حق العودة بين المدافعين والمقرظين

يطلع علينا بين الحين والآخر منظرين يدعون إلى الحفاظ على حق العودة بطريقة أقل ما يقال فيها أنها بعيدة عن المنطق والواقعية. والسيد سميح شبيب من هذه الفئة، ففي مقالة له نشرها موقع عرب 48 يوم 31/8/2002 يدعي فيها الحرص على حق العودة ويعتبر أن الحفاظ على هذا الحق يتركز في المجال التنموي والثقافي، ويبتعد عن الجانب السياسي قدر الإمكان.
ويدعي السيد شبيب أن جماعات الدفاع عن حق العودة تتهجم على القوى السياسية "وكي تجعل هذه الجمعيات من وظائفها وظائف حية ومتجددة، فقد جعلت من الدفاع ووسائل الدفاع، جوهر دعايتها، وبالمقابل، أخذت في التشهير والمزايدة، على قوى سياسية، وافتراض أعداء كي <<تصلح>> دعايتها!!!."
من الواضح أن السيد شبيب يقصد بـ "القوى السياسية" السلطة الفلسطينية وملحقاتها، أو حسب تعبيره" القوى المتنفذة في القيادة الفلسطينية"، وهي التي يدافع عنها ويبرئها من اتهام جماعات الدفاع عن حق العودة لها بـ "أنها قد باعت حق العودة".
والحقيقة أن كلام شبيب ينم عن ضحالة في التفكير والتحليل والمعلومات. وإلا ماذا يعني تصريح عرفات يعني قول عرفات لصحيفة "نييورك تايمز" يوم 3/2/2002 "إننا نبحث عن حل عادل لقضية اللاجئين، ونحن متفهمون لاهتمامات إسرائيل الديموغرافية، وندرك أن حق العودة سينفذ بصورة تأخذ هذه الاهتمامات بعين الاعتبار". وماذا يعني تصريحه لصحيفة هآرتس أنه يدرك بالتأكيد" أن إسرائيل هي دولة يهودية وانه يجب الحفاظ على هويتها هذه, مضيفاً انه "ثّمن" تفاهمات جنيف التي تقايض في جوهرها الدولة الفلسطينية بحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
ثم ألم يسمع السيد شبيب بـ "وثيقة أبوعلاء- بيريز"، وتفاهمات يوسي بيلين- أبو مازن ، وتفهمات نسيبة أيالون، التي ملآت الصحف ومواقع الانترنت، والردود والتعليقات عليها و الانتقادات لها، وبالتالي تحليل ما جاء فيها، وهو لا يتطلب كثير جهد وذكاء واطلاع لأنه واضح وضوح الشمس.
أخيرا ألم يطلع السيد شبيب على ما جاء في وثيقة البحر الميت/ جنيف فيما يخص موضوع اللاجئين وحق العودة؟ وفي الختام نصيحة نسديها للسيد شبيب بأن يحاول الإلمام بالقدر الأدنى من المعلومات، ومن ثم أن يتوخى الموضوعية لدى اختياره موضوعا للكتابة.
أسمهان شريح عضو اللجنة النسائية لدعم حق العودة

وفيما يلي نص مقالة شبيب
الدفاع عن حق العودة:شعار أم ثقافة؟/ سميح شبيب
حق العودة، هو حق شخصي وتاريخي وقانوني في آن معا، وهو بالتالي يمثل إحدى القيم والحقوق العليا. هو حق وليس منزها عن الضياع والفقدان، فيما إذا أهمل، وغاب عن الصيانة، وكما يقول المأثور <<لا يضيع حق وراءه مطالب>>.

أخذت مجموعات العودة، في التشكل والانتشار، غير المسبوق، في سوريا ولبنان ودول المهجر. منذ ما بعد الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في العام 1993، ومن ثم قيام السلطة الوطنية الفلسطينية.

خلق هذا الاتفاق وتطبيقاته العملية، أجواء من التساؤلات القلقة حول مصير اللاجئين الفلسطينيين، وترافق ذلك مع حملات دعائية، استندت إلى افتراضات وتوقعات، لم تكن دقيقة على أية حال. شعر الفلسطينيون من المهاجر والمنافي، وكأن قضيتهم قد سقطت، وأضحت عودتهم في خبر كان، بعدما كانت أملا، جمع تحت مظلته جموع اللاجئين، وحولهم إلى مقاتلين في سبيل الحرية والاستقلال، لدرجة يمكن القول معها، أن م.ت.ف كانت منظمة لاجئين، وان الثورة كانت ثورة لاجئين يطمحون لتحقيق حلم العودة!

اللافت للنظر في سياق نشاطات تلك المجموعات، أنها لم تفكر جديا في إقامة مركز تنموي واحد في المخيمات يأخذ على عاتقه الحفاظ على حق العودة، عبر نشاطات فولكلورية مثلا، أو عرض أفلام عن الوطن والمواطن الفلسطيني، وغير ذلك الكثير الكثير مما يمكن فعله في هذا السياق. كان من الطبيعي والحالة هذه، أن يتضاءل دور تلك المجموعات، وان تنزوي، باستثناء بعض المهرجانات والندوات وخلاف ذلك.

لعل مراجعة جادة لمرتكزات تأسيس تلك المجموعات، من شأنها أن تكشف عن أنها ليست مرتكزات ثابتة وقوية، ذلك أن السلطة الفلسطينية لم تشكل بديلا من حق العودة، ولعل ما جرى في كامب ديفيد وشرم الشيخ، كان من شأنه أن يكشف بوضوح وجلاء أن هذا الافتراض كان افتراضا وهميا، ليس إلا، وأن شبح التوطين، خاصة في سوريا ولبنان، هو شبح وهمي وافتراضي، اكثر منه واقعيا.

إن حق العودة، هو حق ذو طابع هجومي، ولا يحتاج إلى دفاع أساسا، ذلك انه حق شخصي وقانوني وتاريخي في آن معا، ولعل في ذلك ما يجعل منه حقا يحتاج إلى صيانة وممارسة، بمعنى إبراز الشخصي والقانوني والتاريخي، وهذا يحتاج إلى جهود ثقافية وسياسية وخلافها، وهذه الجهود، تتطلب جدية وحزما وإمكانات، كي لا ينسى هذا الحق، وألا يشوّه، وكي يبقى حقا يوحد لا يفرق، وكل ذلك يشير إلى ضرورة الخروج من المظهرية والشعاراتية ومناخ اللافتات، إلى حيز الجدية الثقافية، وتأسيس المراكز التنموية في المخيمات وأماكن اللجوء الفلسطيني، كي يبقى هذا الحق حيا في النفوس والعقول.

اللافت للنظر في وظائف بعض الجمعيات، وهي كثيرة، أن جعلت من الدفاع عن حق العودة ديدنها، وكأن هذا الحق بات في دائرة الخطر، وكي تجعل هذه الجمعيات من وظائفها وظائف حية ومتجددة، فقد جعلت من الدفاع ووسائل الدفاع، جوهر دعايتها، وبالمقابل، أخذت في التشهير والمزايدة، على قوى سياسية، وافتراض أعداء كي <<تصلح>> دعايتها!!!.

الخطورة في هذا السياق، تكمن في جوهر الدعاية الدفاعية التي تخوضها تلك الجمعيات، فهي تصور الأمور، وكأن حق العودة قد ضاع، حتى أن بعض تلك الجمعيات قالت جهارا نهارا، بأن القوى المتنفذة في القيادة الفلسطينية قد باعت حق العودة، مقابل الحفاظ على ذاتها وكيانها السياسي، وكان ذلك مقابل انسحابات من الضفة الغربية وقطاع غزة. انتشرت هذه الادعاءات في أوساط اللاجئين في الشتات، ولم يسهم ذلك بالطبع في تعزيز حق العودة ولا الدفاع عنه.

لعل قراءات متأنية لادعاءات <<بيع حق العودة>> وإرهاقه، من شأنها أن تكشف مدى عمق المخاطر المترتبة على هذه الادعاءات، ذلك أنها تسهم إسهاما جديا في إشاعة جو القنوط والإحباط في نفس اللاجئ، وتهزمه من الداخل، وبالتالي تجعل من ضياع حق العودة أمرا <<مفهوما>> لدى اللاجئين، وبالتالي تصبح الطريق ممهدة ومفتوحة أمام القبول بالأمر الواقع، وبالتالي الاختيار بين الهجرة الخارجية إلى ابد الآبدين، أو القبول بالتوطين فيما إذا حدث هذا التوطين!!!.

كان الأجدى بعمل مجموعات العودة، على كثرتها وتعدادها، العمل على صيانة حق العودة، بمعنى إقامة المراكز والمؤسسات الكفيلة بربط اللاجئين بحقهم الشخصي والقانوني والتاريخي بوطنهم، وبالعودة إليه. وهذا ما يحتاج إلى عمل جدي متواصل، له عمقه الثقافي والتعليمي والمجتمعي في آن معا!!... مع التنويه إلى أهمية البعد السياسي في قضية اللاجئين، دون أن نعتبر السياسي هو الأساس الأول والأخير.

قد لا يتمكن السياسي من تحقيق العودة الآن، أو في المدى المنظور، ذلك أن تحقيق ذلك يتطلب هزيمة الصهيونية داخل إسرائيل وهو ما يتطلب بدوره هزيمة الإمبريالية الأميركية... وقد لا يتحقق ذلك بالمدى المنظور، وهذا لا يعني بالطبع التخلي عن حق العودة، أو التبشير الساذج والمغرض بضياع هذا الحق...

تستسهل بعض القوى والمجموعات، التبشير بضياع حق العودة، دون أن تبذل جهدا جديا في الحفاظ على هذا الحق، وبالتالي التفريق الحاسم بين هذا الحق، كحق شخصي وتاريخي وقانوني، وبين كونه حقا سياسيا، نطالب السياسي بعدم التفريط به، دون أن نتمكن من إلزامه بتحقيقه الآن، أو تخوينه فيما إذا لم يتمكن من تحقيقه.

إلى ذلك، يبدو الآن، أن على القوى والمجموعات الخاصة بالعودة وبحق العودة، والدفاع عن حق العودة، البحث في الوسائل الكفيلة بتعزيز هذا الحق، وتجذيره في النفوس والعقول بدلا من استخدامه استخداما خاطئا، عبر التبشير بضياع هذا الحق وبيعه، وبالتالي الابتعاد عن لغة اللافتات والاستعراضات إلى لغة الفعل الجاد، الثقافي والمجتمعي داخل التجمعات الفلسطينية.