بدون العودة سيبقى حق تقريرالمصيرالفلسطيني ناقصاً
بقلم: خليل الجنداوي
لم يشهد الكيان الصهيوني منذ نشأته المشؤومة اهتماماً بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة كما حدث فعلاً منذ بدء الانتفاضة، حيث ازدحمت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالبرامج والتحليلات التي تنعى جميعها دولة إسرائيل في حال قبولها بحق العودة الفلسطيني.
مشاعر الفزع هذه والتي شملت كل ألوان الطيف السياسي الصهيوني من يمينه ليساره لا يمكن تفسيرها إلا بأنها خوف القاتل على مصيره وهو يرى قتيله وقد عاد حياً يرزق يطالب بما سُرق منه. ولا شك أنه في داخله فكر بأن الضحية لن تكتفي باسترداد حقوقها. بل ربما سعت حين تسنح لها الظروف بالانتقام من المسبب للكارثة التي أصابتها.
على الجهة الأخرى وفي نفس تلك الفترة كان الخوف أيضاً هو السائد.. فاللاجئون الفلسطينيون الذين أدمنوا القلق على مصيرهم منذ النكبة التي أطاحت بعالمهم عام 1948 وذرتهم في المنافي والمخيمات بعيداً عن بيوتهم وأراضيهم شعروا بالرعب من الأخبار التي تسربت حينها عن وجود صفقة يعدها الرئيس كلنتون تُقايض موضوع القدس بقضية اللاجئين ولم يكن الرعب وحده هو ما اختلج في الصدور. بل والغضب أيضاً، الغضب الجاهز للانفجار في وجه من يفكر مجرد تفكير بالتفريط بحقوق خرجت عبر التضحيات الباهظة والآمال المتكسرة من إطارها القانوني أو السياسي لتكتسي مسحة قدسية.
كثيرة هي الأسباب التي تنفخ في جمر هذا الخوف الذي يمتلك اللاجئون وقبل كل شيء يجب أن نسجل هنا الطريقة التي تعاطت بها القيادة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو حيث بدا لمعظم اللاجئين وخصوصاً من هم في الشتات أن منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيعها على هذا الاتفاق قد تخلت عنهم وتركتهم في العراء ليواجهوا مصيرهم لوحدهم. لا شك أن صمود القيادة الفلسطينية في كامب ديفيد 2 قد بعث في أوساطهم شيئاً من الارتياح لكنه مع ذلك لم يبدد قلقهم وحتى انتفاضة الأقصى بكل ما بثته من روح كفاحية جديدة لم يعشها الشارع الفلسطيني منذ سنوات عديدة أيضاً لم تستطع أن تلغي مخاوف اللاجئين الذين يسمعون ويقرؤون يوماً بعد آخر عن سيناريوهات عديدة للحل كلها تتجاهل قضيتهم أو تضعها في إطار صياغات لغوية - كما تقول وثيقة كلينتون - أو على الأقل تقترح تأجيلها لفترة طويلة قادمة.
من جهة أخرى يجب أن نشير إلى الحديث المتزايد عن الإجماع الإسرائيلي الذي يرفض حق العودة بحدة هي أقرب للتشنج ويعتبره غير منطقي أو غير معقول أو عقبة ستتحطم عليها مسيرة السلام ما لم يقم المفاوض الفلسطيني بسحبه من التداول.. ومع كل نجاح يسجله هذا الخطاب الإسرائيلي في حشد التعاطف في الأوساط الغربية أو على الأقل الأمريكية تتأجج المخاوف الفلسطينية ويشعر اللاجئون أكثر فأكثر أن العالم الذي لم يستطع أن يفعل شيئاً لإنهاء مأساتهم طوال النصف قرن الماضي سوى إصدار البيانات والقرارات المتعاطفة ولو بشكل جزئي مع معاناتهم بات الآن مهيأ لتجاهلهم أو حتى للتضحية بهم في سبيل إعادة الهدوء لهذه المنطقة وبالتالي فإن التسوية القادمة ستمر على عظامهم فضلاً عن حقوقهم وآمالهم. وأكثر ما يخشاه اللاجئون في هذا السياق أن ترضخ القيادة الفلسطينية للضغوط التي ستتزايد عليها حتماً في المرحلة القادمة وتقبل باتفاق لا يضمن للاجئين حقوقهم كاملة وعلى رأسها حقهم بالعودة.
وإذا أمعنا النظر في التحقيقات التي تتناقلها وسائل الإعلام من المخيمات الفلسطينية لن تجد إلا أحاديثهم التي تنضح بمشاعر الغبن والمرارة والخوف والغضب.. كهذا العجوز من أحد مخيمات الضفة الذي يقول "إذا كانت القدس بكل ما تحتويه من أبعاد قومية ودينية إسلامية ومسيحية أثارت العرب خمسة أو ستة أيام فما بالك بقضيتنا نحن.. لن يلتفت أحد إلى أي تسوية تمحينا عن الوجود وكأننا لم نكن.. وكان إصرارنا على العيش في المخيم لأكثر من نصف قرن شيء بسيط يمكن أن يمحى بجرة قلم..".
ومن يدقق في أحاديث اللاجئين سيجد أن بعضهم إن لم يكن كلهم يضع حق العودة على رأس الثوابت الفلسطينية التي يجب التشبث بها فالقدس لها رب يحميها والعالمين العربي والإسلامي لن يقبلا أبداً بأي تفريط بها.. أما الدولة فثمة إجماع دولي على إقامتها وحتى إسرائيل نفسها لم تعد تمانع كثيراً بنشوئها، ورغم أهمية الدولة لفلسطينية القادمة حيث من المفترض أن تكون هوية وعنوان وسند للشعب الفلسطيني أينما وُجدت إلا أنها يجب ألا تكون بأي حال مقبرة يدفن فيها حق عودة اللاجئين لبيوتهم وأراضيهم بدعوى أن هذه الدولة ستكون وطناً لكل الفلسطينيين في العالم كما يقول الإسرائيليون ومعهم جزء لا يستهان به من المجتمع السياسي الأمريكي، وبالتالي حسب وجهة النظر هذه يمكن للمواطنين أن يعودوا إذا أرادوا إلى دولتهم وليس إلى دولة أخرى ذات سيادة (حتى لو كانت بلاد آبائهم وأجدادهم). وطبعاً فإن هذا الطرح لو وافقت عليه السلطة الفلسطينية سيكون له انعكاسات خطيرة جداً حيث لن يُحرم اللاجئون الفلسطينيون من حقوقهم فقط بل ستتوفر تلقائياً لأوساط اليمين الصهيوني ما سيعتبره الحجة القانونية التي قد تساعد الكيان في التخلص من عبء ثقيل ينغص عليه عيشه. وطبعاً نقصد هنا حوالي مليون وربع فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة عام 1948 وذلك إما بطردهم إلى أراضي الدولة الفلسطينية بدعوى أن هذا هو وطنهم أو على الأقل بتجريدهم من الجنسية الإسرائيلية ثم التعاطي معهم كجالية أجنبية ليس لها أي حقوق قانونية سوى حق الإقامة. والذي يمكن ببساطة حرمانهم منه كأفراد أو كمجموعات دون إثارة الرأي العام الدولي. لأن ذلك من أبسط حقوق أي دولة ذات سيادة.
من جهة أخرى يجب ملاحظة حقيقة أن حق العودة هو الموضوع الوحيد بين قضايا ما يسمى بـ الوضع النهائي الذي يعود بجذوره إلى نكبة عام 1948، بينما البقية أي القدس والحدود والمستوطنات والمياه نتجت أساساً عن حرب 1967، وكما هو معروف فإن إسرائيل تعاطت وما زالت منذ مؤتمر مدريد وكأن الصراع بدأ منذ 4 حزيران 1967، وبالتالي فإن القرار 424 هو الإطار الوحيد الذي يجب التفتيش داخله عن تسوية شاملة للصراع العربي - الصهيوني. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية فهذا الكلام ينطبق أيضاً على قضية اللاجئين ويقول المفاوضون الإسرائيليون إن أقصى ما تستطيع بلادهم تقديمه هو الاعتراف بجزء من المسؤولية عن نكبة 1948 دون أن يعني ذلك أي مترتبات قانونية سوى المساهمة مثلها مثل غيرها من الأطراف الدولية في صندوق تعويض اللاجئين الذين سيكون بإمكانهم الاختيار ما بين التوطين حيث هم الآن أو الهجرة إلى بلدٍ ثالث أو العودة للضفة وغزة وإسرائيل من جهتها لن تستطيع سوى استيعاب بضعة آلاف كحالات إنسانية مثل لم الشمل لبعض من وُفد في فلسطين قبل عام 1948 وله أقارب في إسرائيل.
ومن هنا فإن التشبث بحق العودة يعني قبل كل شيء التمسك بالرواية الفلسطينية للأحداث، وإعادة النكبة إلى جذورها الأصلية، وبالتالي تحميل الطرف الإسرائيلي مسؤولية كاملة عما ارتكبه بحق الشعب الفلسطيني من جرائم.
بالمقابل فإن حق العودة بالنسبة للفلسطينيين يكتسب أهمية خطيرة ومن كافة الزوايا فأي باحث في الشئون الفلسطينية لن يجد تجمعاً فلسطينياً واحداً في أي مكان من العالم لا يحوي نسبة كبيرة من اللاجئين.. فحتى فلسطينيو 48 نجد حوالي ربعهم هُجروا من قراهم أو صُودرت أراضيهم وحُرموا من العودة إليها وبالتالي فإن حق العودة ينطبق عليهم.
كذلك فإن 70% من سكان قطاع غزة هم من اللاجئين الذين هجرتهم العصابات الصهيونية عام 1948، وأيضاً نجد أن حوالي 26% من سكان الضفة الغربية هم من اللاجئين.. فإذا عرفنا أن 47% من الشعب الفلسطيني يعيش الآن على أرض فلسطين التاريخية وبالتالي 53% ما زالوا في الشتات فكل هذا يعني أن أكثر من 70% من الشعب الفلسطيني هم عملياً وقانونياً من اللاجئين الذين ينطبق عليهم حق العودة وحق الحصول على تعويضات عن الخسائر والمعاناة التي تكبدوها من جراء العدوان الصهيوني عليهم عام 1948.
ضخامة هذه النسبة أعطت لحق العودة بعداً إضافياً يرتبط مباشرة بحق تقرير المصير، وكما هو معروف فإن هذا الحق له مستويين الأول فردي ويشمل حق كل شخص بتقرير مصيره بالطريقة التي تناسبه، المستوى الثاني هو الجماعي ويتعلق بحق الشعوب في النضال في سبيل حريتها واستقلالها أو اختيار نوع الحكم في دولها.. وهكذا فإنه حتى لو قامت دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية لكن بدون تنفيذ حق العودة فهذا لا يعتبر تطبيقاً كاملاً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ببساطة لأن ثلاثة أرباعه (حوالي 70%) محرومون من حق تقرير مصيرهم بالعودة إلى بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم وبما ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية ومنها القرار 194 الذي أعادت الجمعية العامة التأكيد عليه منذ صدوره أكثر من 110 مرات كذلك في قرار الأمم المتحدة رقم 3236 الصادر في 22/11/1974 والذي أكد أن حق العودة "حق غير قابل للتصرف"، تجدر الإشارة هنا إلى أنه توجد منذ ذلك التاريخ في الأمم المتحدة لجنة دائمة تحت اسم "لجنة الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف".. إذن في كل الأحوال لا يجوز الاكتفاء بوضع اللاجئ الفلسطيني أمام خيار بقائه حيث هو أو التهجير لبلد ثالث فلتطبيق حق تقرير المصير يجب منح اللاجئين مجموعة خيارات جدية لا تنتقص من حقوقهم وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني بالعودة لممتلكاته وبيته ووطنه التاريخي.
ولا ينتابنا هنا أية أوهام بإمكانية حصول اللاجئين على حقهم بالعودة خلال المدى المنظور. فإسرائيل غير جاهزة أبداً للقبول بمثل هذا الأمر.. قالت صحيفة "جيروزاليم بوست" في افتتاحية يوم 14/12/2000 إذا كان السلام يفترض عودة اللاجئين إلى إسرائيل "فليذهب السلام إلى الجحيم" ويؤكد العديد من الباحثين أن إسرائيل ربما كانت أكثر استعداداً لخوض حرب نووية على القبول بعودة اللاجئين إلى أراضيها.. لكن هذا لا يعني بأي حال أن علينا أن نستسلم لهذا القدر، بل على العكس تماماً يجب أن نستعد لنضال طويل يتطلب قبل كل شيء صمود القيادة الفلسطينية وعدم تفريطها بحق العودة مهما كانت الإغراءات أو الضغوط.. ولو فرضنا جدلاً أنها أجبرت على توقيع اتفاق فيجب في كل الظروف ألا يتضمن بنداً يقول بنهاية الصراع ما لم يتم صراحة ضمان حصول اللاجئين على حق عودتهم لبيوتهم وأراضيهم لأن تنازلاً بهذا الحجم أو حتى تخريجاً له على طريقة كلينتون بصياغات لغوية لا تطبيق عملي لها سيعني بشكل مباشر وقاطع سقوط صفة الممثل الشرعي والوحيد عن منظمة التحرير الفلسطينية التي اكتسبت هذه الصفة لأنها مؤتمنة على حقوق فردية وجماعية للشعب الفلسطيني الذي أوكل لها هذه المهمة. فلو فرطت ولو ببعضها أو حتى واحداً منها أو لم تعرف كيف تصونها أو تنجزها فمن حق اللاجئين كأفراد وجماعات أن يقولوا وقتها إن المنظمة لم تعد تمثلهم. وبالتالي لهم الحق في التفتيش عن سبل وأطر أخرى تضمن لهم الحصول على حقوقهم السليبة.
في كل الأحوال ورغم الاختلال الفظيع في موازين القوى حيث يبدو عدونا متفوق في كل المجالات المادية وتحديداً العسكرية والاقتصادية والإعلامية والتقنية إلا أن الطرف الفلسطيني رغم ضعفه الظاهر إلا أنه يتفوق بنقطة أساسية ونقصد الشرعية، فلأنه صاحب حق ظل رقماً صعباً في معادلات المنطقة أو حتى جبل لا يهزه ريح.. والقوة العسكرية الإسرائيلية رغم جبروتها إلا أنها أعجز من أن تفرض اتفاقاً لا يريده الفلسطينيون وهؤلاء من جهتهم رغم ضعفهم المادي إلا أن هذا لم يمنع ظهور عناصر قوة حقيقية لديهم قلبت الطاولة وهزت المنطقة بأسرها.
ولعل من أبرز هذه العناصر الشرعية التي تحلم إسرائيل بإضفائها على حدودها كذلك العمق العربي والإسلامي والذي تراجع بحدة بعد اتفاق أوسلو، والآن تطرح بقوة ضرورة استعادته بكل أبعاده، لتشكيل أحزمة أمان حول الثوابت الفلسطينية، وهذا يستدعي وبشكل ملح أهمية التحرك الفلسطيني على الصعيد الدولي لاستعادة الأصدقاء الذين انفضوا من حولنا خلال المرحلة السابقة، كذلك يجب العمل وبالتعاون مع الأطراف العربية لشن حملة واسعة وطويلة المدى لمخاطبة الرأي العام الأمريكي بهدف تصحيح الانحراف الخطير الذي حصل في ظل إدارة كلينتون فيما يتعلق بحق العودة، ولا ننسى هنا أن الولايات المتحدة كانت ومنذ العام 1949 الطرف الذي يعيد سنوياً طرح القرار 194 لتجديد اعتماده من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى سُميوظلت تدعمه حتى العام 1994، أي عندما تم التوقيع على اتفاق أوسلو.
وأخيراً يجب الانتباه لحقيقة أن النضال في سبيل حق العودة هو وبصورة مباشرة لا مواربة فيها نضال ضد العنصرية الصهيونية داخل إسرائيل نفسها وهذا يعني أساساً أن الجانب الفلسطيني سيجد نفسه مضطراً إن عاجلاً أو آجلاً لخوض صراع ضار وبوسائل متعددة وفي ساحات مختلفة تبدأ من الدولة العبرية نفسها، وصولاً إلى فضح ممارساتها العنصرية على الصعيد الدولي لإقناع العالم أن العنصرية الصهيونية ليست مجرد شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل قضية دولية خطيرة تهدد بحدة أركان السلام العالمي.
يقول المثل الفلسطيني: لن يضيع حق وراءه مطالب، وحقنا بالعودة سنحصل عليه مهما طال الزمن أم قصر.. المهم أن نشمر عن سواعدنا ونرفع أصواتنا ونطالب..
في الفترة ما بين مفاوضات كامب ديفيد 2 في حزيران/ تموز2000
ومفاوضات طابا في العام الذي يليه ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني من اللاجئين