هل توطين الفلسطينيين في الشتات هي حقيقة جارحة ؟؟
مروان الساكت
الحديث عن الموازنة بين الانحياز و التعصب قد يطول ، و حتى لا نزج أنفسنا في متاهات تبعدنا كثيرا عن الهدف الذي نحن بصدده ، أعترف بأني " منحاز " إلى أردنيتي ثم إلى عروبتي ، فالأولى "هوية " نعتز بالانتماء إليها بصدق و استمرار ، وهذا قدرنا ،أما الحفاظ عليها فهو فرض عين و ليس موضع حوار أو خيار .
و الثانية أي " العروبة " فهي شوق و حنين يخفقان في قلب الأردنيين المؤمنين من مسلمين و مسيحيين ، كلما تخطر على البال مدن حمت العروبة أو نشرت الإسلام ، من مكة المكرمة إلى دمشق فبغداد فالقاهرة ومنها إلى استنبول و هذا قدر أيضاً . وقد يتساءل المرء بعد هذا الكلام الوطني القومي الجميل ، لماذا هذا القلق العميق على الأردنية ؟ ! .. فأقول : الفلسطينيون يؤمنون بأن الإسرائيليين قد حلوا قضيتهم على حسابهم ، فهم الآن في الشتات يحاولون حل قضيتهم على حساب غيرهم ! إن الهجوم على الأردنية مركز و عنيف و من عدة اتجاهات و قد يدوم أو لا يدوم ، و البعض يراهن على ذلك !!
فالأردنية إذا غابت أو ذابت ، لا قدر الله ، تغيب معها أهم إنجازات الثورة العربية الكبرى ، ومن بعدها قد يسيح الأردن في رحلة نحو المجهول !!.
و لاسباب كثيرة ما انفك كاتب هذا الكلام يدافع عن الهوية الأردنية بصراحة و وضوح ، و في مقالات عديدة ، و في اجتماعات عقدت في السر و العلن ، فأنا أحد جنودها و لا منّ في ذلك فقد كتبت في جريدة الحدث الغراء عدد27الصادر في 2/1/1996 مقالاً و تساءلت فيه : -
· ماذا يحدث للدولة الفلسطينية لو عاد إليها أبناؤها الفلسطينيون ؟
· ماذا يحدث لإسرائيل لو عاد الفلسطينيون إلى أرضهم ؟
· ماذا يحدث للأردن لو عاد الفلسطينيون إلى فلسطين ؟؟
· ماذا يحدث للفلسطينيين المتجنسين بالجنسية الأردنية لو عادوا إلى ديارهم ؟
فكان الجواب مفعماً بفوائد العودة . أما في هذا المقال فسأركز على مسألة التوطين و ماذا قد يحدث للأردنيين !!!
يبدو أن هناك مراكز قوى تعيق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم ، فتريدهم أن يبقوا كتل إنسانية غريبة عن موطنهم و دولتهم ، وهم في واقع الحال على بعد مرمى حجر منها .. فالاعتقاد السائد بينهم أن بقاء هذا الكدس السكاني الهائل سيزيد من مكتسباتهم السياسية و الاقتصادية .. و بالطبع سيكون كل هذا على حساب الأردنيين ، فتتظافر الجهود على تسمين ذلك الزحام بتفريغ فلسطين من أهلها ، و حركة الجسور نحو الشرق شاهد فخلال هذا الزحام الشديد في الأردن ترتفع وتيرة الهذيان السياسي بانفلات ، فيختلط الحابل بالنابل و تضيع الأصول و تختل الجذور و يختفي الولاء و الانتماء ، و كما تعلمون أن كثيراً من السياسيين في هذه المرحلة ، يحاولون العيش على جراح و دماء الناس الطيبة من الفلسطينيين ، و هذا هو الألم الحقيقي الذي يشعر به الأردنيون المخلصون و حركتهم الوطنية ، و هذا ما يحول دون النقاش الهادئ .
المتعصبون من الفلسطينيين و أنصارهم من الأردنيين و غيرهم قد أسمعونا قرقعة و ضجيج سلاحهم فانتهت مغامراتهم المأساوية إلى حيث انتهت .. والكل هنا يعرف ذلك هكذا هم بالأمس و هكذا هم و أنصارهم في الحاضر ، يسمعون الأردنيون المخلصين و حركتهم الوطنية كلاماً كله ضجيج .. هذا الاتهام و هذا الضجيج ، ينضح من أوعية فكرهم عبر الوسائل الإعلامية ، و على منابرنا الثقافية ، و البرلمانية التي سخروها في بعض الأحيان لتكون نكداً في سرور الأردنيين المخلصين و الأغلبية الصامتة من الفلسطينيين الشرفاء ! و كذلك إنقاصا من الأمل الواسع العريض الذي يتنامى في الوجدان الأردني كلما لاحت في الأفق فرصة لعودة الفلسطينيين إلى دارهم بسلام و أمان . فقد طالت مدة الضيافة " و البلاد طلبت أهلها " .
و هنا نريد أن نتوقف لنقول كلاما جاداً بعيدا عن كل العواطف . أن أفضل تشبيه للوضع الفلسطيني في الأردن هو قطعة عملة تقف على حدها ، لا يعرف أحد على أي وجه ستنقلب ، فيما لو هبت الريح أو نسيم .. هل هي العودة أم هي التوطين ؟! .
إن عواصف سياسية عنيفة ستهب على الأردن و فلسطين في المستقبل القريب و كل المؤشرات توحي بقدومها ، فالدولة الأردنية غائرة في العمق الفلسطيني منذ الثلاثينات و بلغ ذروة ذلك في عام 1950 فلا يزال البعض يرى أن الضفة الفلسطينية هي جزء من هذا البلد ، كما يعتبر البعض من المسؤولين أن قرار فك الارتباط مع الفلسطينيين في عام 1988 هو خطاب سياسي عابر لتمرير مرحلة ، بالرغم من معرفتهم التامة من منا اتخذه و ألقاه على الأمة في مساء يوم الأحد الموافق 30/ 7/ 1988 !!
فقد صدر هذا الخطاب عن جلالة الملك سيد البلاد و يمثل أعلى سلطة في هذا البلد .
و على كل حال ليس في شعارات التحايل السياسي في تغيير الكلمات و الألفاظ لاجئين و نازحين و عائدين و مخالفين و مبعدين و مهجرين ... قضية خلاف فمعظمهم يحملون جوازات سفر أردنية دائمة ، بالمقابل الدولة الفلسطينية غائرة في العمق الأردني منذ عام 1948 فحوالي نصف سكان الأردن هم من أصل فلسطيني ، فلا تزال مواد الميثاق الوطني الفلسطيني تعتبرهم مواطنين فلسطينيين حقيقيين أما عدم المطالبة بهم رسميا أو تعديل تلك المواد ، فيعود إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية " الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني " منهمكة في تقوية و تثبيت نفسها على الأرض الفلسطينية المحررة في هذه الأيام !! فهي في غنى عن إضافة عبئ آخر على كاهلها و هذا ما يؤكد حنكة الساسة الفلسطينيين المتبعة حيال هذا المأزق فهي تدير معركة هادئة تعتمد على طول نفسها لانجاحها ثم كسبها .
الدولة الأردنية و السلطة الفلسطينية و القوى المنسجمة معها بدأت مرحلة جدية لفرز الرجال و عدهم ، لوضعهم في الوقت المناسب على كفات موازينهم المتأرجحة ، الاغراءات كثيرة و القائمة طويلة والأوكازيون على أشده و الدعوة عامة و مفتوحة . التساؤلات العلنية من هو الأردني و من هو الفلسطيني ؟ تجعل الناس في حيرة من أمرهم فالكثيرون متخوفون من المتناقضات الواضحة بين الممارسات الرسمية الأردنية و الميثاق الوطني الفلسطيني في هذه القضية الحساسة و الخطيرة ، و التي قد تنفجر في أي لحظة و لا مكان هنا للمغالاة في التفاؤل أو التشاؤم فالبقاء في الفلسطينية جاء بالانتماء الطبيعي إلى فلسطين وهذا قدرهم أيضا و قد ثبت هذا في ميثاقهم .. أما الدخول في الأردنية فقد تم بقرار سياسي أداري أردني و للميثاق الوطني الفلسطيني و للقوانين الدولية التي تخص اللاجئين و لقرارات الجامعة العربية بعدم الاعتراف بوحدة الضفة الفلسطينية مع الأردن في عام 1950 و كذلك بعدم السماح بالازدواجية الجنسية العربية و قرارات قمة الرباط في عام 1974 فأي قرار منفرد له وحده قوة و أفضلية على أي قرار أردني بهذا الشأن فما بالكم في جملة هذه القرارات مجتمعة ؟ فهذا الوضع الهش الدخول بالأردنية أو الخروج منها ــ يعتبر أحد الأسباب الرئيسة للركود الاقتصادي في الأردن و ما تمخض عنه من فقر و بطالة و فساد اجتماعي و تخبط سياسي ، كثيرون من الناس ينتظرون أن تنتهي المشكلة قريباً .
إن هذه الهدنة غير المعلنة قائمة لأن كلا من الدولتين ترتكزان على حد سيف الأخرى ، فلا تنابز و لا حراك و لا مهاترات و هنا يأتي دور المخلصين و حركتهم الوطنية لحسم هذا الموقف .
يستطيع رئيس و أعضاء مجلسي بلدية مدينة أردنية أن يعلنوا في صحيفة يومية أردنية و أن يقولوا " بما أننا مجموعة تمثل مجموعة من الشعب الفلسطيني الذي كان قدره أن يعيش صامتا ينتظر و ينتظر وسيبقى ينتظر و لكنه لن يموت و لن نسمح لأي كان أن يتلاعب في مصيرنا و يفرض علينا ما لا نريد .. " . ـ انتهى الاقتباس . و هنا أترك للقارئ الكريم مهمة استيعاب ما اقتبست ، من أقوال رئيس و أعضاء بلدية أردنية المصرين على هويتهم الفلسطينية ، هذا الإصرار الذي يسعدنا و نعتز به .
و يستطيع بعض المسؤولين في الأردن الذين شغلوا أو ما زالوا يشغلون مناصب عليا في الدولة أن يتجاهلوا وجود 10 مخيمات فلسطينية في الأردن !! و التي يعيش فيها أكثر من ربع مليون فلسطيني من المسجلين في سجلات الأونروا و كذلك تواجد وكالة الغوث على التراب الأردني و التي تشرف على العديد من المدارس و على شؤون و شجون الفلسطينيين أيضا !! و كذلك اللجنة الرباعية المشكلة من الأردن و مصر و إسرائيل و م ت ف من أجل العودة الفلسطينية إلى التراب الفلسطيني !! كما يستطيع هؤلاء المطالبة و التصريح بحقوق الفلسطينيين في أرض فلسطين كاملة غير منقوصة و بذلك يكون الأردن عدل عن موافقته حيال قرارات قمة الرباط التي تنص على أن م ت ف هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل و الشتات ! و بذلك يبشرون بطرح " الخيار الأردني " نيابة عن الشعب الفلسطيني الذي له من يمثله و ينطق باسمه !! وهذا لا يصح في أي قطر عربي شقيق أو أي قطر أجنبي آخر .
ذكرت أن هناك قوى تعيق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم و كما أن هناك سياسة واضحة لتفريغ فلسطين من أهلها ليصبح الأردن " مخزنا لنتائج تصفية القضية الفلسطينية " مما يرفع عدد الفلسطينيين الموجودين في الأردن إلى رقم خيالي نرفض مبدأه و منتهاه و عندها إذا تم هذا سيكون الأغلبية كما يسعون و يعملون و يصبح من حق هذه الأغلبية أن تقرر سياسة الحكم . و كما ذكرت إن غابت الأردنية أو ذابت تغيب معها أهم إنجازات الثورة العربية الكبرى و لن نسمح بدلك فكما قيل " نحن رجال لها قلوب لم تخلق لإرسال الدمع " .
--------------------------------
المصدر: جريدة الحدث الأردنية.