حلول وسطية لشكاوى الفلسطينيين في لبنان
حسن أبو رقبة
يشكو الفلسطينيون اللاجئون في لبنان من عدة قضايا، تنكّد عيشهم، وتضعف معنوياتهم، اضافة الى قضايا وطنهم في محنته، التي تؤرقهم باستمرار، وبتصاعد.
شكاوى الفلسطينيين تتعلق بالحقوق المدنية وخاصة في مواضيع العمل والتملك والتعليم. وهي مواضيع كارثة مفاجئة، وخاصة باللاجئين في لبنان، دون غيرها من مواطن اللجوء.
ويعتبر التوطين أحد المخاوف المشروعة في لبنان، رغم إجماع اللبنانيين والفلسطينيين على رفضه ولكن لا يجوز ان يبقى ذريعة للتضييقات المتتابعة، مع الاشارة هنا الى شكوى سابقة تتعلق بإذن خروج او دخول الفلسطينيين من او الى لبنان، وقد عالجت حكومة الرئيس الحص هذه المشكلة في حينها مشكورة.
المبدأ العام التي يحكمنا في هذا الموضوع هو انه لا يجوز اطلاقا اعتبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كأجانب او غرباء تطبق عليهم قوانين الاجانب والغرباء.
والمبدأ الثاني ان على الدول العربية، حكومات وشعوبا، ان تتحسس مسؤوليتها القومية والانسانية تجاه اخوانهم وشركائهم في مواجهة الخطر الصهيوني، فيبذلون كل جهد ممكن لدعم هذا الشعب داخل وطنه وفي شتى المنافي، حتى يستطيع ان يضاعف من صموده وتضحياته ويتحمل المزيد من الألآم بمعنويات عالية ووضع مادي مريح بقدر الامكان، ودفاعا عنهم جميعا.
على هذا نقترح ايجاد حلول خاصة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، تخفف من معاناتهم، واذا كانت الحلول الوسط مرفوضة لدى الاغلبية في القضايا التي تتعلق بالعدو الصهيوني، فان التعامل مع الاصدقاء اللبنانيين والاخوة العرب عامة له قواعد اخرى، وممكن ان تتقبل الحلول الوسط المرحلية الانتقالية او النهائية.
ومن الحلول الممكن التوصل اليها، في حالة الابقاء على معاملة الفلسطينيين تختلف عن معاملة اللبنانيين، نقدم ما يلي:
1 قضية العمل: في سوريا وغيرها من الدول المضيفة يعامل الفلسطينيون كأبناء البلد نفسها، اما في لبنان فقد قضت القرارات التي صدرت بعد النكبة بعشرات السنين، ان يعاملوا كالاجانب الآسيويين والافريقيين والاوروبيين وغيرهم، وذلك يحرمهم جميعا من العمل في 74 وظيفة الا بإذن عمل خاص، وضمن نسبة محددة، وبتكاليف سنوية باهظة، ولا يبقى الا العمل الحر الحرفي لمن يستطيع ذلك، او أعمال السخرة الرخيصة. ونرى ان هذا لا يتناسب مع تاريخ وحقوق وكرامة الفلسطينيين.
وكحل وسط نقترح اعادة دراسة لائحة الاعمال الممنوعة، وتقسيمها الى قسمين: القسم القيادي الاعلى من الدرجة الاولى والثانية اذا تطلب الامر، وإبقاء الحظر على عمل الفلسطينيين في هذه الاعمال الا كالاجانب، اي بإذن عمل وضمن نسبة محدودة وشروط خاصة، اما القسم الثاني فيشمل الاعمال والوظائف الاخرى في مختلف الشركات والمصانع والبنوك والمحلات التجارية والحرف المختلفة، ويسمح للفلسطيني المؤهل لهذه الاعمال بممارستها كاللبنانيين تماما.
وللتوضيح فقط نقول ان أعمال مدراء البنوك والشركات والمصانع والمؤسسات ونواب المدراء يمكن ان تبقى محظورة، في حين يسمح بأعمال الدرجة الثالثة فما دون من كتاب وبائعين وموظفي كمبيوتر ورؤساء فروع وسائقين وبوابين الخ.. اما بالنسبة للاطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين وغيرهم فانهم بالمئات ولا يجدون عملا بشكل قانوني، فاقترح تطبيق نفس المبدأ عليهم فلا يرأسون مستشفى او مستوصف ولا يملكون صيدلية او مكتب محاماة مثلا، ولكن يعملون في هذه المؤسسات كموظفين يحق لهم تأمين لقمة العيش وتكاليف الحياة في بلد عربي شقيق.
2 قضية التملك: بدلا من تخفيف معاناة الفلسطينيين في لبنان، نجد قضية جديدة تحط على رؤوسهم فجأة لتسبب المزيد من الاذى والضرر لهم. فقد صدرت مؤخرا، وبعد أكثر من خمسين سنة لجوء، قوانين جديدة تحرم الفلسطينيين من حق التملك، سواء ما يتعلق بأرض او بشقة سكنية، او بناية كاملة، او محل تجاري، والغريب المفاجئ ان هذه القرارات يكون لها مفعول سيء بالنسبة للتوريث بالدرجة الاولى، وللتسجيل العقاري للعقود المقررة بالدرجة الثانية.
بالنسبة للتوريث فان الملك العقاري ينتقل بالوراثة الى الابناء، ولكن هنا ستخلق مشاكل جديدة اذ لا يستطيع الفلسطيني المالك حاليا ان يورث ملكه لأبنائه الفلسطينيين، مع ان هذا حق شرعي وقانوني، في كل بلدان العالم.. كذلك هناك عقود شراء وبيع عقارات متفق عليها سابقا ومصدق عليها لدى كاتب العدل، وهذه ايضا ستكون موضع مشاكل حيث لا يمكن تسجيل ملكيتها رسميا الآن في الدوائر العقارية كما كان يحدث سابقا، ولمعالجة هذه المشاكل كلها اقترح كحل وسطي ان لا تعطى القوانين الجديدة مفعولا رجعيا، لان المالكين سابقا تملكوا بموجب القوانين السارية المفعول آنذاك، واي قانون جديد، وخاصة في مثل هذه المواضيع، يمكن ان يبدأ مفعوله منذ صدوره، اما اعتباره ساريا بمفعول رجعي او يطبق على حالات التملك السابقة له، فيعتبر في رأي الكثيرين عذرا قانونيا لا يجوز الأخذ به، لكثرة التعقيدات الناشئة عنه..
3 قضية رسوم التعليم في الجامعة اللبنانية: ان الاوضاع المادية الضعيفة للفلسطينيين تجعلهم يقبلون على الجامعة اللبنانية بمختلف كلياتها لان قسطها كان يتناسب مع مداخيلهم شبه المعدومة، حيث كان الطالب الفلسطيني يدفع مثل الطالب اللبناني رسما مقدا 195,000ل.ل. فقط للكليات الادبية ومبلغ 245,000ل.ل. للكليات العلمية فقط سنويا، وقد التحق الكثيرون بهذه الجامعة بهذه الاقساط، ولكن فجأة تقرر رفع هذه الاقساط الى مبلغ 945000ل.ل. للدراسات الادبية ومبلغ 995000ل.ل. للدراسات العلمية اي حوالى ثلاثة أضعاف، كما رفعت أقساط الدراسات العليا من 200,000ل.ل. فقط الى مبلغ 1,745000ل.ل. اي ثمانية أضعاف، في حين بقيت الاقساط الدراسية للطلبة للبنانيين على حالها.
ان ارتفاع هذه الرسوم في الجامعة اللبنانية بالنسبة للطلاب الفلسطينيين ومعاملتهم كالاجانب والغرباء شكل صدمة معنوية ومادية شديدة للطلاب وذويهم، وخاصة في الظروف الحالية.
وسعيا لمعالجة الموضوع ولو جزئيا قابلت وفود فلسطينية عديدة السلطات الرسمية والنيابية والسياسية والدينية، وشكت اليهم هذه الاوضاع المؤلمة المفاجئة، وقد تلقت وعودا عديدة بإعادة النظر في هذا الموضوع عند دراسة الميزانية الجديدة في مجلس النواب، وقد فرضت الجامعة هذه الرسوم وقامت بتحصيلها فورا وقبل إقرار الميزانية الموعودة.
اقترح في هذا المجال كحل وسط عدم اعتبار الفلسطيني أجنبيا إطلاقا، وانه اذا كان لا بد من التفريق بين اللبناني والفلسطيني في هذا الموضوع، فيمكن الاكتفاء بزيادة معقولة على القسط السابق وبحدود 25 50% مثلا من ان نعامله كأجنبي ونحمله أعباء جديدة.
ان رفع شكاوى الفلسطينيين ومعالجتها يعود بالفائدة عليهم، ويخفف معاناتهم، وينسجم مع الواجبات القومية والنضالية والانسانية التي تربط الشعبين الشقيقين.
لذلك نأمل ان يقرر المسؤولون اعادة النظر في هذه الشكاوى وأزالة أسبابها بالكامل، والا فنرجو البحث في الاقتراحات المرحلية الانتقالية الوسطية المذكورة أعلاه لعله يكون فيها الفائدة للجميع. وخاصة انه تم مؤخرا إلغاء الزيادات الجديدة عن الطلاب السوريين في لبنان، وعدم اعتبارهم كالاجانب، وهذا استثناء محمود، جاء تحت مبدأ المعاملة بالمثل، ونرجو ان يطبق هذا الاستثناء نفسه على الطلاب الفلسطينيين، تحت مبدأ دعم الشعب الفلسطيني المناضل وتخفيف معاناته.
--------------------------
السفير 2003/01/06