إلى أين يذهب 5 ملايين فلسطيني؟
بقلم عبد الرحمن الراشد 2008-09-14
في حديثه هذا الأسبوع، إلى صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، اعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن اللاجئين يمثلون العقدة الرئيسية التي تحول دون اتفاق سلام مع إسرائيل. قال إن الأمور ليست واضحة بعد، وان كل جزئية فيها تفاصيل معقدة للذين سيعودون إلى أراضي الضفة الغربية وغزة، وأولئك الذين سترضى إسرائيل بعودتهم إلى أراضيهم، أي إسرائيل اليوم. وهناك اللاجئون الذين سيبقون على أراضي الدول العربية التي يسكنونها اليوم، فيصبحون مصريين ويمنيين وسعوديين وإماراتيين وتوانسة وغير ذلك. وفي ما إذا كانت إسرائيل ستسمح بمنحهم هويات مزدوجة فلسطينية. أضف إلى ذلك مسألة التعويضات، فهل تعطى للجميع في الخارج أم فقط للذين يسكنون المخيمات.
باختصار نحن نتحدث عن جبل من المشاكل وأمة من اللاجئين من خمسة ملايين فلسطيني. رقم أضخم مما تستوعبه الأراضي الفلسطينية، وأصعب من أن يتجاهله أي مفاوض في العالم، إنسانياً وسياسياً واقتصادياً وإدارياً.
سيصعب على أي مفاوض أن يجد لهذه الملايين حلولاً معقولة، وان تطمئن كذلك إسرائيل القلقة دائماً من الديموغرافيا الفلسطينية. وسيصعب على أبو مازن استمالة المنظمات الفلسطينية التي تعهدت لمواطنيها بالعودة، وإقناع الدول المضيفة التي تحملت الكثير في انتظار خروجهم يوم العودة. فهناك من أعلن رفضه التوطين مثل لبنان، وهناك دول عربية ستتعاون فقط بمنح الإقامة لنصفهم.
بالنسبة للمحظوظين، الذين سيسمح لهم بالعودة، على اعتبار أن «حق العودة» لا يعني فعلاً العودة، فقد يكتشفون أن الحلم ليس إلا كابوساً بعد أن مر نصف قرن منذ أن غادروا بيوتهم، تبدلت بعدها الخرائط والأملاك. أما الذين سيبقون على الأرض التي استضافتهم، وغالباً نحن نتحدث عن الأردن وسورية البلدين الأقل تذمراً من وجود اللاجئين الفلسطينيين، فان توطينهم سيعني انتقال المسؤولية من منظمات الغوث الدولية إلى إدارة الحكومات المحلية التي لا تملك ما يكفي لتدبير شؤونها. أيضاً لا نعرف الكثير بعد عن التعويضات إن كانت ستمنح للحكومات أم للاجئين. ومهما كان القرار فإننا نتحدث عن تغيير قد يستغرق عشر سنوات يتم فيها تغيير الفلسطيني من لاجئ إلى مواطن يتحمل مسؤوليته الشخصية بنفسه.
ومع أن الرئيس أبو مازن متفائل بأنه قادر على إعادة أكثر من مائة ألف فلسطيني إلى داخل إسرائيل، إلا إنني أظن أنها ستتسبب في أزمة، وقد لا يجرؤ أي رئيس وزراء إسرائيلي على تنفيذها.
أبو مازن، خشية أن يبيع مواطنيه أوهاما، يردد كثيراً انه لا يوجد حل بعد، وهذا صحيح إلى حد ما. يقول إن الإسرائيليين يماطلون، وقد انسحبوا بلا سبب معلن، وهو أمر متوقع لأنه ليس في صالح إسرائيل أن تغير الوضع الراهن. ليس في صالح إسرائيل أن تقوم دولة فلسطينية، ولا أن يعود نحو مليون فلسطيني إلى الضفة وغزة، لأن فيه تغييراً خطيراً في ميزان القوى الديموغرافي في محيطها. وتكره أن تقدم تنازلات أيضاً في المياه والحدود والقدس، ولا تريد أن تخسر ذريعة الصراع الذي يمنحها تعاطف اليهود في أنحاء العالم، ويساعدها على جمع التبرعات الهائلة، ويوحد اليهود داخل إسرائيل نفسها ضد العدو العربي. لكن على إسرائيل أن تعترف بأنها حلبت منافع الصراع طويلاً من غباء العرب، وقد تعلم الفلسطينيون، والعرب عموماً، خطأ الاكتفاء بالخيار العسكري، ولم يعد أمام الطرفين إلا القبول بالحل السلمي النهائي.