الموقف الأميركي من قضية اللاجئين الفلسطينيين

أسمهان شريح

قام مجلس الشؤون الخارجية الأميركي، في أعقاب اتفاق أوسلو، بتشكيل مجموعة دراسة مهمتها دراسة الجوانب المعقدة من القضية الفلسطينية وتقديم التوصيات بشأنها؛ حيث تم، في ذلك الوقت، اعتبار اتفاق "أوسلو"، انطلاقة جديدة في اتجاه التسوية الشاملة. وأشرفت الأستاذة في جامعة "سيراكوز" دونا.ي. أرزت على مجموعة الدراسة، التي ركزت اهتمامها على ما اعتبرته أكثر القضايا تعقيدا وصعوبة في صراع الشرق الأوسط، وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وكانت الحصيلة كتاب بعنوان: "من لاجئين إلى مواطنين"، نشر من قبل مجلس الشؤون الخارجية الأميركي سنة 1997.
تضمن هذا الكتاب الرؤية الأميركية لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين والتي لخصها جورج عطا الله مصلح النحو التالي:
"إذا أردنا حلا دائماًً ومقبولاً للصراع العربي الإسرائيلي، فيجب أن يشمل هذا الحل منح الجنسية للاجئين الفلسطينيين في كل أنحاء الشرق الأوسط.ولن يتوقف هذا الصراع ما لم يحصل اللاجئون الفلسطينيون على الجنسية؛ لأن ذلك يعني أنهم لن يعودوا بعدها مجرد ورقة للمساومة في جدول أعمال كل من طرفي النزاع. وبجب أن يكون قبولا ًمتبادلا ً بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ ولا يمكن أن يتحقق هذا القبول إلاّ إذا تغير وضع الفلسطيني وعقليته كلاجئ، ثم استيعابه ضمن خطة إقليمية دائمة تقوم على أساس عودة عدد محدد من اللاجئين إلى إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، ودمج اللاجئين الفلسطينيين في المجتمعات السورية والأردنية واللبنانية التي يقيمون فيها، وإعادة توطين عائلات فلسطينية في بلدان أخرى من الشرق الأوسط وفي البلدان الغربية. كما يجب دفع التعويضات للفلسطينيين الذين لا يعودون إلى أرضهم عن الممتلكات التي خسروها هناك، ويجب السماح لهم ، أيضا، بأن يحملوا جنسية مزدوجة، هي الجنسية الفلسطينية وجنسية البلد الذي يقيمون فيه" (1).
ينم هذا التصور لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عن جهل تام بحقيقة المشكلة الفلسطينية وطبيعة الشخصية الفلسطينية؛ وهذا أمر يدركه كل مطلع على القضية الفلسطينية، فالمسألة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين ليست مجرد سكن وجنسية، بل هي انتماء وتجذر في الأرض الفلسطينية، فلو سألت أي عجوز فلسطيني عن أمنيته في هذه الحياة لأجابك على الفور: أن أعود إلى قريتي لأدفن فيه.اوالأمر يتكرر بالنسبة لأي جيل فحتى الطفل الفلسطيني يقول أريد أن أعود إلى قريتي أو بلدتي أو مدينتي في فلسطين ويسميها.
وفي الخلفية التاريخية فإن الموقف الأميركي من الفلسطينيين كان متطابقا مع الموقف الصهيوني؛ ففي عام 1939، أعلن الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن خطة لترحيل مئات الآلاف من الفلسطينيين وتوطينهم في العراق على أن يموّل هذه العملية صندوق يأتي ثلث أمواله من اليهود ، والثاني من الحكومة البريطانية، والثلث الباقي من الحكومة الأميركية
وإبان مؤتمر مدريد بدأت لجنة اللاجئين في المسار متعدد الأطراف أو ل اجتماعاتها في أوتاوا( كندا ). وسعى المفاوض المصري إلى تحديد مسار ومرجعية ومسار محددين لهذه اللجنة استنادا إلى قواعد القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين المعنيين بالحقوق المدنية والسياسية، والقرارات الدولية ذات الصلة( قراري مجلس الأمن رقمي242و383، والقرار رقم 237لعام 1967، وقرارات الجمعية العامة خاصة القرار194 لعام 1948).
وبالنسبة للموقف الأميركي، فإنه انحاز إلى للطرح الإسرائيلي، لكنه سعى لتغليف هذا الانحياز بأطر شكلية، ومنها تقيده بمفهوم يجعل من لجنة اللاجئين في المفاوضات متعددة الأطراف مجرد مكان للتداول في الجوانب الإنسانية، باعتبار أن الموضوعات السياسية، والبحث في العودة والتعويض أو إعادة التوطين مكانها المفاوضات الثنائية. كذلك سعى الموقف الأميركي إلى توجيه جهود اللجنة إلى النقاط التالية:
- الحاجة على توفير قاعدة معلومات عن الأشخاص النازحين بسبب الصراع العربي- الإسرائيلي. ومعلومات عن اليهود "المطرودين" من الدول العربية، والمواطنين اللبنانيين المتضررين في السنوات الأخيرة والدروز السوريين، وغيرهم من النازحين بسبب الصراع
- دراسة كيفية قيام المنظمة الدولية والإقليمية بدورها لتحسين الأحوال المعيشية للاجئين دون المساس بالنتيجة النهائية للتسوية الدائمة الشاملة.
يتضح من هذا الطرح كيف سعت الولايات المتحدة إلى تعويم قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإغراقها في إطار أوسع دون تفريق بين ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بل إدخال يهود البلاد العربية في المعادلة بغية مقايضتهم باللاجئين الفلسطينيين، وهو أمر اتضحت ذيوله لاحقا، عندما طرحت إسرائيل أملاك اليهود العرب الذين هاجروا إلى "إسرائيل" مقابل أملاك اللاجئين للتنصل من موضوع التعويض.
وكان ذلك بمثابة مقدمة لاعتبار مرجعية قضية اللاجئين الفلسطينيين مقتصرة على قراري مجلس الأمن رقمي 242و338.وتأكد هذا الأمر، عندما امتنعت الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ 1948عن التصويت لصالح القرار194،فيما بدا أنه نقلة نوعية كبرى في السياسة الأميركية تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ ما أحدث قلقا عربيا، وارتياحا إسرائيليا، كما أثار المخاوف الفلسطينية من النوايا الأميركية. وفي التطورات اللاحقة بدا واضحا أن معيار القبول الأميركي لأي زعيم فلسطيني يقاس بمدى استعداده للتخلي عن حق العودة (2 ).

------------------------------------
الهوامش:
1- دونا. ي. أرزت، من لاجئين إلى مواطنين، ترجمة وتلخيص عطا الله مصلح، صحيفة الدستور، عمان.
2- محمد خالد الأزعر،التسوية السياسية. وقضية اللاجئين الفلسطينيين، صامد الاقتصادي، دار الكرمل عمان، العدد 105 صيف 1969.