتحقيق عودة فلسطيني الخارج إلى وطنهم، فكان أن التف غالبية هؤلاء حولها. واستمرت جهود المنظمة إلى أن وقعت اتفاق أوسلو 1 عام 1993 الذي تضمن موقفا من فلسطينيي الخارج ومن فلسطينيي (فلسطين المحتلة عام 1948). وذلك بتركيزه على فلسطينيي الضفة الغربية دون القدس الشرقية، وعلى قطاع غزة. وجاء توقيع اتفاق غزة- أريحا عام 1994 وتوقيع أوسلو 2 عام 1995، ليزيد هذا الموقف من فلسطينيي الخارج وضوحا، وليعترف بإسرائيل وبالاغتصاب الصهيوني لفلسطين المحتلة عام 1948، الأمر الذي طرح جديدا خطيرا يشأن قضية فلسطينيي الخارج التي جوهرها العودة إلى الوطن. فلنر كيف نظرت اتفاقات أوسلو لفلسطينيي الخارج .
الموقف الذي تقفه اتفاقات (أوسلو-واشنطن ) من فلسطيني الخارج ضبابي. وضبابيته تحمل في طياتها أخطارا على الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف لهذا الجزء من الشعب العربي الفلسطيني، التي أقرتها الشرعية الدولية. ولقد جاء التوقيع على هذا الاتفاقات في نطاق عملية التسوية التي صممّتها الولايات المتحدة الأمريكية وجعلت نفسها (الراعي الفعلي) لها، وأطلقت عليها اسم (عملية سلام الشرق الأوسط). ولذا فإن التعرف على (موقف الاتفاقات) من فلسطيني الخارج يقتضي التعرف بداية على الخطوط التي رسمها مؤتمر مدريد الذي انعقد في 30|10|1991 بشأن قضيتهم .
فلسطينيو الخارج في (سلام الشرق الأوسط ):
لقد اعتمدت عملية السلام هذه أساسا على قراري 242 و 338 الأمميين الصادرين عن مجلس الأمن الدولي. ومعلوم أن (الثاني) منهما يتحدث عن التفاوض، وفي (الأول) نص له علاقة بفلسطينيي الخارج جاء في البند (ب) من ثانيا هو (تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين). وهو نص حرص من صاغه على أن يتصف بالضبابية حين تحدث عن اللاجئين بدون تحديد أنهم الفلسطينيون حسبما يقتضيه سياق القرار. الأمر الذي أفسح المجال للإسرائيليين منذ اتخاذ القرار في تشرين الثاني- نوفمبر عام 1967، أن يطرحوا تفسيرهم الخاص بهم للبند ويقولوا إنه يشمل أيضا لاجئين يهود لجأوا إلى (إسرائيل) من الدول العربية بعد حرب عام 1948، ونذكر كيف جاهر اسحق شامير بهذا القول في خطابه الرسمي في مدريد .
إن (ضبابية) هذا البند في القرار 242 دعت الأطراف المدعوة للمشاركة في مؤتمر مدريد إلى طلب توضيحات وتطمينات من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جيمس بيكر بشأنه. وهكذا رأيناه يضمن رسالة التطمينات الأمريكية لإسرائيل إقرارا أمريكيا بوجود تفاسير مختلفة لقرار مجلس الأمن 242. كما تضمنت رسالة التطمينات هذه إشارة إلى أن المفاوضات متعددة الأطراف ستدور حول مواضيع إقليمية عامة من بينها مسألة اللاجئين. أما رسالة التطمينات الأمريكية إلى الجانب الفلسطيني في الوفد الأردني الفلسطيني المشترك لمؤتمر مدريد، فقد جاء فيه إشارة وحيدة لفلسطيني الخارج غير مباشرة في معرض الحديث عن مفاوضات المرحلة النهائية، حيث قالت (تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية أن القدس الشرقية والفلسطينيين خارج (المناطق).. يجب أن يكونوا قادرين على المشاركة في مفاوضات المرحلة النهائية ).
لقد نبهنا آنذاك في الحوارات التي دارت حول مؤتمر مدريد في الساحة الفلسطينية، أن أساس التفاوض ضبابي غامض حمّال أوجه، وإلى ما يحمله من خطر على حقوق فلسطيني الداخل والخارج مبينين أن رسائل التطمينات الأمريكية بمجموعها أوضحت أن قرار مجلس الأمن 242 هو للتفاوض وليس للتنفيذ، وأن طرح موضوع اللاجئين دون الإشارة أنهم فلسطينيين أو تحيد زمن لجوئهم في عام 1948 وعام 1967 والسماح (لإسرائيل) أن تطرح ما تريد بشأن هذا الموضوع، سيفسح المجال للحديث عن لاجئين يهود ولطرحه على صعيد إنساني وليس على صعيد حقوق، هذا فضلا عن أنه يستبعد بحث موضوع اللاجئين في المفاوضات الثنائية بين (إسرائيل) والطرف العربي المفاوض. كما نبهنا في الشروط التي فرضتها واشنطن على المشاركين الفلسطينيين ضمن الوفد الأردني في مؤتمر مدريد ومنها الاعتراف بإسرائيل والحرص على أمنها واعتماد التفاوض سبيلا وحيدا للتسوية، وأثر هذه الشروط السلبي على حقوقنا وأوراقنا في المفاوضات .
بدأ التفاوض في المسار الثاني المتعدد بمؤتمر تنظيمي عقد في موسكو يوم 28|1|1992 حضرته ثلاث وثلاثون دولة عربية وأجنبية، ليرتّب أمور اجتماعات فلسطيني يضم فلسطينيين من الضفة والقطاع ومن القدس ومن اللاجئين برئاسة فيصل الحسيني، فكان أن منع من دخول قاعة المؤتمر بحجة أن تأليفه مخالف لصيغة مدريد، على الرغم من أنه مؤتمر دولي يعالج قضايا تخص شعب فلسطين العربي كله، كما أوضح الوفد . وحين عقدت مجموعة اللاجئين اجتماعها الأول في أوتاوا بكندا يوم 12/5/1992 قاطعت (إسرائيل) الاجتماع لأن الوفد الفلسطيني إليه كان برئاسة واحد من فلسطيني الخارج اللاجئين هو د. إلياس صنبر الذي طرح في خطابه الموقف الفلسطيني المعتمد على قرار 194 للجمعية العمومية للأمم المتحدة الصادر في 11|12|1948، والقائل بالعودة. واضطر رئيس الوفد إلى التغيب عن الجلسة الثانية لينوب عنه فلسطيني من (المناطق المحتلة ) كي تنهي (إسرائيل) مقاطعتها الاجتماع. وانعقد الاجتماع الثاني لمجموعة العمل هذه في أوتاوا يوم 11|11|1992. ومرة أخرى أعلن رئيس الوفد الإسرائيلي أنه سينسحب مع وفده لأن رئيس الوفد الفلسطيني للاجتماع هو د. محمد الحلاج عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، وإسرائيل ترفض التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية. وجرى تدخل أمريكي، قبل الوفد الإسرائيلي بعده بالبقاء بعد أن أكد رئيس الوفد الأمريكي أن رئيس الوفد الفلسطيني كان عضوا في المجلس ثم انتهت عضويته. وقد طرح كلا من الوفدين رؤيته لقضية فلسطيني الخارج اللاجئين، وانتهى الاجتماع الثاني بتمييع مرجعية القرار 194 (بتأثير من الوفد الإسرائيلي وتلاقي وفود غربية عديدة معه) - كما أوضح بلال الحسن في دراسته (اللاجئون الفلسطينيون: المتاهة الخطرة) التي نشرها في مجلة دراسات فلسطينية (ربيع 1996).
عقدت مجموعة عمل اللاجئين اجتماعات أخرى بعد هذين الاجتماعين في كل من أوسلو 5|93، وتونس 10|94، وإنطاكية بتركيا 12|94، وجنيف 12|95، ولم تنجز شيئا على الصعيد السياسي بسبب رفض إسرائيل اعتبار القضية سياسية. وقد أوضح إلياس صنبر في حوار مع بلال الحسن حول حصيلة هذه الاجتماعات بأن الوفد الإسرائيلي ركز على معالجة موضوع اللاجئين على زاوية إنسانية فحسب وخاصة فيما يتعلق بالسكن، وكان واضحا أنه كان لا يريد الوصول إلى نتائج فكلما طرح الوفد الفلسطيني موضوع حق العودة قال هذا من اختصاص المفاوضات الثنائية وهو يبحث مع كل حكومة عربية على انفراد وليس للوفد الفلسطيني في مجموعة عمل اللاجئين إلا الحديث عن اللاجئين الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي من الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد ختم إلياس صنبر ملاحظاته قائلا (لقد ناضلنا طول أربعين سنة لإبراز أنفسنا كشعب فلسطيني موحد، وهم يريدون الآن تفتيته إلى فئات فلسطينية واحدة في لبنان وأخرى في سوريا الخ ..).
كان أقصى ما توصلت إليه مجموعة عمل اللاجئين هذه هو إصدار مجموعة بيانات تتضمن كلا من الموقفين العربي والإسرائيلي، وناقشت أفكارا حول سبعة مواضيع هي قاعدة معلومات، والصحة العامة، ورفات الطفل، والتدريب المهني وفرص العمل، وتنمية الموارد البشرية، والبنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية، ولم شمل العائلات. وقد عقدت عدة اجتماعات وسيطة لتحديد مفهوم العائلة تتحدث فيها عن عودة خمسة آلاف شخص سنويا في إطار لمّ الشمل. وهكذا شغلت نفسها عن البحث في جوهر قضية اللاجئين فلسطيني الخارج وهو حق العودة وكيفية ممارسة هذا الحق. وقد أوضح سليم تماري في دراسة أصدرها مؤخرا عن أعمال مجموعة العمل بعنوان (مستقبل اللاجئين الفلسطينيين) نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن هناك إجماعا إسرائيليا بين الليكود والعمل حول موضوع اللاجئين والموقف الإسرائيلي منه الرافض للتعامل معه على أساس سياسي، وفسر ذلك بأن في إسرائيل خشية عامة من إقدام العرب الفلسطينيين على المطالبة بما فقدوه سنة 1948، ولذا فإنهم لا يقبلون أي تزحزح منهم عن زعم حقوق اليهود في أرض فلسطين .
هكذا تبدو الخطوط التي رسمها اتفاق مدريد وفق ما سمّي (عملية سلام الشرق الأوسط) لقضية اللاجئين فلسطينيي الخارج. وهذا ما كان من حصيلة التفاوض في المسار المتعدد الأطراف وفقا لهذه الخطوط. ويا لها من حصيلة،
فماذا حدث بشأن هذه القضية في اتفاقات أوسلو؟.وفي اتفاقات أوسلو ..
استمر التعامل مع قضية فلسطيني الخارج أثناء المفاوضات بالسرية التي جرت في أوسلو بين الحكومة الإسرائيلية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في صيف عام 1993 وفق الخطوط التي رسمتها (عملية سلام الشرق الأوسط) منذ مؤتمر مدريد .
وهي خطوط جعلت (السياق التفاوضي دون مرجعية واضحة محددة) كما رأينا . وقد توصلت هذه الاتفاقات في ليل إلى إعلان (مبادئ حول ترتيبات حكومة انتقالية ذاتية) جاء في سبعة عشر بندا وأربعة ملاحق وجدول زمني، مثّل في مجموعه خطرا على قضية فلسطيني الخارج .
لم يشر هذا الإعلان بكلمة إلى حق عودة فلسطيني الخارج (اللاجئين) إلى وطنهم فلسطين. واقتصر تعامله مع قضية اللاجئين على إشارة واحدة إلى إمكانية بحثها في مفاوضات الوضع النهائي. وذلك في النقطة الثالثة من البند الخامس التي تشير إلى هذه القضية كواحدة من القضايا المتبقية مع قضية القدس وقضية المستوطنات وقضية الحدود. وهكذا تم ترحيل البحث في هذه القضايا إلى مفاوضات الحل النهائي استمرارا لما عمدت إليه خطوط عملية التسوية منذ مؤتمر مدريد. وذلك على الرغم من أن مسار هذه العملية خلال ما يقارب العامين أكد أن تأجيل البحث في هذه القضايا يمكن الحكومة الإسرائيلية من الاستمرار في فرض حقائق جديدة بشأن كل منها وفقا لبرامجها الصهيونية العنصرية التوسعية، بدعم عملي من الولايات المتحدة الأمريكية (مصممة) العملية (وراعيتها) الفعلية. وقد رأينا كيف تابع هذا الكيان الصهيوني (تهويد القدس)، والتوسع في الاستعمار الاستيطاني، ومصادرة مزيد من الأراضي الفلسطينية، وإنكار حق عودة اللاجئين .
تضمن إعلان المبادئ هذا إشارة أخرى إلى لاجئ عام 1967 في بنده الثاني عشر الذي نصّ على تشكيل لجنة رباعية من إسرائيل والفلسطينيين من جهة ومصر والأردن، و(ترتيبات تعاون) تشمل (تكوين لجنة متابعة ستقرر من خلال اتفاقية صيغة دخول لأشخاص انتقلوا من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ). وأذكر أنني في خطابي أمام المجلس المركزي فندت بنود هذا الإعلان وأعلنت رفضي له ودعوت لعدم الموافقة عليه، لاحظت أن الحديث هو عن أشخاص وبدون آل التعريف وقلت (ما أكثر ما تفتقد آل التعريف في نصوص هذا الاتفاق). كما أذكر أن أخي شفيق الحوت في خطابه المعارض في المجلس المركزي وقف أمام تعبير (نماذج لقبول أشخاص) الوارد في البند وقال (هناك حديث عن التوطين جار. فلسطينيو الشتات من حقهم أن يعيشوا في قلق هائل على مصيرهم. ونحن نعلم أي مصير ينتظرهم بعد ثلاث سنواتـ لأن الحديث عن نازحي 67 لا يقل موضع الشبهة فيه رغم تصريحات بعض الأخوة ووعودهم بأنها أشهر ويعود مئات الآلاف من النازحين إلى أرضنا المحتلة .
لقد شهدت الفترة التي تلت توقيع اتفاق أوسلو- واشنطن الأول في 13|9|1993 صدور تصريحات لأحد من تولوا كبر التفاوض السري في أوسلو. أورد بلال الحسن نموذجا منها في دراسته، حملت فيما هو غريب مثل تفسير قرار 194 الخاص بالعودة بأنه (يقول باختصار التعويض على من لا يرغب في العودة. ونحن متمسكون بهذا القرار. ولذلك نطرحه في اللجان المتعددة. وعندما طرحناه في أوتاوا في كندا وجدنا للمرة الأولى تأييدا له (؟؟) فقد وافقت عليه الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من دول العالم ويتابع بلال الحسن القول "وسئل أبو مازن عن التوطين فرد بجواب غريب آخر يقول "لماذا التوطين؟ لا ضرورة للتوطين في حال عدم العودة، لأن أي فلسطيني سيبقى في إحدى الدول العربية سيكون ضمن أقلية فلسطينية. ولكن حقه يبقى دائما، وهو مرتبط بالدولة الفلسطينية". (مقابلة مع جريدة الحياة في 21/10/93 ).
تضمنت تصريحات أخرى لبعض المشاركين في التفاوض والمروجين للاتفاق حديثا عن عودة ثمانمائة وخمسين ألف نازح بسبب حرب 1967 في القريب العاجل. وقد ووجهت باستخفاف إسرائيلي. وترقب كثيرون من هؤلاء ما سيحدث على أرض الواقع، مع شعور قوي بازدياد الأخطار المحدقة بفلسطيني الخارج بفعل هذا الاتفاق الأول .
فماذا حدث على أرض الواقع بعده؟.عند تطبيق النصوص على أرض الواقع !
ينشغل دارس التاريخ والمختص بعلم السياسة بتتبع ما يحدث في ميدان الأحداث بعد إبرام اتفاقية سياسية، ليرى كيف تتجسد نصوص هذه الاتفاقات على أرض الواقع. ذلك أن تطبيق النصوص هو امتحان لمضمونها ومدى تماسكها وهو اختبار على درجة قدرتها على الصمود .
حين نتتبع ما حدث على أرض الواقع بشأن قضية فلسينيي الخارج بعد إبرام اتفاق أوسلو- واشنطن الأول في 13/9/1993، نجد أن شهورا خمسة تتالت قبل أن تعقد اللجنة الراعية المختصة ببحث عودة من نزح من فلسطينيي الخارج عام 1967، أو اجتماع لها في عمان في 7/3/1994، وجاء هذا الاجتماع تنفيذا لما نصت عليه المادة 12 من اتفاق إعلان المبادئ التي تقول "سيقوم الطرفان - منظمة التحرير الفلسطينية والطرف الإسرائيلي - بدعوة حكومتي الأردن ومصر للمشاركة في المزيد من ترتيبات الارتباط والتعاون بين حكومة إسرائيل والممثلين الفلسطينيين من جهة، وحكومتي الأردن ومصر من جهة أخرى للنهوض بالتعاون بينهم. وستتضمن هذه الترتيبات إنشاء لجنة مستمرة ستقرر نماذج قبول دخول لأشخاص مرحلين من الضفة الغربية وقطاع غزة في 1967، مع الإجراءات الضرورية لمنع الفوضى والإخلال بالنظام ...".
كان قد استوقفنا في هذا النص حين عارضنا اتفاق أوسلو-واشنطن 1، عدة نقاط سلبية، فهو يضع الإسرائيليين والفلسطينيين في جهة واحدة معا والأردن ومصر من جهة أخرى في عملية التباحث. وهذا الأمر يجعل الفلسطينيين مع الإسرائيليين في مواجهة دولتين عربيتين. وهو يتحدث عن نماذج قبول دخول أشخاص، وليس النازحين كلهم كما يصفهم بالمرحليين. وأخيرا نجد النص يقيد ذلك كله بإجراءات ضرورية لمنع الفوضى والإخلال بالنظام وقد توقعنا آنذاك أن يكون عمل اللجنة التي ستشكل بالغ التعقيد. وجاء الاجتماع الأول للجنة مصدقا لهذا التوقع. فبعد أن طرح وزير خارجية الأردن اقتراحا بعودة النازحين وفقا لمعايير تضمن عودة الجميع، وأكد وزير خارجية مصر أن حق العودة ليس مسألة مطروحة للتفاوض بل هو ثابت وأصيل، وطالب بإجراءات عملية سريعة جاء رد وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز عارضا وجهة النظر الإسرائيلية داعيا إلى الواقعية (كذا؟؟) وإيجاد حلول قابلة للتنفيذ (كذا؟؟) ومعتبرا مشكلة النازحين مشكلة إنسانية تتحمل مسؤوليتها الدول المعنية مع إسرائيل. وأبرزت نقطة "من دون الإخلال بالأمن والنظام" الواردة في النص وأوضح أن إسرائيل لا تعترف بالعدد الذي أورده الجانب العربي (أكثر من 850 ألف نازح)، واقترح دعوة هيئة دولية لإحصائهم ووضع برنامج لعودتهم بمعدل بين 4 إلى 5 آلاف سنويا مع تحديد من يريد البقاء حيث هو .
أسفر اجتماع اللجنة الرباعية الأول عن تأليف لجنة دائمة ذات طبيعة فنية لا سياسية لتحديد عدد النازحين وأماكنهم وتطلعاتهم. وانعقد الاجتماع الثاني على مستوى اللجنة الفنية في بير السبع في 6/7/1995 وانفض من دون اتفاق. ثم عقد الاجتماع الثالث في عمان في 13/9/1995 حيث جرى تبادل اقتراحات مرة أخرى واستمر الاختلاف حول تعريف من هو النازح وشهدت حيفا انعقاد اجتماع تال في 3/1/1996 لم يأت بجديد. ثم انعقد اجتماع في القاهرة في 12/2/1996 حدث فيه " تغيير في الشكل دون المضمون" على حد تعبير بلال الحسن الذي تتبع في دراسته ما جرى في هذه الاجتماعات. وقد لفت نظره أن التغطية الصحفية لهذا الاجتماع في الصحافة المصرية أوردت نقدا صريحا لما ورد في اتفاق أوسلو 1 بشأن موضوع النازحين .
هكذا مضى عامان دون أن يسفر عمل هذه اللجنة الرباعية عن عودة نازح واحد. ودون أن يتم الاتفاق على تعريف من هو النازح، ولا على عدد النازحين. وقد قدرهم العرب بمليون ومائتي ألف بينما قدرهم الإسرائيليون بمائتي ألف ودعوا إلى توطين غالبيتهم حيث هم. وحين طالب الجانب الفلسطيني بالسماح بعودة مائة ألف فورا، رد الجانب الإسرائيلي "أن هذا مطلب غير واقعي" معتبرا أن للمسألة وجها أمنيا ووجها يتعلق بالقدرة على الاستيعاب .
حدث في هذه الأثناء أن تم إبرام " اتفاقية غزة - أريحا" في 4/5/1994 في القاهرة، وقد جاء فيها "أن لجنة مستديمة إسرائيلية فلسطينية مشتركة تقرر بالاتفاق إجراءات السماح بدخول الأشخاص المبعدين من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1976 ومعها الإجراءات اللازمة لمنع الاضطراب والإخلال بالنظام". وذلك في الفقرة 2 من المادة 16، وتلا إبرام هذه الاتفاقية فورا دخول قيادات أمنية فلسطينية لمنطقتي غزة وأريحا ثم جاء دخول رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية مع عدد من القيادات في مطلع شهر تموز- يوليو 1994، وفتح تشكيل الشرطة الباب أمام دخول آلاف من فلسطينيي الخارج العاملين في مؤسسات المنظمة وجيش التحرير الفلسطيني بخاصة، لكي يكونوا ضمن قوة الشرطة الفلسطينية. كما فتح تشكيل السلطة الفلسطينية للحكم الذاتي الباب أمام دخول الأعضاء من المؤسسات العليا في المنظمة، فدخل بعض أعضاء المجلس المركزي مع بعض أعضاء اللجنة التنفيذية ثم بعض أعضاء المجلس الوطني حين دعي للانعقاد في غزة في شهر نيسان- إبريل من عام 1996. وهكذا تحقق دخول بضعة آلاف من العاملين في المنظمة ومعهم أسرهم. وحصل غالبيتهم على هوية من السلطة الفلسطينية بعد موافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي .
حدث أيضا في هذه الأثناء مما يتعلق بقضية فلسطينيي الخارج أن تم توقيع المعاهدة الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة في تشربن أول - أكتوبر عام 1994، متضمنة المادة الثامنة التي اعتبرت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين (مشكلة إنسانية ومصدرا للمعاناة الإنسانية). وجاء فيها (ويسعى الطرفان إلى التخفيف من حدة المشاكل الناجمة عنها على الصعيد الثنائي، وإلى تسويتها في المحافل والمنابر المناسبة، وضمن إطار اللجنة الرباعية المشتركة). وقد جاء في الفقرة 8/2/ب النص على (أن يعمل الجانبان على توطينهم). الأمر الذي أعتبر المراقبون (أول نص صريح يدعو بشكل واضح إلى توطين اللاجئين خارج أرضهم)، كما يقول تيسير عمرو في دراسته عن مشكلة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين مشيرا إلى ما كتبه محمد صقر وآخرون عن هذه المعاهدة .
لم يأت اتفاق أوسلو2 الذي جرى توقيعه في 28 أيلول سبتمبر 1995 في واشنطن بأي جديد بشأن قضية فلسطينيي الخارج، حيث جرى تضمين النص الوارد في إعلان المبادئ بأن النازحين عام 1967 بحرفيته في المادة السابعة والعشرين من (الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني الانتقالي حول الضفة الغربية وقطاع غزة). ويتضمن هذا الاتفاق الذي شمل سابقيه إعلان المبادئ وغزة وأريحا، ديباجة فيها أحد عشر فقرة، وخمسة فصول، فيها واحد وثلاثون مادة، وأربع عشرة مادة ختامية، وستة ملاحق. وقد قمت بتحليله في كتابنا (أزمة الحل العنصري في فلسطين ).
مسألة الجنسية الفلسطينية
من الأمور التي جرت على أرض الواقع في هذه الفترة أيضا صدور جواز سفر باسم (السلطة الفلسطينية) لفلسطينيي الضفة والقطاع. ولم يشمل (حق) حمل هذا الجواز لفلسطينيي الخارج. وقد جاء فيه على لسان (وزير الداخلية أو مدير عام الأحوال المدنية والجوازات) القول (هذا الجواز صادر بناء على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية وفقا لاتفاق أوسلو الموقعة في واشنطن في 13 سبتمبر 1993 ).
صدور هذا الجواز أثار مسألة (الجنسية الفلسطينية) وما إذا كانت قد أصبحت موجودة من جديد . وقد عالج هذا الموضوع ديب عكاوي في مجلة حقوق الناس في 6/97 في بحث بعنوان (حق تقرير المصير ومسائل الجنسية الفلسطينية) أوضح فيه أن جوهر الجنسية ومضمونها أنها (تربط سكان الدولة والمواطنين بعلاقة قانونية بدولتهم). فوجود الجنسية (ينبع من وجود الدولة في مرحلة معينة من تطورها، وليس لمجرد إصدار قانون بشأن الجنسية ). ولاحظ ديب عكاوي أن اتفاقات أوسلو (لا تتطرق مباشرة لمسائل الجنسية الفلسطينية، لأنها غير موجهة لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة. ولكنه رأى أن الحكم الذاتي الفلسطيني بما يتضمنه من مظاهر غير مباشرة لدولة في مرحلة التكوين مثل إشراف سلطته على ستة مجالات حياتية، ورفع علم وترديد نشيد وطني وإصدار قوانين وبطاقات هوية وجوازات سفر، (يفترض وجود جنسية في مرحلة التكوين يتحدد وضعها في ضوء تطورات لاحقة). واستذكر عكاوي كيف أن قرار تقسيم فلسطين أنشأ جنسية لكل من الدولتين وثالثة خاصة بمدينة القدس، وتحدث عن إمكانية منح حق (اختيار الجنسية). ولكن لم تتحقق إقامة دولة فلسطينية آنذاك لأسباب معروفة، فلم تحدث جنسية فلسطينية، وبقي الحديث عن الجنسية الفلسطينية القديمة في قطاع غزة التي عوملت على أن حاملها بدون جنسية .
هذا الحديث عن جنسية فلسطينية في مرحلة التكوين يحملها مستقبلا فلسطينيو الداخل، طرحت التساؤل عما إذا كان سيحملها أيضا فلسطينيو الخارج، وعن حقوق حامليها منهم في ضوء اتفاقات أوسلو حين تمنح لهم، الأمر الذي جعل هذا الموضوع مطروحا في المخططات الإسرائيلية والأمريكية بشأن فلسطيني الخارج. وقد حان الوقت لنأخذ فكرة عن هذه المخططات التي جرى وضعها في ظل اتفاقات أوسلو .
مخططات أمريكية لتصفية قضية فلسطيني الخارج
نورد مثلا على أفكار أمريكية تتردد في أوساط المعنيين في الولايات المتحدة، ما جاء في كتاب "دونا ارزت" أستاذة القانون الدولي في جامعة سيراكوز بولاية نيويورك الذي عنوانه "من لاجئين إلى مواطنين : الفلسطينيون وإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي"، وقد عرضه "يراح طال" في صحيفة هآرتس يوم 4/2/1997. وعنوان الكتاب يشي بمضمونه وهو "التوطين"، وليس حق العودة .
تمهد المؤلفة للأفكار التي تقترحها بدعوة كل من "جانبي النزاع" على حد قولها إلى "إن يتنازل عن جزء من تطلعاته (كذا). وتقترح أساسا تقسيم عبء توطين اللاجئين على إسرائيل وجيرانها بمن فيهم السلطة الفلسطينية التي ترى المؤلفة أنها "ستصبح دولة تعطي بطاقات هوية وجوازات سفر لمواطنيها وتوطن جزءا من اللاجئين داخل حدودها، فيتحولون من لاجئين إلى مواطنين". وترى "ارزت" انه يمكن أن يعود بعض اللاجئين من فلسطيني الخارج إلى داخل حدود هذه الدولة المزمع إقامتها. وتؤكد على "بعض" وليس الكل"لان إغراق الدولة بمئات الآلاف منهم قد يهز استقرارها" (كذا) على حد قولها. وهو يذكرنا بما قاله بيريز. وهي ترى أيضا أن يتحدد لكل دولة في المنطقة باتفاق فيما بين هذه الدول "نصيبها من اللاجئين الذي يتم توطينهم فيها ومن ثم حمل جنسيتها. وذلك وفقا لقدرتها الاقتصادية واستقرارها الاجتماعي". كما ترى "إن تقدم الدول الصناعية الكبرى مساعدات لمشروع توطين الفلسطينيين هذا". وهي تدعو إلى نقل بعض اللاجئين من فلسطيني الخارج وتغيير مكان إقامتهم .
تنتهي دونا ارزت من طرح هذه الأفكار إلى اقتراح تصور لتوزيع الفلسطينيين في الداخل والخارج. فسكان الضفة في الداخل يمكن أن يزيدوا إلى الضعف بعد نقل نصف سكان القطاع إليهم فيبقى في القطاع النصف، وهي تقترح أن يخطط لتوطين أربعماية ألف فلسطيني آخرين في سوريا حتى عام 2005، يضافون إلى "352 ألف لاجئ يقيمون فيها، منهم 97 ألف في المخيمات". كما تقترح أن ينقل من لبنان نصف عدد اللاجئين المقيمين فيه وهم حسب تقديرها حوالي 372 ألف فيتقى فيه 186 ألف لاجئ. كما تقترح أن ينقل لباقي الدول العربية من السعودية إلى العراق فالكويت فمصر فدول المغرب ما يماثل العدد الموجود فيها وهو حاليا حسب تقديرها 446600 لاجئ ليصبح ما تستوعبه منهم حوالي 950 ألف لاجئ فلسطيني مقابل 452 ألف يعيشون حاليا فيها. أما إسرائيل فترى "دونا ارزت" أنها يمكن أن توطن 75 ألفاً في نطاق جمع شمل العائلات وتمنحهم الجنسية الإسرائيلية. ويأتي أغلب هؤلاء من لبنان والأردن والضفة الغربية . كما يمكن أن توافق إسرائيل على عودة عدد محدود في إطار تنفيذ محدود لحق العودة إلى حدود الخط الأخضر لو تم ذلك في إطار تسوية شاملة. وتشترط أن يكون لدى هؤلاء أقارب في "إسرائيل" ويوقع كل منهم على "التعايش السلمي مع الجيران والامتناع عن أية أعمال إرهابية" كذا !! وأخيرا تطرح دونا ارزت التعويض داعية المجتمع الدولي توفير الموارد الضرورية لهذا الغرض .
المخطط الإسرائيلي لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين
سارع العدو الإسرائيلي بعد اتفاق إعلان المبادئ "حول ترتيبات حكومة انتقالية ذاتية" في واشنطن في 13/9/1993 إلى بلورة أفكاره بشان قضية اللاجئين فلسطيني الخارج التي جعلها هذا الاتفاق واحدة من قضايا مفاوضات الوضع النهائي . وهكذا نشطت مراكز البحث الإسرائيلية في تناول هذه القضية. ولم يلبث مركز جافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل ابيب أن اصدر عام 1994 دراسة "مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، قضايا الحل الدائم : إسرائيل - الفلسطينيون" بقلم شلومو غازيت، أحد كبار رجال الموساد .
عمدت هذه الدراسة إلى "نسف" الأساس الذي أرسته الشرعية الدولية بشان اللاجئين الفلسطينيين في القرار الأممي رقم 194 الذي ينص على حقهم في التعويض والعودة. التعويض عما خسروه من ممتلكاتهم والعودة إلى بيوتهم في وطنهم فلسطين. فأعلنت الدراسة بداية ان هذا القرار "بات متقادما وغير قابل للتطبيق في صيغته القائمة". ثم لجأت إلى "تفريغ" مصطلح اللاجئ من مضمونه بتقديم تعريف خاص له، يستطيع من خلاله تقليص عدد اللاجئين الذين تعامل معهم وكالة الغوث إلى حوالي النصف . فاللاجئ عند غازييت هو "شخص كان يقيم في (أرض إسرائيل) (كذا!) خلال فترة لا تقل عن عامين قبل نزاع عام 1948، ولجأ إلى إحدى الدول التي فيها جهاز تابع لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين يقدم معونة، فتم تسجيله. ويجب فضلا عن كونه مسجلا في سجلات الوكالة ان يقيم في المنطقة التي تعمل فيها ويجب ان يكون في ضائقة". والشرط الأخير يحرم هذا الإنسان من ان يكون له وطن، كما ان استخدام مصطلح ارض إسرائيل بدلا من فلسطين ينكر على الشعب العربي الفلسطيني كله ان فلسطين وطنه. وترى الدراسة بعد نسف الأساس الشرعي وتفريغ المصطلح من مضمونه أن على الأطراف توفير حل لقضية هؤلاء اللاجئين حيث هم. أما نازحو عام 1967 من شعب فلسطين العربي، فان غازيت يقدم تعريفا لهم خاصا به "فهم أبناء الضفة والقطاع من غير لاجئ 1948 الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم بعد حرب عام 1967". ويسقط هذا التعريف جميع من نزح من اللاجئين عام 1967 من الضفة والقطاع حين أخرجهم العدو الإسرائيلي قسرا من مخيمات لجوئهم فيهما. ويرى غازيت ان النازحين من البناء الضفة والقطاع يمكن ان تعود أعداد منهم على دفعات بينها فواصل زمنية، كي تكون السلطة الفلسطينية قادرة على استيعابهم. ونشترط على هؤلاء الا يثيروا مسألة استعادتهم املاكهم التي صادرتها سلطات الاحتلال بذريعة تطبيق قانون املاك الغائبين، لان ذلك يمس مسألة الاستيطان ومصلحة المستوطنين. كما يحذر من خطورة عودة عناصر قد تسهم في اثارة شعب في الضفة. ويلفت النظر إلى ضرورة منعهم من السكن قرب خط الخامس من حزيران (الخط الاخضر) حتى لا يتحول تجمعهم السكاني إلى مصدر خطر امني، (كذا!). وهكذا نجد هذا الطرح منكرا حق العودة، ومفترضا سيادة فلسطينية منقوصة على الضفة والقطاع .
شأن "آلية" تحويل الافكار إلى "سياسات" في الكيان الإسرائيلي، ما اسرع ما قام "حزب العمل" الإسرائيلي بتضمين هذه الافكار في موقفه من قضايا المرحلة النهائية، وصياغة مقترح لاتفاق إسرائيلي - فلسطيني بشأن هذه القضية وبقية القضايا الاخرى، وذلك في الورقة التي اصدرها في 1/11/1995 في ظل وزارة بيريز اثر اغتيال رابين، وعنوان الورقة "اطار لمحصلة اتفاق حول الوضع النهائي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ".
"Frame Work for the Conclusion of a Final Status Agreement between Israel and the Palestine Liberation Organization".
وقد جاءت معالجة موضوع اللاجئين الفلسطينيين في المادة السابعة في سبعة بنود. وتضمن البندان الاول والثاني اساس المعالجة، وتمت صياغتها باسلوب "زخرف القول" الذي يعتمده حزب العمل. فالبند الاول نصه "مع ان الجانب الفلسطيني يعتبر ان حق اللاجئين الفلسطينيين في ان يعودوا إلى ديارهم معزز "Enshrined" في القانون الدولي والعدالة الطبيعية "Natural Justice" ، الا انه (أي الجانب الفلسطيني) يعترف بالمتطلبات المسبقة لعصر السلام الجديد والتعايش. وهو يعلن ان الدولة الفلسطينية ستكون وطن كل الفلسطينيين. كما يعلن استعدادها لقبول وتنفيذ سياسات ومعايير تضمن -في حدود الممكن- رخاء هؤلاء اللاجئين وسلامتهم. "كما ان نص البند الثاني هو "حيث ان الجانب الإسرائيلي يقر بالمعاناة المعنوية والمادية التي لحقت بالشعب الفلسطيني نتيجة لحرب 1947-1949، فانه يقر حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى الدولة الفلسطينية وحقهم في التعويض واعادة التأهيل عن خسائرهم المعنوية والمادية". وواضح ان هذين البندين اغلقا الباب نهائيا امام ممارسة شعب فلسطين العربي حق العودة كما اقرته الشرعية الدولية إلى بيوتهم التي اخرجهم الصهاينة المعتدون منها عام 1948، وفرض البند الاول منهما على الجانب الفلسطيني قبول سياسات ومعايير لاستيعاب بعض اللاجئين في الضفة والقطاع. بينما اعطى الجانب الإسرائيلي حق تقديم تفسير جديد باطل لحق العودة إلى الجزء المحتل من فلسطين عام 1948 وانما إلى الضفة والقطاع وضمن معايير خاصة. وتفصل البنود 3 و4 و5 و6 في كيفية تعويض اللاجئين واستيعاب بعضهم وفق "تصميم" إسرائيلي لا يبقى من الحق شيئا، ليأتي البند السبع ناصا على "ان منظمة التحرير الفلسطينية تعتبر ان تنفيذ ما سبق هو تسوية نهائية لمسألة اللاجئين بكل ابعادها. وهي تلتزم بانه لن تكون هناك دعاوى اخرى او مطالب تبرز من هذه المسألة". وكم يأسى المرء وهو يلاحظ اسلوب "الضحك على اللحى" في صياغة البندين بما يتعلق بالجانب الفلسطيني، ثم في عرض موقف الجانب الإسرائيلي. وهو اسلوب لا يجوز على صاحب الحق الواعي .
سارعت حكومة حزب العمل برئاسة بيريز بعد صياغة موقفه من قضية اللاجئين في هذه الورقة إلى محاولة"فرضها" على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وانتدبت وفدا برئاسة يوسي بيلين ليتباحث مع "وفد فلسطيني " برئاسة محمود عباس في اطار السلطة الفلسطينية والحكم الذاتي الانتقالي المحدود . وزعمت صحيفة هآرتس ان هذه المباحثات السرية التي تستهدف بلورة موقف مشترك توصلت إلى وثيقة اسمتها "وثيقة بيلين - عباس" في مطلع عام 1996 تناولت قضايا الحل النهائي المحدد معالمه في هذه الوثيقة، وان النتفيذ الكامل لما ورد فيها من بنود وفق المراحل المحددة، يلغي اية تبعة لاحقة تتعلق بالاراضي او السكان او اللاجئين او الممتلكات، ونشكل التزاما من قبل الطرفين بحل دائم يطوي بشكل نهائي نزاعاتهما وما ترتب عليها من قرارات عربية او اقليمية او دولية، بما في ذلك كافة القرارت ذات الشأن الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الامن والمنظمات المتخصصة المتبثقة عنهما ". وواضح ان هذه المقدمة العامة تستهدف الغاء مرجعية الشرعية الدولية في حل قضية اللاجئين ومسح كل قرارات الامم المتحدة - جمعية عامة ومجلس أمن- بشأنها، واعتماد مرجعية "أوسلو" التي تترك للعدو الإسرائيلي ان يقرر ما يراه، ويفاوض نفسه، ويملي ما يستطيع املاءه .
جاء التعامل مع موضوع اللاجئين في البند "رابعا" من الوثيقة -وفق ما أوردت هآرتس - ومما ورد فيه "فيما يتعلق بموضوع اللاجئين والنازحين، فانه ينبغي العمل على ان تحل هيئة دولية جديدة محل وطالة الغوث الحالية، لتتولى عملية اعادة تأهيل اللاجئين والنازحين وتأمين استيعابهم في دول وأماكن اقامتهم الحالية، والعمل على تطوير اوضاعهم الحياتية والاجتماعية وامتصاص اعدادهم في الحياة اليومية التي يعيشون في محيطها. وواضح من هذا النص ان اساس الحل فيه هو "التوطين"، ولا مكان للعودة فيه، بما يعني حرمان الفلسطيني العربي من حق العودة. وقد تضمنت هذه الوثيقة تنظيم امر زيارة هذا الفلسطيني العربي إلى اهله في "اراضي السلطة الفلسطينية"، فنصت على ان "للسلطة حق اصدار الدخول المؤقتة وتأشيرات الزيارة اللازمة لهؤلاء بغرض زيارة ذويهم المقيمين". وهذا الحق المحدود بالزيارة مشروط بان "لا يمنح هؤلاء حق المواطنة في حدود ارض السلطة"، و"انما يحق منحهم الاقامة المؤقتة المحدودة التي تمنح للزوار من الدعايا الاجانب". (هكذا بوضوح!). وحتى في نطاق هذه الحدود بالغة الضيق المعطاة للسلطة الفلسطينية فان الوثيقة تنص "ولاسرائيل حق المساءلة في اية حالة يشتبه فيها، دون تحفظات". ويعمد الخبير القانوني الإسرائيلي الذي صاغ مشروع هذا الاتفاق إلى ذكر المبرر الإسرائيلي الذي يفرض على الجانب الفلسطيني قبوله، "وذلك بهدف عدم الإخلال الديموغرافي في المنطقة (كذا!)، أو زعزعة استقرارها السياسي (كذا!). ثم ينص هذا الاتفاق على أن "يتعهد الجدانب الفلسطيني بالتعاون المطلق في هذا الشأن. وتعتبر الارقام الوطنية السارية حاليا، والممنوحة للرعايا المقيمين في مناطق السلطة الفلسطينية حتى تاريخ وضع هذه الوثيقة موضع النتفيذ هي المرجعية الرسمية لاي تجاوز قد يقع بعد دخولها حيز التنفيذ". كما ينص الاتفاق على ما ينبغي ان يكون عليه سلوك السلطة في تعاملها مع هذا الموضوع، وتأتي الصياغة بالاسلوب الإسرائيلي اياه"من دون ان يكون لاسرائيل صلاحية تحديد عدد المسموح لهم بالاقامة المؤقتة في اراضي السلطة الفلسطينية من اللاجئين والنازحين، فان السلطة الفلسطينية تلتزم باحترام عامل الثقة المتعلق بهذا الشأن، والامتثال لحق المساءلة المشار إليها عند الضرورة من قبل حكومة إسرائيل". (كذا بالنص !).
جرى تسريب هذا الاتفاق إلى الصحافة الإسرائيلية، ودار حوار حوله في أوساط التجمع الإسرائيلي كشف عن الترحيب به. اما على الصعيد الفلسطيني الرسمي فلم تجر مناقشته رسميا ولا جرى اقراره، وانما نبه إلى نوع "الحصاد المر" للتفاوض حول هذا الموضوع اذا لم يتشبث الجانب الفلسطيني بمرجعية الشرعية الدولية .
حرصت قيادة حزب المعمل بعد فشلها في انتخابات ربيع 1996 وانتخاب نتنياهو رئيسا للحكومة، على بحث ورقتها بشأن الحل النهائي مع تكتل ليكود الحاكم. فكان ان جرت مباحثات يوسي بيلين مع وفد من حزب العمل وميخائيل ايتان رئيس كتلة ليكود البرلمانية مع وفد من التكتل الليكودي. وقد توصلت هذه المباحثات إلى وثيقة جرى اعلانها في مطلع عام 1997 تضمنت ما توافقا عليه. وكان الاتفاق بشأن اللاجئين شاملا لاكثر ما ورد في ورقة حزب العمل، عدا بند امكانية عودة النازحين إلى الضفة والقطاع، حيث اعترض ايتان ودعا إلى توطين النازحين الفلسطينيين في الدول العربية الموجودين فيها .
واضح مما سبق ان المخطط الإسرائيلي بشأن اللاجئين يسعى إلى حرمانهم من ممارسة "حق العودة"، وذلك بنسف الاساس الشرعي للعودة . كما يسعى إلى التخلص من وكالة الغوث والدولية التابعة لمنظمة الامم المتحدة، كي يقطع صلة المنظمة الدولية بقضية اللاجئين الفلسطينيين. ويسعى إلى ترسيخ مبدأ التعويض عن الوطن، والوطن لا يعوض. ويسعى إلى حرمان النازحين الذين اخرجوا عام 1967 ايضا من العودة .
ان هذا المخطط يعني ان حوالي خمسة ملايين من ابناء فلسطين الموجودين خارج وطنهم المحتل ممنوعون من العودة إلى وطنهم، بينما يكفل قانون العودة الإسرائيلي العنصري لاي يهودي في العالم ان يعود إلى فلسطين المحتلة ويصبح مواطنا اسرائيليا. وهكذا تستمر قضية اللاجئين الفلسطينيين ساخنة في اطار قضية فلسطين، تتطلب تكثيف الجهد لمعالجتها بالتحرير والعودة .
ما هو مستقبل قضية فلسطيني الخارج في اطار قضية فلسطين في ظل اتفاقات التسوية؟
واضح ان تحالف قوى الطغيان الامريكية والصهيونية يسعى بقوة لتصفيتها، والحكم على خمسة ملايين من ابناء فلسطين العربية بالبقاء منفيين محرومين من العودة إلى وطنهم ومثوى آبائهم واجدادهم. ولكن هل يمكن لهذا السعي القوي لفرض واقع الظلم ان ينجح؟ ان مسار قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، يؤكد ان الجواب عن هذا السؤال هو بالنفي وان مقاومة فلسطيني الخارج والداخل ستستمر إلى ان تحقق عودتهم. وهذا ما نستخلصه ايضا من دراسة تاريخ حركات التحرير بعامة .
لقد جعلت "عملية سلام الشرق الاوسط" واتفاقات أوسلو قضية فلسطيني الخارج "اللاجئين" احدى قضايا اربع يجري بحثها عند بحث الحل النهائي . وهذا ما دعا العدو الإسرائيلي الصهيوني إلى المضي في ايجاد امر واقع يحول دون هؤلاء اللاجئين والعودة إلى وطنهم، مستغلا تأجيل بحث القضية، وعامدا في الوقت نفسه إلى وضع مخططه لتصفية قضيتهم وتجسيد ذلك عمليا في المفاوضات المتعددة الاطراف التي عرضت لهذه القضية. وقامت الولايات المتحدة شأنها دوما بتمكينه ودعمه. ولكن مقاومة شعب فلسطين العربي لتصفية قضية فلسطيني الخارج استمرت ودخلت مرحلة جديدة تمثل حلقة في سلسلة حلقات هذه المقاومة التي بدأت منذ نكبة عام 1948 .
حين نستحضر بين يدي ما ينبغي عمله في هذا المرحلة، ما جرى في المراحل السابقة، نجد ان ابن فلسطين العربي تمسك بحقه في العودة، ورفض بقوة فكرة توطينه خارج وطنه، واسهم في النضال لتحرير ارضه معتمدا على ما تيسر له من وسائل واساليب. ويقينا فانه عاقدا لعزم على متابعة هذا النضال في هذه المرحلة .
جاء الاعلان عن هذا العزم واضحا جليا في اجتماع المجلس المركزي الذي ناقش اتفاقات أوسلو في 10/1993 على لسان معارضي الاتفاقات . ومنهم اخي شفيق الحوت الذي حذر من مخططات التوطين قائلا : "ان فلسطيني الشتات من حقهم ان يعيشوا في قلق هائل على مصيرهم. ونحن نعلم اي مصير ينتظرهم بعد ثلاث سنوات، لان الحديث عن نازحي 67 لا يقلل موضوع الشبهة فهي رغم تصريحات بعض الاخوة ووعودهم بانها اشهر وسيعود مئات الاف من النازحين إلى ارضنا المحتلة. فاللجنة المعنية التي ذكرها الاتفاق التي تضم اسرائيليين وفلسطينيين من جهة واردنيين ومصريين من جهة اخرى ستبحث نماذج السماح لاشحاص. نعم لاشخاص وليس لجموع ".
وكنت قلت في خطابي في ذلك الاجتماع "ان حق العودة إلى كل شبر من فلسطين وطننا هو حق طبيعي أكدته اشرعية الدولية والقانون الدولي " ، وأوضحت كيف عمد الاتفاق إلى الالتفاف حوله، كما اشرت إلى تصريحات العدو حول استحالة اعادة احد من لاجئ 1948، وتبجحه بالزعم بان هناك اتفاقا ضمنيا على ذلك في صيغة مدريد، لاعلن "ان الوطن لا يعوض، وحق العودة لا يسقط بالتعويض. فالتعويض هو عن الخسائر المادية والمعاناة المعنوية، وهو حق لكل من شردته الغزوة الصهيونية يقترن بحقه الاساسي بالعودة. وحاشى لاي فلسطيني ان يوافق على مفهوم التعويض عن الوطن نفسه وطن آبائه ووطنه ووطن الولاده من بعده". ودعوت في نهاية الخطاب إلى ان نولي عناية خاصة لحق العودة، ونحن نناضل لتحرير فلسطين، "فننشئ مركزا خاصا يعنى باعداد حصر "للعائدين"، وبتنظيم حملات على الصعيد الدولي لتعبئة التأييد لممارسته ومقاومة التوطين والعناية بشؤون العائدين الحياتية في اماكن تجمعاتهم إلى ان يعودوا ".
تجلى هذا العزم في ظاهرة الحديث عن عقد مؤتمرات لفلسطيني الخارج التي برزت في اعقات توقيع أوسلو، وما اقترن بها من تحرك. وقد احصى احد شيوخ الباحثين اخونا د. أنيس صايغ خمسة تحركات جرت حتى نهاية عام 1996، التقت جميعها على نقطة واحدة، هي التركيز على المطالبة بحق العودة للشعب الفلسطيني، والاشارة إلى القرار الاممي رقم 194. وليس هذا مجال تقصيل الحديث عنها .
منطلقنا في العمل لقضية فلسطيني الخارج هو من حقيقة ان تحرير الوطن حق وواجب وجهنا الخالق سبحانه إلى القيام به. وهو يستند إلى اساس ارسته الشرعية الدولية، نبغي ان نستذكره ونعرف به. فقد اوصى المبعوث الاميي الكونت برنادوت بعد نكبة عام 1948 بضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى "منازلهم". وكانت هذه التوصية احد الاسباب التي دفعت إسرائيل إلى اغتياله يوم 17/9/1948. وفي يوم 11/12/1948 صدر قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 بناء على تلك التوصية . وجاء البند الحادي عشر فيه خاصا باللاجئين، ونصه "تقرر الجمعية العامة للامم المتحدة وجوب السماح في اقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وعن كل مفقود او مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقا لمبادئ القانون الدولي والانصاف، ان يعوض عن ذلك الفقدان او الضرر من قبل الحكومات او السلطات المسؤولة". وقد تضمن هذا القرار تأليف لجنة توفيق ثلاثية من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة الامريكية، ونص على ان "تصدر الجمعية العامة تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل اعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد، واعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات، وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير اغاثة الامم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالة المختصة المناسبة في منظمة الامم المتحدة". ومعلوم ان لجنة التوفيق هذه لم تلبث أن توقفت عن أداء دورها. ولكن القرار الاممي 194 بقي يجدد سنويا حتى عام 1993 .
نستذكر ايضا ان قبول "إسرائيل" عضويا في الامم المتحدة بموجب القرار273 الصادر عن الجمعية العامة في 11/5/1949 جاء بعد إعلان التزامها بتنفيذ قرار 194 وكذلك قرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين فلسطينية ويهودية. وذلك امام اللجنة السياسية المختصة. وقد اشترطت الجمعية العمومية لقبول إسرائيل في عضويتها "التعهد بالاتزام بميثاق الامم المتحدة ومقرراتها"، فكان ان صدر بروتوكول لوزان في 12/5/1949 متضمنا اعتراف إسرائيل بحق الفلسطينيين في العودة . ولكن هذه الدولة اليهودية لم تلبث ان تنكرت لقرارات الامم المتحدة، وبات هذا دينها، بعد حرب عام 1967 حيث رفضت ما اصدرته المنظمة الاممية من قرارات بشأن الحقوق الوطنية لشعب فلسطين، ومنها قرار 2535 الذي أقر بان مشكلة اللاجئين العرب ناشئة من انكار حقوقهم الثابتة غير القابلة للتصرف، وكذلك قرار 2672 وصولا إلى قرار 3236 الذي صدر في 22/11/1974 ونص على حق تقرير المصير والحق في الاستقلال والسيادة دون تدخل خارجي، وكذلك الحق غير القابل للتصرف في العودة .
نستذكر ايضا ونحن نتابع نضالنا، ان هذا الكيان الإسرائيلي الصهيوني العنصري، في الوقت الذي تنكر لقرارات الامم المتحدة التي كان الاعتراف بها شرطا لقبوله في المنظمة الاممية، عمد إلى سن ما أسماه قانون العودة الذي اصدره الكنيست الإسرائيلي يوم 6/7/1950 ووقعه ديفيد بن غوريون رئيس الحكومة آنذاك وموشى شبيرا وزير الهجرة ويوسف شبريناك رئيس الكنيست ورئيس الدولة بالوكالة . وقد تضمن هذا القانون العنصري انه "يحق لكل يهودي ان يهاجر إلى إسرائيل"، ولم يلبث ان سن هذا الكيان في ربيع 1952 قانون الجنسية الإسرائيلية الذي جعل "هذه العودة " (!!) احد موجبات اكتساب الجنسية الإسرائيلية، ونص في بنده الثاني على ان "كل مهاجر بمقتضى قانون العودة لسنة 5710 (اليهودية) - 1950 يكون إسرائيلي الجنسية". وكم تبدو المفارقة عادة بين حرمان صاحب الوطن من العودة إلى وطنه، وفتح الباب امام أي يهودي من مواطني دول اخرى لاغتصاب هذا الوطن. ونحن مدعوون إلى ابراز هذا المفارقة كشفا لعنصرية هذا الكيان .
والان نستطيع في ضوء ما سبق ان نبلور ما ينبغي عمله لكسب قضية فلسطيني الخارج في هذا المرحلة التي القت فيها اتفاقات أوسلو ظلالا كثيفة على هذه القضية، وأفسحت المجال لمخططات شريرة صهيونية وامريكية لتصفيتها. وقد حددنا منطلقنا في العمل وما ينبغي استذكاره .
هناك أولا الحفاظ على وحدة قضة فلسطين بأجزائها كلها
فلسطيني الخارج وفلسطيني 1967 وفلسطيني 1948 والقدس
وهذا يعني الحرص على اربتاط فلسطيني الخارج بالكيان الفلسطيني الواحد، ومعالجة ما نشأ من انقسام نفسي بين الداخل والخارج بسبب اتفاقات أوسلو والتي أشار إليها بلال الحسن في دراسته القيمة بمجلة الدراسات الفلسطينية "اللاجئون الفلسطينيون والمتاهة الخطرة". وهو انقسام كسر -على حد قوله- الوحدة الوطنية التي عبرت عنها منظمة التحرير الفلسطينية .
ان هذا الهدف يتطلب العمل المكثف كي تستعيد منظمة التحرير الفلسطينية فاعليتها، وتخرج من أزمتها الراهنة التي أدت إلى تجميدها، وتتابع دورها باعتبارها التجسيد العملي للكيان الفلسطيني الواحد الذي في اطاره يتم استمرار العمل لقضية فلسطيني الخارج. والحق ان الدراسة المتأنية بفكر مفتوح للتحركات التي جرت بين عامي 93و96 لعقد مؤتمرات لفلسطيني الخارج أكدت لنا ان الصيغة الامثل لتنظيم طاقاتهم هي في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، لانها تحافظ من جهة على وحدة قضية فلسطين، ولانها تحوز على الاعتراف الرسمي العربي والدولي بها، ولانها جاءت ثمرة نضال ومثلت كسبا يجب الحفاظ عليه، ولانها أنشأت مؤسسات يمكن ان تنهض بمتطلبات العمل لقضية فلسطيني الخارج .
لقد فصلنا الحديث في مناسبات اخرى حول كيفية العمل لاستعادة المنظمة فاعليتها، من خلال انعقاد مجلس وطني تمثل فيه جميع التجمعات في الخارج والداخل والقوى والفعاليات تمثيلا دقيقا وفق اسس موضوعية، في مقر جامعة الدول العربية، في ظل مناخ من التوافق العربي على هذا الهدف، والاجماع الفلسطيني الذي يتحقق عبر عمل تحضيري دؤوب، وعلى اساس عدم الخلط بين قيادة المنظمة وقيادة سلطة الحكم الذاتي لان هدف الاولى التحرير بينما الثانية محكومة باتفاق أوسلو وقيوده. وواضح ان الاقتناع بهذا الهدف يقوى يوما بعد يوم على الصعيدين الفلسطيني والعربي بعامة .
وهناك ثانيا انجاز مجموعة اعمال تتصل بقضية فلسطيني الخارج :
1- القيام بحصر دقيق لهم. وهذه مسؤولية تنهض بها دائرة العائدين في منظمة التحرير الفلسطينية. وتتعاون على انجازها مع إدارة فلسطين في جامعة الدول العربية مع الادارات المختصة في الدول العربية. وكذلك مع وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في الامم المتحدة. وهذا الحصر له اهميته في معالجة مختلف جوانب هذه القضية .
2- تنظيمهم في اماكن تجمعاتهم بغية حشد طاقاتهم. وهذه مسؤولية ينهض بها أفراد كل تجمع وفق قوانين الدولة التي يقيمون فيها وبعلم دائرة العائدين في المنظمة .
3- انشاء مؤسسة تختص بدراسة املاك فلسطيني الخارج في وطنهم فلسطين وحقوقهم المتراكمة منذ عام 1948. وقد تحدث فهمي هويدي في مقاله في الاهرام يوم 6/5/1997 عن استحقاقات الهولوكست الفلسطيني. كما اقترح سلمان ابو سته في بحثه "حق العودة للفلسطينيين" انشاء سلطة ارض فلسطين باسم الشعب الفلسطيني في كل مكان غرضها التوثيق والحماية والصيانة والتطوير .
4- مراجعة السياسات الرسمية العربية تجاه فلسطيني الخارج بهدف تعزيز الروابط العربية ولجان توظيف طاقاتهم. والحق ان بعض الإجراءات المتعلقة باقامتهم وتنقلاتهم وامورهم الحياتية من عمل وصحة وتعليم بحاجة إلى مراجعة سريعة لان فيها ما يسبب سلبيات حادة .
وبعد فان مستقبل فلسطيني الخارج في ظل اتفاقات التسوية مرهون بما نعمله حفاظا على قضيتهم وسعيا لمعالجتها بمنظق تحرير الوطن والعودة إلى ربوعه المحررة .