حرَج الرئيس من المطالبة بالحقوق!
د. فايز رشيد 2008-09-07
في مقابلة له مع إحدى الفضائيات العربية، وخلال الحوار في برنامج تم بثّه منذ فترة قريبة، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبالحرف الواحد (إنه لا يستطيع أن يطالب بعودة ملايين اللاجئين، ولا بد من البحث مع إسرائيل تفاصيل عدد العائدين)، أي إن الرئيس يحرج أو يخجل من المطالبة بعودة كل اللاجئين الفلسطينيين (وكان عددهم عندما هجرتهم إسرائيل ثلاثة أرباع المليون فلسطيني عام 1948، لكن ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن فمع أبنائهم وأحفادهم فإنهم أصبحوا يعدون 5 ـ 6 ملايين فلسطيني)، كما رهن حق العودة بموافقة إسرائيل على العدد، ومن المعروف أن ـ إسرائيل من اليمين فيها إلى اليسار ـ، ترفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين بالرغم من القرارات العديدة التي ضمنت لهم هذا الحق، والتي لا يمكن استعراضها لكثرتها، وكلها قرارات صادرة عن الشرعية الدولية، أي عن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ربطت اعترافها بإسرائيل بمدى موافقتها على تنفيذ حق العودة.
كما أنه وعلى مسمع من كل العالم (فقد حرصت إسرائيل على إذاعة وبث مقطع قصير بعينه من اللقاء الأخير الذي أجراه الزعيم الفلسطيني مع رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، الأول من سبتمبر الحالي) وبخّ فيه أولمرت عباس لاستقباله الأسير اللبناني المحرر سمير قنطار في أثناء زيارته الأخيرة إلى لبنان، وكان من المؤسف أن تبرير أبو مازن للقاء كان ضعيفاً ومفككاً، ولا ينم عن الندًّية بين الاثنين، فقد حاول عباس التنصل من هذا اللقاء (وكأنه عيب أو حرام)، ولم يقف الرئيس الفلسطيني ليدافع عن سمير القنطار باعتباره مناضلاً في حركة تحرر وطني فلسطيني ـ عربي ـ إنساني، يسعى لرد العدوان عن أبناء أمته وشعبه، مناضل بقي في السجن ثلاثين عاماً في سبيل هذه الحقوق ولم ينكسر، رغم كل الحرص الإسرائيلي على كسر عنفوانه وإيمانه، لم يقف الرئيس الفلسطيني ليعدد الإرهاب اليومي الإسرائيلي ضد أبناء شعبنا الفلسطيني، وشعبنا اللبناني، وشعبنا السوري، وشعبنا المصري، وضد الأمة العربية بأسرها، وضد الإنسانية أيضاً ولم يعدد الكثير من المجازر الإسرائيلية: من دير ياسين وكفر قاسم مروراً بمجزرة الحرم الإبراهيمي وصولاً إلى قانا الأولى والثانية.. ومجازر كثيرة أخرى غيرها.
لم يقف الرئيس أبو مازن ليؤكد حق الشعب الفلسطيني في مقاومة محتليه، الذين هم من يمارسون إرهاب الدولة، ومن يحتلون أراضي الآخرين، ومن اغتصبوا وطناً واقتلعوا أهله وأجبروهم على الهجرة، لم يقف ليعدد مجازر الهاغناه وشتيرين والأرغون، ومجازر إسرائيل الدولة، والحركة الصهيونية التي أقرت الأمم المتحدة بأنها شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري (ومعروفة هي الظروف التي تم فيها إلغاء ذلك القرار).
لقد سبق لإسرائيل في أوائل هذا العام أن شنت حملة شعواء على القيادة الفلسطينية وعلى أبو مازن شخصياً لأنه ساهم في تكريم بعض الأسيرات الفلسطينيات، وللأسف لم يصدر عن السلطة الفلسطينية أي بيان يستنكر ويدين الاتهامات الإسرائيلية، ويعدد الإرهاب الإسرائيلي ولو في بعض محطاته،.
ما الذي تريده إسرائيل؟ كنا نتمنى على الرئيس الفلسطيني أن يسأل نفسه هذا السؤال، وإذا كانت الإجابة عن السؤال ليست واضحة في أذهان البعض، فلنذكر بها إن نفعت الذكرى.
إسرائيل تتنكر لكل الحقوق الوطنية الفلسطينية من العودة، مروراً بإصرارها على بقاء القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل ومروراً برفض الانسحاب من كل مناطق 1967، وسحب المستوطنات وصولاً إلى رفض الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، إسرائيل تريد من الفلسطينيين والعرب التطبيع قبل اعترافها بأي من الحقوق الفلسطينية والعربية، وهي تمارس الابتزاز السياسي للفلسطينيين والعرب، وفرض رؤاها للحل عليهم، أي إنه ليس مسموحاً لهم المطالبة بحقوقهم، وإن عليهم أن ينصاعوا فقط لما تريده إسرائيل التي لا ترى الحقوق الفلسطينية سوى من منظار الحكم الذاتي على القضايا الحياتية للفلسطينيين، وفي العرف الإسرائيلي ممنوع على كل العرب امتلاك أي سلاح تعتقد انه يهدد أو قد يهدد الأمن الإسرائيلي، لذلك فمنذ شهور فإن القادة الإسرائيليين يهددون لبنان لأن مقاومته ( من وجهة نظرهم) تمتلك أسلحة تطال العمق الإسرائيلي.
إسرائيل لا تحارب الوجود الفلسطيني ذاته أو الوجود العربي فقط، هي تحاول طبع الذاكرتين بتاريخ جديد، ينسى حقوقه التاريخية، ومراحل عزّه وجبروته، بواقع جديد عنوانه (الهيمنة الإسرائيلية) السياسية والعسكرية والاقتصادية على كل منطقة الشرق الأوسط، ولهذا السبب تدعوه هي وحليفتها الاستراتيجية (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير لا فرق)، إسرائيل تريد من الفلسطينيين والعرب الاعتراف بيهوديتها وبحق كل اليهود في العالم أجمع الهجرة إلى دولتهم التي تمتد جذورها بزعمهم في التاريخ إلى ثلاثة آلاف سنة.
إسرائيل تريد للفلسطينيين والعرب محو المقاومة من الذاكرتين الفلسطينية والعربية باعتبارها (إرهاباً دموياً)، وأن الحركة الصهيونية هي (حركة التحرر الوطني اليهودية) الحركة (العادلة والمظلومة على مدى التاريخ، والحركة التي لابد من الاعتراف بها وسماع عدالة آرائها وتوجهاتها) أن تمتلك قضية عادلة لا يعني انك تحسن الدفاع عنها، (فالعرب أسوأ المحامين عن أعدل القضايا)، هذه جملة قيلت في أوائل الخمسينيات على لسان الكاتبة البريطانية ايثيل مينون.
بالتالي فإن الخطاب السياسي لمن يمتلك قضية عادلة له شروطه وموجباته، ومن أهمها التذكير الدائم بعدالة القضية. أما الخطاب السياسي العفوي، الخجول، الضعيف، المفكك، المرتبك فهو يلحق أفدح الضرر بالقضية العادلة، ويقلبها رأساً على عقب.
وفي بعض الأحيان يكون العكس، فالظالمون والمستعمرون والمحتلون (الذين يمارسون الاستعمار والاحتلال على الآخرين) قد يطرحون قضاياهم بحيث يخرج غير المعنيين مباشرة بالصراع (ممن لا يعرفون حقائق الأمور) باستنتاج: وهو عدالة هذه القضايا، تماماً مثل خطاب رابين في حديقة البيت الأبيض عند التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد (مقارنة بالخطاب الفلسطيني الذي لم يعرف كيف يبين عدالة قضيته)، الذي صور إسرائيل باعتبارها حملاً وديعاً وحمامة سلام.
آن الآوان بالفعل لأن نحسن الدفاع عن قضيتنا العادلة في خطابنا السياسي.