"الخيار الاردني" الوحيد

                        بقلم نقولا ناصر*
2008-08-31

 لا يمكن أن يكون الأردن غير معني بانحلال منظمة التحرير الفلسطينية أو بأي انقلاب عليها يقود إلى الغاء دورها المعترف به عربيا ودوليا كممثل شرعي وحيد لعرب فلسطين، ليس فقط صيانة للتضحيات التي قدمها الشعب الشقيق لتحقيق هذا الإنجاز بل قبل ذلك لأن أي تطور كهذا سيكون المقدمة المؤكدة لدخول القضية الفلسطينية في نفس المتاهة التي كانت فيها قبل إنشاء المنظمة بكل ما يعنيه ذلك من مضاعفات ذات مخاطر استراتيجية على الأردن وجواره القومي، ولأنه سيكون كذلك المقدمة الموضوعية لإحياء فكرة اختيار الجار الأردني الأكثر تأهيلاً، بحكم عوامل جيوبوليتيكية قاهرة، لوراثة دور المنظمة  في حمل أعباء قضية أعجزت أهلها ومعهم العرب جميعهم حتى الآن ، وبالتالي فإن الأردن لا يمكن إلا أن يكون معنياً بالمتاهة التي تعيشها منظمة التحرير حالياً، فالوضع الراهن للمنظمة وشعبها لا يغيظ عدواً ولا يسر شقيقاً أو صديقاً .
 إن الواقع على الأرض قد أسقط إلى غير رجعة  الخيار "الإسرائيلي" لأي دور أردني مأمول إسرائيلياً في الضفة الغربية حسب المفاهيم الإسرائيلية السابقة، بحيث لم يبقَ للأردن عملياً سوى خيار أن يصد المحاولات الإسرائيلية الساعية إلى أن تفرض عليه احتواء الأنقاض الفلسطينية لانهيار "عملية السلام" الذي بذل الأردن قصارى جهده، وما يزال، لإنجاحها، مثلما فرض عليه احتواء أنقاض النكبة الفلسطينية عام 1948 بكل مضاعفاتها السياسية والإنسانية، لكن الظروف التي أملت عليه احتواء حطام النكبة آنذاك قد تغيرت جذريا الآن تغييراً يحصّنه ضد أي تكرار للتجربة الأردنية والفلسطينية المرة بحيث لم يبقَ للأردن سوى خيار وطني وحيد أوحد هو رفض الخيار أو الخيارات الإسرائيلية التي توصف تضليلاً ب"الأردني" و"الأردنية" وهي بضاعة إسرائيلية خالصة، صناعتها إسرائيلية صرف .
 ويكفي ذكر تطورين استراتيجيين لإثبات أن الشروط الموضوعية التي كانت تجعل خيار إسرائيل "الأردني" ممكناً في السابق  قد أصبحت مستحيلة الآن، وأول التطورين مادي على الأرض وهو حقائق الاستيطان الاستعماري التي خلقه الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية منذ عام 1967 وهي حقائق لم تبقِ حداً أدنى من المقومات لإقامة الدويلة الفلسطينية المأمولة عن طريق التفاوض، وبالتالي فإنها لم تبقِ شيئاً أيضا في الجناح الغربي السابق للمملكة يعود الأردن إليه، لا بل إن هذه الحقائق تكاد لا تبقي للأردن أي جار فلسطيني على حدوده الغربية.
 وثاني التطورين سياسي، فالأردن قد تكيّف مع الاعتراف العربي والدولي وحتى الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد لشعبها تحت الاحتلال وخارجه مسؤول عن تقرير مصير الضفة الغربية كجزء من الأراضي المحتلة عام 1967 ولم يعد  في الأردن من يرغب أو يسعى للقفز عن هذه الحقيقة السياسية التي حكمت الحراك السياسي العربي والدولي طوال الأربعين سنة ونيف الماضية.
 لكن مؤشرات كثيرة تترى الى ان دولة الاحتلال الاسرائيلي بقدر ما تسعى الى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة تغييرا استراتيجيا ينسف معادلة الارض مقابل السلام التي جرت على اساسها المفاوضات منذ عام 1991 بقدر ما تسعى كذلك لتعزيز كل العوامل التي تقود الى نسف الحقيقة السياسية لمنظمة التحرير ودورها ، ويجد الاردن نفسه معنيا مباشرة في الحالتين لان نجاح دولة الاحتلال في المسعيين سوف يقود عمليا الى نسف الشروط الموضوعية التي قادت صانع القرار الاردني الى توقيع معاهدة السلام معها ويقود كذلك الى نسف الاهداف التي توخاها من توقيع تلك المعاهدة .
 ولا غرابة نتيجة لذلك أن تبدو الحقيقة السياسية لمنظمة التحرير الآن قد هرمت وبهت دورها، بينما تتوالى الدلائل والقرائن والمؤشرات إلى أن "انقلابا" يجري عليها من الخارج والداخل معا لتصفيتها كدور، مع الإبقاء عليها اسما بلا مسمى كإطار، لاستثمار شرعيتها في إضفاء الشرعية على تسوية سياسية بشروط إسرائيلية – أميركية تصفي القضية نفسها التي سوغت إنشاء المنظمة في المقام الأول وتنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وهذا بالتحديد هو المعبر الموضوعي إلى "الخيارات الأردنية الإسرائيلية" .
 إن البديل والوارث الشرعي الوحيد للمنظمة الذي يوجد توافق وطني فلسطيني عليه هو قيام دولة فلسطينية "كاملة السيادة"، وكل النهج السياسي الأردني الرسمي يؤكد باستمرار أنه مع هذا التوافق الفلسطيني، ويكرر باستمرار التزامه بمنظمة التحرير وبإقامة الدولة الفلسطينية معاً، لذلك فإن ما يجري من حراك لاستبدال المنظمة بحكومة لسلطة الحكم الذاتي هي الآن في أضعف حالاتها بينما آفاق تطويرها إلى دولة قد وصلت إلى طريق مسدود إنما هو بالتأكيد تطور يتعارض مع الموقف الرسمي الأردني، ومع ذلك فإن الدبلوماسية الأردنية مدعوة لتأكيد هذا التعارض منعاً لسوء الفهم وقطعاً للطريق على أي محاولات للاصطياد في مياه عكرة.
 ومما يزيد الطين بلة أن حكومة السلطة الحالية هي الأضعف والأقل تمثيلاً لشعبها بين كل سابقاتها وتستمد شرعيتها من شرعية وطنية مجتزأة هي شرعية الرئاسة المنتخبة التي تعيش أواخر أيام ولايتها، ولا يبقيها عائمة سوى كونها الأكثر تساوقً مع شروط المانحين وهي نفسها شروط الاحتلال التي تبناها المانحون لها بحذافيرها، وجدول أعمالها الاقتصادي يقرّره المانحون ويحصرونه في الرواتب والأمن بينما يقرر جدول أعمالها الأمني المجلس الثلاثي للجنرالات الأميركيين وليم فريزر وجيمس جونز وكيث دايتون، وهو المجلس الذي يمثل المرجعية الحقيقية لبرنامج هذه الحكومة والذي يضع في رأس جدول أعماله تصفية كل المعارضين للرؤية الأميركية – الإسرائيلية لحل الصراع وفي مقدمتهم بالطبع منظمة التحرير وحركة فتح في الخارج وامتداداتهما الداخلية بخاصة وحركة حماس في الداخل على الأخص .
 إن الصراع غير المعلن بين سلطة الحكم الذاتي وبين مرجعيتها منظمة التحرير الفلسطينية، وفي غطار كلٍ منهما على حدة، بين تيارين يصطرعان داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" على قيادة السلطة والمنظمة وعلى دوريهما، وبين فتح "الداخل" وفتح "الخارج" وبين فتح أوسلو وفتح المعارضة لأوسلو، وبالتالي بين المنظمة في الداخل وبين المنظمة في الخارج، هو صراع يذكر بدوري جولد، سفيرإسرائيل الأسبق لدى الأمم المتحدة وأحد أهم مستشاري رئيس وزراء دولة الاحتلال السابق، آرييل شارون، السادر في غيبوبته منذ بضع سنوات والذي أورث سياساته لخلفه إيهود أولمرت ولحزب "كاديما" الذي يقود الائتلاف الحاكم حالياً، عندما حث في دراسة له بعنوان "الضفة الغربية لإسرائيل" عام 1987 على تطوير سلطة للحكم الذاتي الفلسطيني تحل محل منظمة التحرير كممثلة للشعب الفلسطيني وتفرز قياداتها المحلية في الضفة وقطاع غزة كبديل لقيادات المنظمة لتوقع في النهاية باسم الشعب الفلسطيني على إنهاء الصراع مع دولة الاحتلال، ولا بد من الاعتراف لدوري جولد ببعد النظر وبان رؤيته المبكرة تكاد تتحول الآن إلى واقع سياسي.      
 لذلك فإن الصراع – الانقسام بين السلطة وبين المنظمة أقدم وأخطر من الانقسام الراهن بين فتح وبين حماس، لا بل إنه كان الانقسام الذي فتح ثغرة واسعة في دور المنظمة دخلت منها حماس كبديل لطرفي الاصطراع الذي يوظف الصراع الفتحاوي – الحمساوي للتغطية على "الانقلاب" الحقيقي الجاري في الساحة الفلسطينية برعاية أميركية – إسرائيلية معلنة، والذي يجري التعتيم عليه كشرط لازم لإنجاحه. وفي هذا السياق يندرج ما يدور من صراع وجدل حول انعقاد أو عدم انعقاد المؤتمر الحركي السادس لفتح وحول مكان وزمان انعقاده إن اتُفق على عقده، وحول انعقاد أو عدم انعقاد المجلس الوطني لمنظمة التحرير كما حول مكان انعقاده في "الداخل" أو في "الخارج" ناهيك عمن يحضره. .  إن اتُفق على انعقاده، ثم ردود الفعل على مصادقة الرئيس محمود عباس على تعيين رئيس للدائرة العسكرية للمنظمة من غير الأعضاء الأصلاء في اللجنة التنفيذية ومن غير ممثلي الفصائل الكبرى فيها، وكذلك السجال العلني بين مستشاري الرئيس عباس وبين رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي للسلطة عزام الأحمد حول توقيع الأخير لإعلان صنعاء كتتويج للمبادرة اليمنية تم إجهاضه خلال دقائق بعد توقيعه، وكذلك حول وجود "فيتو" أميركي على الحوار بين فتح وبين حماس، كما قال الأحمد، أو عدم وجود مثل هذا الفيتو كما كرر عباس نفسه القول، الخ.
 والدليل الملموس الأحدث على التوجه لإلحاق المنظمة بحكومة السلطة، التي تستمد تفاصيل سلطاتها من مصادقة الحاكم العسكري للاحتلال الإسرائيلي عليها (بموجب الاتفاقيات الموقعة)، كان مبادرة حكومة سلطة الحكم الذاتي إلى اشتراط مصادقتها والرئيس عباس على هيكليات مؤسسات المنظمة كشرط مسبق لصرف رواتب موظفيها، وقد جاء هذا التطور متاخراً لكنه كان تحصيل حاصل لحلول وزارة مالية السلطة محل الصندوق القومي الفلسطيني كمصب لتمويل منظمة التحرير وسلطتها مما حول خزينة السلطة إلى قناة لتمويل المنظمة فارتهنت المنظمة بذلك للسلطة ولمنح مانحيها المشروطة سياسيا بشروط أملاها الاحتلال نفسه.
 لقد أفرز الانقسامان الأقدم والأحدث قوة أو قوى "ثالثة" لم تتبلور وطنياً بعد في إطار سياسي معلن وواضح لكن أركانها وسياساتها واضحة تماماً في تقاطعها بل تطابقها مع "الرؤية" الأميركية – الإسرائيلية لتسوية الصراع سياسياً، أو تصفيته لا فرق، وهذه القوة أو القوى متداخلة مع تيار ينسجم معها في فتح والفصائل المؤتلفة معها في إطار منظمة التحرير، وهي تسعّر كلا الانقسامين، لأنها الوحيدة المستفيدة من استمرارهما، وتناور بينهما وتقتطع لنفسها يومياً نفوذا متنامياً على حسابهما فهي، لا فتح، التي تتولى عملياً مقاليد حكومة الحكم الذاتي في رام الله، وتسعى إلى السيطرة على مؤسسات صنع القرار في فتح والسلطة والمنظمة، بينما تحرص على استمرار حصار حماس سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بسبب عدم توفر الإمكانيات العملية التي تتيح لها تغلغلاً مماثلاً في صفوفها، بحيث يكاد يكون هذا هو الانقلاب الفعلي الذي يستحق هذا الوصف على الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وعلى كل مؤسسات أطراف انقساماتها الحالية، فيما تنشغل هذه الأطراف في الفعل ورد الفعل على الانقسامين وتشغل معها الأشقاء العرب  في البحث عن طرق ووساطات لاحتوائهما.
 وهذا الوضع المعكوس الذي يتطور للعلاقة بين السلطة وبين المنظمة يتناقض تماما مع القرار الواضح الذي اتخذه المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة بتونس بين 10 – 12 تشرين الاول/ اكتوبر 1993 بانشاء "السلطة الوطنية الفلسطينية" كسلطة تابعة لمرجعية المنظمة التي أنشاتها، وهو وضع يضع عربة قيادة منظمة التحرير أمام حصانها في وضع خطر يهدد فيه أي انهيار للسلطة بانهيار المنظمة ذاتها، وربما يكون هذا هو الهدف النهائي للتحالف الأميركي الإسرائيلي الذي يشجّع ويموّل تغوّل السلطة وحكومتها على منظمة التحرير، لضرب الطرفين ببعضهما تمهيداً لتصفية "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" المعترف به عربياً ودولياً.
 ولم يعد خافياً على أحد أن استمرار هذا الانقسام الفلسطيني الأقدم والأخطر يمثل العقبة "الداخلية" الأكبر أمام نجاح أي حوار وطني بين فتح وبين حماس وأن حسم هذا الانقسام الأقدم هو شرط مسبق لإنهاء الانقسام الراهن بين الحركتين اللتين تقودان النضال الوطني، وخير دليل على ذلك الطريق المسدود الذي وصلته ثلاث سنوات تقريبا من جولات الحوار وسلسلة الوساطات العربية وغير العربية بين الحركتين والذي لخصته "الأهرام الاسبوعي" باللغة الانكليزية في عددها الأخير الصادر في الثامن والعشرين من الشهر الماضي  في عنوان تقريرها الرئيسي: "لا تقدم على الإطلاق"! والمفارقة أن حماس غير العضو في المنظمة وهي تطالب بتفعيلها على قاعدة الشراكة الوطنية وفقاً لاتفاق القاهرة تبدو "خشبة النجاة" الرئيسية لإنقاذ المنظمة من التصفية التي تخطط لها كما أنها تبدو أكثر حرصاً على المنظمة ممن يستخدمون المنظمة ومرجعيتها سلاحاً ضدها.
 إن النجاح الساحق الذي حققته حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006 لم يكن هزيمة لفتح بقدر ما كان هزيمة مرّة لمنظمة التحرير بكل فصائلها الأعضاء وهزيمة لبرنامجها السياسي ومن هنا الصدمة القوية التي أصابت الائتلاف الدولي الذي يرعى هذا البرنامج دبلوماسياً وسياسياً ومالياً باعتباره أساسا عملياً صالحاً لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي سياسياً عن طريق المفاوضات، ومن هنا أيضا الخطأ الفادح الذي ارتكبه هذا الائتلاف بتبنيه للاستراتيجية التي تبنتها دولة الاحتلال الإسرائيلي للانقلاب على نتائج تلك الانتخابات التي وجدت تل ابيب فيها فرصة ذهبية أولا للتحلل من استحقاقات العملية السياسية الجارية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 والتي انطلقت على أساس ذلك البرنامج، وثانياً لشقّ الوحدة الوطنية الفلسطينية وفرز طرف فلسطيني أضعف وأسهل ابتزازاً وأكثر تساوقاً مع رؤيتها ل"إنهاء" الصراع، وثالثاً لكسب المزيد من الوقت لفرض المزيد من الحقائق الإسرائيلية على الأرض لكي يتحول التفاوض على أساس برنامج المنظمة من مفاوضات على تبادل الأرض "المحتلة" مقابل السلام إلى مفاوضات على تقاسم أرض "متنازع عليها".
 وهذا الخطأ الفادح الذي انساق إليه الائتلاف الدولي المؤيد لبرنامج منظمة التحرير انساقت إليه أيضا الدول العربية، وخصوصاً الدولتين المجاورتين الملتزمتين بمعاهدتي سلامهما مع دولة الاحتلال في مصر والأردن، لكنّ الاخطر من ذلك أن قيادة المنظمة نفسها قد وقعت في فخه.
 وبالرغم من أن القطيعة بين الأردن وبين حماس سابقة على الانتخابات الفلسطينية ولها أسبابها الثنائية وبالتالي فإن لاعادة وصل ما انقطع أسبابه الثنائية ايضاً، فإن الانفتاح الأردني الأخير على حماس من جانب آخر يشير إلى توجه سليم لتدارك ذلك الخطأ الفادح يؤهل الأردن لوساطة أكثر نجاعة في الاصطراع الفلسطيني باتجاه مساعدة قيادة منظمة التحرير في تدارك الخطأ نفسه الذي وقعت فيه للخروج من الفخ الإسرائيلي عبر الطريق الوحيد المفتوح للخروج من ذلك الفخ وهو إعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية من خلال تفعيل المنظمة على قاعدة الشراكة الوطنية بين مختلف أطياف الاجتهاد الوطني الفلسطيني.
 *كاتب من فلسطين
 nicolanasser@yahoo.com *