يهود يتذكرون النكبة

المحرر: أفيف لافي

جمعية "زوخروت" اليهودية تنظم المسيرات للقرى المهجرة في "استقلال" إسرائيل، وتعلق لافتات عربية عمّا كان هنا قبل الـ 48، في داخل المدن اليهودية, مرة في السنة تظهر في "أشكلون" (عسقلان) مجموعة من العرب الذين يأتون لزيارة وطنهم. هذه المجموعة هي من مهجري مجدل، البلدة الكبيرة التي احتوت حوالي 12 ألف نسمة، والتي كانت قائمة حتى سنة 1950، في المكان الذي تقوم فيه الآن مدينة يهودية تمامًا. ويزور المهجرون المقبرة للاختلاء بأعزائهم ويجرون نزهة ويعودون إلى بيوتهم، إلى اللد. في الزيارة الأخيرة شمل الوفد حافلتيْن: واحدة للمهجرين، والثانية لمجموعة من عدة عشرات من اليهود، من أعضاء جمعية "زوخروت" (يتذكّرنَ)، الذين أتوْا للتضامن وتعلّم التاريخ من خلال الناس الذين عايشوه على أجسامهم.
إلا أنّ أعضاء "زوخروت" لا يكتفون بالنزهات وبالقصص المتوارثة. فقبل الزيارة حُضرت عدة لافتات، حيث أخرجَتْ عند وصول الوفد إلى المكان الذي كان في السابق مسجدًا، ويُستخدم اليوم مطعمًا للهامبورغر ولمتحف مدينة "أشكلون". وفي نقطة قريبة من المكان وُضعت لافتة كُتب عليها -بالعبرية وبالعربية- "ساحة تجميع عرب المجدل وطردهم إلى غزة". وعند تقاطع شارع هرتسل وإيلي كوهِن أضافوا على اللافتات الموجودة ما دلّ بوضوح على أنّ هذا المكان شكّل في السابق تقاطعًا لشارعي "السوق" و"الأستاذ"- اللذيْن كانا الشارعيْن الرئيسييْن في مجدل.
لم تمرّ هذه الأعمال بخير بالطبع. فقد ردّ بعض من سكان "أشكلون" بالشتم والقذف. وقرر أحدهم، موشيه كوهِن اسمه، أن يقوم بفعلة ما. فبعد تعليق اللافتة بدقائق معدودة نزعها بالقوة. وعندها بدأت شادية حجازي، واحدة من اللاجئين، باللحاق به. فتبادلا الشتائم وبعضًا من الدفشات. "هل يضايقك هذا؟" صرخت عليه وهي ترفع اللافتة التي ألقى بها على الرصيف. "هل يضايقك هذا؟ بيتي كان هنا، وأبي سكن هنا، حيث المسجد". فأجاب كوهِن، الذي كان في الثالثة من عمره حين هاجر مع أهله من العراق في العام 1951: "بيتي هنا أيضًا".
عودة إلى "زوخروت". إيتان برونشطاين يصرّ على أن يتذكّر ويُذكّر. وهو من سكان هرتسليا، في الرابعة والأربعين من عمره، يدير قسم الشبيبة في مدرسة السلام في "واحة السلام"، وهو مؤسس ومجترح الفكرة والقلب النابض في جمعية "زوخروت"، والتي على الرغم من إسمها (النسائي)، فإنها تجمع في كنفها غالبية من الرجال. وحول اختيار مثل هذه التسمية يوضحون: "من أجل دفع ذاكرة أخرى إلى جانب الذاكرة الصهيونية المسيطرة، وهي ذاكرة عنيفة ورجولية بشكل كبير. ومن المفترض بالذاكرة الأخرى أن تسعى نحو المصالحة والتماهي مع الجانب الفلسطيني، الذي يقوم الرجال فيه أيضًا ببلورة الذاكرة المهيمنة".
من غير المرجح أنّ هذه القولبة النسائية تجعل من البضاعة التي تعرضها "زوخروت" أسهلَ على الهضم عند الغالبية الساحقة ليهود إسرائيل. وكما أنّ بقايا الحياة الفلسطينية مدفونة تحت المدن والبلدات اليهودية، والتي في غالبيتها أطلال وتجمعات من الصبّار ترمز إلى ما كان، فإنّ النكبة الفلسطينية أيضًا دفينة في عمق الوعي الإسرائيلي تحت طبقات ثخينة من الإقصاء والإسكات. فعندما يأتي أحدٌ مع لافتة ويحاول تغيير السطح والواقع، فإنه يكون أشبه بالشبح الذي يخرج فجأةً من الزّق- كتب برونشطاين في مقالة له.
يدعي برونشطاين وزملاؤه في "زوخروت" أنه لا خيار أمامنا، ويجب علينا أن نتغلب على الخوف: فهم مقتنعون بأنه لا أمل في بناء قاعدة لمستقبل أفضل، من دون التخلص من قيح الماضي. وينعكس هذا التوجه في موقع الجمعية بشكل لا يسمح إلا لعدد قليل جدًا من اليهود بهضمه. وفي الموقع الذي يتخذ من ثقب المفتاح في الباب رمزًا له، تظهر خارطة لأكثر من 400 بلدة وقرية فلسطينية التي امّحت عن الأرض. وفي مفتاح الخريطة كُتب إلى جانب النقاط التي ترمز إلى البلدات اليهودية في الخارطة: "مستوطنات صهيونية أقيمت حتى 1948" و"مستوطنات صهيونية أقيمت بعد 1948".
وقد أثارت هذه التسميات حمية يوآف كيرن، كاتب مقالات في "معاريف"، وقابل تحت عنوان "دعائيو حماس بين ظهرانينا" بين منظومة المفاهيم الخاصة بـ "زوخروت" وبين تلك الخاصة بحماس، حيث نشرت الأخيرة بعد واحدة من هجمات بصواريخ "القسام" منشورًا احتوى تقريرًا عن الإصابات الناجحة في "مستوطنة سديروت". ويرفض أعضاء "زوخروت" هذه المقابلة؛ فهم يعارضون جميع صنوف العنف.
"بمفهوم معين فإنني أنظر إلى هذه البلاد بنظرة أخرى اليوم"، يقول برونشطاين. "في كل يوم أسافر فيه للعمل في شارع الشاطئ أشعر بأنني أعبر إلى جانب إجليل (البلدة العربية التي كانت قائمة على أراضي هرتسليا)". إيتان رايخ، طالب جامعي للقب الثاني في جامعة تل أبيب: "أنت ببساطة تبدأ برؤية البلاد بأكثر من مستوى واحد. أنا لم أعد أعمىً أمام الأطلال الموجودة على جوانب الطرقات. إلى جانب شارع الشاطئ في منطقة نتانيا هناك بيوت مهجورة مكتوب عليها شعارات يهودية دينية متطرفة. في السابق كان كل هذا شفافًا بالنسبة لي، على خلاف اليوم".
البداية عند برونشطاين كانت من خلال أحد تصفحاته في الانترنت. فهو وُلد في الأرجنتين وفي سن الخامسة هاجر مع ذويه إلى إسرائيل ليستقر في كيبوتس "بحن"، قريبًا من الخط الأخضر. "عندما كنتُ طفلا كان أكثر الأمكنة التي أحبها قلعة كاكون، الواقعة على مبعد ثلاثة كيلومترات من الكيبوتس"، يقول برونشطاين، "وهي مبنى حجري جميل جدًا على رأس تلة، محاط بالخَضار، وبالأشجار المثمرة والصبار. كنا نذهب إلى هناك ونأكل الصبّار ولدي الكثير الكثير من ذكريات الطفولة من هناك.
"في مرحلة معينة كنتُ مركزًا للأطفال في الكيبوتس. وقررنا مرة في الحانوكاه (عيد الأنوار) أن نقوم بعملية كبيرة فاصطحبنا كل الكيبوتس إلى كاكون. وهناك صنعنا كتابات بالنار وكل كلمة تطرقت إلى قيمة إنسانية سامية- مع نضال السود في جنوب أفريقيا ومع المساواة والعدل وما شابه. ولكن من دون أيّ ذكر لتاريخ المكان. قبل حوالي 4 سنوات كنتُ أتصفح الانترنت وبحثت عن معطيات تاريخية وعثرت على خارطة لطولكرم. وفجأة رأيتُ الإسم كاكون.
"قلت لنفسي، كيف هذا؟ شعرتُ بأنهم يأخذون شيئًا يخصّني. ضغطتُ على النقطة وبكثير من الذهول اكتشفتُ أن المكان كان حتى 48 قرية فلسطينية كبيرة، فيها أكثر من 2،000 نسمة، وبها سوق كبيرة. وكان المبنى على التلة مسجدًا بُني -كما في مواقع كثيرة- على أنقاض قلعة صليبية. وفي لحظة واحدة تغيرت نظرتي إلى طفولتي. وفهمت كيف أننا جميعًا نعيش في إنكار وجهل، وامتلأتُ بالحرج عندما تذكرت تلك الحادثة في الحانوكاه. وبالنسبة لي فإن "زوخروت" هو ضغطتي بالماوس على كاكون".
وقد اختمرت فكرة بلورة أفكاره هذه في نطاق عملي ملموس بعد أن تنزّه في "متنزه كندا"، الذي أقامه "صندوق إسرائيل" (الكيرن كييمت ليسرائيل) عن طريق تبرعات من كندا، على أراضي أربع قرى فلسطينية: يالو، عمواس، بيت نوبا ولطرون، والتي امّحت فورًا بعد حرب حزيران 1967 على الرغم من أنّ سكان هذه القرى لم يبدوا أية مقاومة عسكرية، ولكن ذلك تمّ كجزء من إستراتيجية إسرائيلية لتوسيع "رواق القدس". وقد انضم برونشطاين إلى نزهة مع دليل نظمتها "شركة حماية الطبيعة" وانذهل حين اكتشف أنّ هذا التاريخ القريب لم يرد في تفسيرات وشرح الدليلة. لم ترد أية كلمة عن القرى الفلسطينية في اللافتات الموزعة في المتنزه أيضًا، والتي تبجل الفترات التي سكن فيها في المنطقة يهود وهيلينيون ورومان وبيزنطيون. وقد امّحت بضع مئات من السنين من التواجد العربي- وكأنها لم تكن. "قلت لنفسي يجب وضع لافتات. وعندها فكرت- لماذا هنا فقط؟ يجب فعل ذلك في كل البلاد".
في "زوخروت" اليوم حوالي مئة عضو- غالبيتهم من الشباب وغير محسوبين على الأسماء المعهودة في اليسار القديم- ويصل عدد عناوين البريد الكهربيّ في قائمة الجمعية إلى ألف عنوان. في السنوات الأخيرة أجروا عددًا من مسيرات العودة وطقوس وضع لافتات في أماكن كانت فيها في السابق حياة عربية: الجلمة (اليوم كيبوتس "لهفوت حبيباه")، إسدود (قريبًا من "أشدود")، عين غزال (قريبًا من موشاف "عوفِر" عند سفوح الكرمل)، مسكة (قريبًا من "رمات هكوفيش") وغيرها الكثير. وفي كل مكان يأتون إليه، يضعون فيه اللافتات، يلقون بعض الكلمات ويتعلمون التاريخ من أفواه اللاجئين الذين ما زالوا أحياء أو من أقرباء عُثر عليهم بجهد جهيد. كما تدير "زوخروت" مراسلات يقظة مع عدد من المؤسسات، مثل جامعة تل أبيب، التي طلبوا من رؤسائها أن يعكسوا -عن طريق لافتات- التاريخ الخاص بقرية "الشيخ مؤنس"، التي أقيمت الجامعة على أراضيها. وقد وقع على هذه الرسالة العشرات من المحاضرين الكبار، منهم شلومو زند وأورلي لوبين وأريئيل روبنشطاين، ولكن من دون تحصيلات حتى الآن.
أحيت "زوخروت" يوم النكبة الأخير، في الخامس عشر من أيار، بمسيرة راجلة لذكرى القرى العربية التي كانت تقع في منطقة النفوذ الحالية لمدينة تل أبيب. وقد ساروا من قرية "جماسين الغربية" إلى "صُميّل" (ملتقى شارعي أرلوزوروف- إبن غفيرول)، وفي المسيرة تتبعوا أسماء القادة الصهاينة التي تحولت إلى أسماء للشوارع (بنكس، نمير، جابوتنسكي) واطلعوا على الأدوار التي لعبوها في الكارثة الفلسطينية.
وفي يوم الاستقلال لم يروْا أي سبب للاحتفال. وبدلا من ذلك نصبوا في مواقع مختارة في تل أبيب منصات مرتجلة وقف عليها لاجئون أو أعضاء في الجمعية وقرأوا شهادات عن النكبة لكل من أعرب عن استعداده للسماع. ويعترف إيتان رايخ بأنّ غالبية المارة لم يفهموا عمّ يدور الحديث.

- ألا تخافون من أن يُنظر إليكم في مثل هذه الفعاليات على أنكم مجموعة من الحالمين اليقظين؟
"من يحلم أحلام اليقظة، نحن أم من يسير في الشارع في داخل بوتقة شفافة ولا يدرك أصلا عمّاذا يتم الاحتجاج؟"
في دولة ذُبحت بها غالبية البقرات المقدسة يهدد الانشغال بالنكبة الفلسطينية التابو الأخير ويثير معارضة عاطفية. "من ناحيتهم فإنّ هذا الأمر مماثل لانضمامهم إلى العدو"، تقول "ل"، طبيبة نفسانية في الواحدة والثلاثين من عمرها من تل أبيب، تفضل الامتناع عن الكشف عن هويتها، خشية من رد فعل العائلة على نشاطها في "زوخروت". فوالدها هو طيار مشهور، وهي قضت طفولتها في قواعد السلاح الجوي. كما أن شريكها السابق طيار: "هم لا يفهمون أصلا هذا الموضوع، ويبدو لهم أنني فقدت عقلي".
يقول إيتان برونشطاين إن الظاهرة الأكثر شيوعًا عند اليهود الإسرائيليين الذين ينكشفون لـ "زوخروت" هي "نهج الخوف": "هناك الكثير من الناس يتواصلون مع الفكرة الأولية جيدًا، ولكن فيما بعد، عندما يعون ما يعنيه هذا وما يجب القيام به، فإنه يستغرقهم الكثير من الوقت لتقبّل الأمور، هذا إذا تقبّلوها أصلا".
وهذا صحيح. فمن الصعب جدًا على يهودي ترعرع على الأسطورة الصهيونية أن يتعامل مع المواد التي تقترحها "زوخروت". وقد أصدرت الجمعية كراسات كثيرة، في كل واحدة منها تحقيق تاريخي وشهادات تتركز في ظروف محو بلدة فلسطينية معينة عن وجه الأرض. القراءة في هذه الكراسات هي أمر غير هين. ولا مجال يُذكر لطلاب جهاز التعليم الإسرائيلي في أن ينكشفوا أمام هذه الكراسات. ومن خلال المواد المنشورة تظل خرافات مثل "هم تركوا طواعية" أو "هكذا الأمور في الحرب" فارغة من أي مضمون. والسؤال هو: ما يمكن أن يُعمل الآن.
الإجابات في "زوخروت" عن هذا السؤال ليست موحدة. طاليا فريد، في الـ 30 من عمرها، طالبة للقب الثاني في علم النفس الاجتماعي في جامعة تل أبيب، لا تُشغل نفسها البتة في مسائل عملية مثل العلاقة بين نشاطات "زوخروت" وبين حق العودة. "أنا نسبيًا جديدة في الجمعية، وحتى الآن لم تكن لدينا أية محادثة حول نماذج نظرية لتطبيق حق العودة. ما يهمني الآن هو التوجه، السير نحو الطرف الثاني، الفرصة المتاحة أمامنا لتربية أنفسنا من جديد. من ينضم إلى مثل هذه النشاطات يتغير طيلة الوقت، ولا يمكن توقع نهاية الطريق. فالتعرف على قصة الآخر والتضامن معها هي تجربة مُحرّرة من كل ما أدخلوه إلى رؤوسنا".
برونشطاين عملي أكثر بكثير: "عندما تأسسنا لم نكن ندعم حق العودة. أردنا دفع النقاش وخلق عملية وسيرورة. ومن الواضح جدًا لنا الآن أنه لا يمكن تحمل المسؤولية عما حدث في 48 والقول في نفس الوقت إنك لا تدعم حق العودة. وفي داخلهم، يعرف غالبية الإسرائيليين ذلك، ولذلك فإنهم لا يرغبون في التعلم ومعرفة ما حدث في النكبة".

- أية عودة تقترح؟
"لا أعرف من يرغب في العودة، ولكن كل من يرغب بذلك فليعُدْ. وإذا لم تعد عندها دولة يهودية فلا حاجة. المنظومة المفضلة لدي هي دولة واحدة من البحر وحتى (نهر) الأردن، تتوفر فيها الحقوق لكل السكان، ويكون ارتباط مع الأرض عند الشعبين".